الجمعة، 11 أكتوبر 2019

مقالات عام 2019


الجمعة 11 توبر 2019 20:14

سيد أمين
أحيانا تعبر سلوكيات بسطاء الناس عن معانٍ ومدلولات عميقة ربما لا نصدق أنها هى ذاتها تطبق في أدق نظريات الادارة السياسية الرائجة في العالم، من تلك السلوكيات لجوء بعضهم لـ "البصق في الطعام" حينما يكون في حالة منافسة حامية مع أخرين للانفراد به، مدركا أنه بهذا التصرف المقزز
سيكسب المعركة بشكل نهائي وبأقل جهد ويخلو له الطعام بلا منازع.
كان يفعلها أيضا الشباب في أوائل القرن الفائت حينما كانوا يقومون ببتر أطرافهم لصناعة عاهة مستديمة تحول دون تجنيدهم إجباريا لخدمة الانجليز في الحربين العالميتين.
هذا السلوك -وبصورة مغايرة - سبقهم إليه العبد الصالح في السفينة التي خرقها كي يعيبها، مع فارق جوهري هو أنه خرقها لحمايتها وإبقائها لأصحابها المساكين بدلا من أن يستولى عليها الملك الظالم، وليس لكي يستولي هو عليها.

ترمب والسعودية

لكن بقليل من التمعن ستجد أن هذا السلوك يفعله الكثيرون من قادة وسياسيي العالم أيضا، ففي مواجهة المتأففين من سياساته سواء من داخل حزبه الجمهوري أو من المعارضين الديمقراطيين ، لجأ الرئيس الامريكي دونالد ترمب لاتباع تلك السياسة حينما حول عمليات استنزاف أموال بعض دول الخليج العربي لا سيما المملكة العربية السعودية من عملية روتينية تجري منذ عقود في سرية ويستفيد منها أي حاكم أمريكي سواء كان ديمقراطيا أو جمهوريا مقابل الصمت عن استبدادها وانتهاكاتها لحقوق الانسان ، إلى عملية علنية لا يصح بعد افشائها الابقاء عليها إلا في وجوده، وإذا اختفى فإنه لا يصح لمن يأتي بعده من دعاة الديمقراطية الابقاء على رموز تلك النظم في الشرق الأوسط مع المحافظة على تلك الشعارات التي يرددها ، خاصة مع قوله أنها لا تستطيع أن تحافظ على وجود حكمها لمدة أسبوع واحد دون الدعم الأمريكي، ما يعني أن بقاء هذه الكراسي هو قرار أمريكي خالص، خاصة أنها هى من تقمع الناس وتقطع أوصال من يختلف معها في الحرم الدبلوماسي الخاص بسفاراتها كما فعلت مع خاشقجي.
ترمب قصد بذلك وضع من يأتي بعده بين خيارين، إما فقدان هذه الرافد الهائل من الأموال والانتصار للقيم الامريكية المعلنة الداعمة لحقوق الانسان، وهو خيار صعب، أو أن يسلك ذات المسلك ويلقي بالشعارات التي يتم تسويقها للناس في سلة القمامة، وهو المرجح.
ذات الطريقة استطاعت بها الولايات المتحدة الايقاع بالاتحاد السوفيتي، حينما استطاعت تجنيد قيادات في الدولة الشيوعية كجواسيس ليقوموا بتعيين الأقل كفاءة على رأس المؤسسات، وهى السياسة التي أدت في النهاية لانهياره دون قتال.

البصق السعودي في اليمن

السعودية من جانبها راحت تطبق ما طبقه عليها ترمب ولكن على اليمن وجماعة قبلية فيه، فبعدما فشلت وحلفائها الإماراتيين والغربيين في الاستيلاء على كل اليمن في حرب غير متكافئة دامت خمس سنوات بدعوى الدفاع عن شرعية الرئيس عبد ربه هادي ضد مهدديها الحوثيين، راحت توعز لمقاول الاعمال القذرة "الامارات" لتعصف ميليشياتها بشرعية هادي وجيشه والاستيلاء على الاراضي التي كانت تسيطر عليها قواته تمهيدا لتقسيم اليمن والاستيلاء على جزء منه.
البصق السعودي في اليمن يتمثل في مبدأ يقوم على نظرية تخريب اليمن وفي حال العجز عن الاستيلاء عليه كاملا ينبغي تقسيمه والاكتفاء بالسيطرة على جزء منه عبر حكومة تدين بالولاء لها خاصة أن الجزء المسيطر عليه هو مدينة تطل على رأس "باب المندب" لما يمثله من من موقع استراتيجي.

تخريب مصر

الفكرة نفسها يمارسها أيضا رأس السلطة في مصر، ولكن بطريقة عكسية، حيث أثقل كاهل البلد بالديون والأعباء والالتزامات الدولية والداخلية التي تجعل من الشاق على من يأتي بعده أن يستطيع ادارتها أو يفي بتلك الالتزامات، خاصة أن الدين الخارجي تضاعف لما يقترب من الأربعة أضعاف، والدين الداخلي اقترب من الأربعة تريليونات وتضاعف أيضا ثلاثة أضعاف ما كان عليه، وخدمة الدين تلتهم أكثر من ثلثي الموازنة.
كما التزم بالتزامات دولية متنوعة ما كان يستطيع أي حاكم مصري أخر الموافقة عليها لكونها تجور على حقوق المصريين، كالتنازل عن جزر تيران وصنافير، وتوقيع صفقة القرن وسد النهضة وتوطين اللاجئين والحد من الهجرة غير الشرعية لأروبا ودفن النفايات النووية، والتوجه نحو الفاشية العلمانية تحت شعار "تغيير الخطاب الديني" - الاسلامي فقط - وتغيير هوية الدولة العربية والاسلامية وتغيير العقيدة الحربية للجيش وغيرها.
بذلك ضمن أنه لا يمكن لطامح أن يقترب من كرسي الحكم مع كل هذا الخراب حتى لو كان مرضي عنه غربيا، وكذلك يصعب على الغرب التفكير في تغيير رأس الحكم في مصر مع كل هذه الوعود التي ما كان يحلم أن يأتي من ينفذها له في مصر.
وقد عبر السيسي نفسه عن تلك السياسة حينما قال موجها كلامه لمعارضيه يحثهم على الاستسلام لإدارته بأن مصر من بعده لن تصلح له ولا لهم.

البصق في القطاع العام

النظرية طبقها أيضا مبارك وسابقه السادات لتبرير بيع القطاع العام بثمن بخس، خضوعا لما يقال إنها شروطا سرية لاتفاقية كامب ديفيد تقضي ببيع القطاع العام من أجل حرمان الجيش من الرافد المالي الوطني الذي يغذيه واخضاعه لرحمة المعونة العسكرية الامريكية.
خطة البصق في القطاع العام كانت تتم عبر تغيير قيادات الشركات العامة الناجحة واستبدالهم بآخرين فاسدين ومتأمرين مع تعميم سياسة اقصاء الكفاءات داخلها واستبدالهم بقليلي الخبرة.
​لكن ​المؤسف أن بصقات ترمب كانت من أجل رفاهية بلاده، بينما بصقات من يدعون أنهم من بني جلدتنا هي من أجل زيادة معاناة بلادنا.
..................................................

 الأربعاء، 09 أكتوبر 2019 :

وجهة نظر أخرى حول حرب أكتوبر

سيد أمين
نحن نعيش أجواء انتصارات الماضي في جو من انتكاسات الحاضر، لم يعد خافيا على أحد أن ما تحقق من انتصارات في تشرين الأول/ أكتوبر 1973، بسواعد الأبطال من جنود وضباط وجبهة شعبية عربية واسعة ومتلاحمة امتدت من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، تحول بقدرة يد مقتدرة إلى هزيمة نكراء في النتائج، وبدلا من أننا كمصريين نكون قد حررنا سيناء، اكتشفنا أن إسرائيل هي من تحكم القاهرة ذاتها. من هنا بدت تتردد الكثير من الأقاويل حول تلك الحرب التي لا نؤكدها ولا نكذبها، ولكننا بحاجة ماسة لقتل "الفأر" الذي يلعب في عب البعض منا نحوها، ويجعلهم يحملون وجهة نظر خاصة بهم عنها.
اكتشفنا ذلك عقلا ونقلا، بدءا من محاضرة آفي ديختر، رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي، في معهد أبحاث الأمن القومي التي نشرتها صحف إسرائيلية عام 2009، حول موقف إسرائيل من انفجار أي ثورة في القاهرة تطيح بنظام الكنز الاستراتيجي، مبارك، وقوله نصا "إن إسرائيل لن تقبل بذلك أبدا حتى لو اضطرت إلى الكشف عن وجود سرايا عسكرية سرية لها بالقرب من القاهرة وإجهاض الثورة عسكريا"، وانتهاء بادعاءات إسرائيلية تقولها علنا بأن الحرب كانت انتصار عسكريا إسرائيليا وليس مصريا (1).

شهادات موجعة

ولذلك ذهب البعض بخياله بعيدا وتصور أن هناك مؤامرة كبرى، تضخمت فرسمت حربا حقيقية، ترضي المصريين في شكلها العام المباشر وهو النصر، وترضي الكيان الصهيوني بالنتائج، وساقوا العديد من الشواهد التي قد تفضي إلى ذلك، ودللوا على ذلك بما أعلنته صفحة إسرائيل بالعربي على فيسبوك عام 2016 بأنها علمت بقرار السادات بتطوير العبور من خلال نقل القوات المخصصة لتأمين منطقة الدفرسوار إلى شرق القناة وقت اتخاذه. والسؤال من نقل إليها هذا القرار الذي أصر عليه السادات، رغم اعتراض القيادة العليا للقوات المسلحة وعلى رأسهم الفريق سعد الدين الشاذلي، معللا ذلك بأنه إذا خرجت القوات خارج مظلة الدفاع الجوي المصرية فستصبح هدفا سهلا للطيران الإسرائيلي، وهو ما حدث فعلا، علما بأن هذا القرار غيّر مسار الحرب ونتائجها (بشهادة السادات نفسه)، حيث أنقذ حياة عشرة آلاف جندي إسرائيلي، واستهان بحياة سبعين ألف عسكري مصري (ضباط وجنود)، كثير منهم قضى نحبه.
أيضا هناك ما أعلنه محمد حسنين هيكل ووزير الخارجية الأمريكي هنري كسينجر في الثمانينيات؛ بأن السادات أبلغ الأمريكان عشية السادس من أكتوبر "منفردا" بعدم نيته تطوير الهجوم والتوغل في سيناء، ما أدى إلى تكثيف هجوم الجيش الصهيوني على حلفاء مصر في جبهة الجولان السورية وإلحاق الهزيمة بهم.
وهناك شهادة للفريق عبد المنعم خليل، قائد الجيش الميداني الثاني، والتي قال ما معناه أنه في صباح يوم 16 تشرين الأول/ أكتوبر وصلته أنباء تفيد بتسلل سبع دبابات للعدو غربا من عند منطقة الدفرسوار، ولم يصدق نفسه ساعتها، بعد النصر الكبير الذي حققوه ابتداء من يوم 6 و7 و8 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 إلى فترة الوقفة التعبوية (التي طالت بلا داع) مرورا بقرار تطوير الهجوم شرقا، والذي جاء بأوامر من الرئيس السادات شخصيا، وكان قرارا سياسيا محضا ولم يكن عسكريا في شيء، ما تسبب في تدهور الموقف، ابتداء من ليلة 13 حتى صباح 16 تشرين الأول/ أكتوبر فقد كان الموقف حرجا (2).
وهناك شهادات موجعة للفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والمؤرخ العسكري جمال حماد، وآخرين كثر، تحمل ألغازا حول تعامل السادات مع الحرب.
ثم جاء مؤخرا فيلم "الملاك" الشهير الذي تؤكد فيه إسرائيل بأن "أشرف مروان"، زوج ابنة عبد الناصر كان عميلا لها، وأنه هو من قد زودها بتفاصيل ووقت الهجوم. وعلامة الاستفهام هنا أن مروان كان صديقا مقربا جدا وموثوقا من "السادات"، حتى أنه عينه المستشار السياسي والأمني له!!
كما أنه قد يبدو عاديا في دولة كمصر أن يبقي بطل النكسة في الحكم، وأن تطالبه الجماهير باستكمال المهمة، لكن اللافت المدهش حقا أن إسرائيل، وهي كيان يمتاز بالتعددية السياسية، (داخل الطائفة اليهودية) لم تعاقب موشيه ديان، رئيس أركان جيشها، الذي من المفترض أنه هُزم في الحرب، بل رقته بعدها إلى وزير للخارجية ليبلور اتفاقية السلام مع السادات بعد ذلك!!

علامات استفهام!!

ومن غير المستساغ أن نعزو سبب ضعف جيش الاحتلال في سيناء في يوم العبور، إلى انشغالهم بالاحتفال بعيد الفصح اليهودي؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لحرر الفلسطينيون بلادهم في أي عيد فصح سابق بنفس الطريقة، ولأصبح من قواعد شن الحروب في العالم عامة هو التوافق مع أيام أعياد الخصم، فضلا عن أن هذا العيد أساسا هو لتخليد ذكرى "الخروج من مصر" وظلم فرعونها وصمود اليهود في وجهه، ما يعنى أن قتال المصريين في هذا اليوم أمر محمود.
كما أنه من المثير للخزي أن تقوم القوات الإسرائيلية عقب التوغل في غرب القناة بعد أحداث "الثغرة"، وإغلاق طريق مصر السويس، وتدمير كل وحدات الجيش التي صادفتها، بعمل حيلة لأسر أكبر عدد من الجنود المصريين لمقايضتهم بأسراهم الذين أسرتهم السرية المضادة للدبابات، ومنهم قائد الفرقة "119 مدرعات" الإسرائيلية، عساف ياجوري، في ثالث أيام الحرب.
تضمنت الحيلة (بحسب شهادات حية لمن خاضوا الحرب) بأن توجهت سيارات نقل مصرية، تقل جنودا صهاينة يرتدون ملابس مصرية، إلى "نقاط الشاردين"، التي أنشئت من أجل تجميع ضحايا "الثغرة" على غرار ما حدث في النكسة، ثم يدعي هؤلاء الجنود الجواسيس بأنهم كلفوا بنقل زملائهم في تلك المواقع إلى مواقع بديلة وقسموهم إلى مجموعات طبقا لكشوف كانت بحوزتهم، ثم قاموا بنزع السلاح منهم في الطريق بدعوى التأمين، ثم اقتادوهم إلى صحراء النقب كأسرى، وقد أسر بتلك الطريقة آلاف الجنود بسهولة ويسر. والسؤال: من أخبر الصهاينة بأماكن نقاط الشاردين، ومن أعطاهم كشوف الأسماء؟
ومن دلائل تحول الانتصار إلي هزيمة بعد أيام من انطلاق الحرب هو عقد مفاوضات الكيلو 101، بين مصر وإسرائيل بإشراف الأمم المتحدة، للوصول إلى تحديد خطوط وقف إطلاق النار. ولمن لا يدري، فالكيلو 101 يقع بالقرب من مدينة العاشر من رمضان حاليا، على مشارف القاهرة، وهي آخر نقطة وصلت لها القوات الإسرائيلية في الثغرة.
الأديب الكبير يوسف إدريس طرح أيضا في مقال قديم منسوب له نشرته صحيفة عكاظ الكويتية في تموز/ يوليو 1983، تساؤلات مهمة كان ملخصها تأكيده باستحالة أن تكون ثغرة الدفروسوار هي نتاج عمل 24 ساعة من قبل العدو الصهيوني، متسائلا كيف يمكن لهذه القوات عبور غرب القناة وإنشاء طريق مرصوف، مع أن إحداث طريق في أسوان يربط بين ضفتي النيل بهذه الكيفية يستغرق شهورا، وقناة السويس هي أعرض وأعمق من النيل! معبرا عن خوفه من أن تكون الثغرة قد أنشئت قبل بدء حرب أكتوبر نفسها، لاستخدامها إعلاميا في تلك اللحظة وتمرير وضع ما (كامب ديفيد).
جاءت تلك التساؤلات أيضا في كتابه "البحث عن السادات" الذي مُنع من النشر داخل مصر، والذي قام العقيد الليبي "القذافي" بطباعته بعد ذلك.

الجانب الآخر

وعلى الجانب الآخر، فإن مواسم حرب أكتوبر تقترن هناك في إسرائيل بالانتقادات الحادة للجيش حول تقاعس الجيش الصهيوني عن صد الهجوم في بداياته، وليس نهاياته، رغم توقعه المسبق بالحرب، ما وفر دماء نحو ألفي قتيل صهيوني، بل إن صحف عبرية طالبت مؤخرا صراحة بضرورة الاحتفال بانتصارات أكتوبر.
وها هو بيني غانتس، أول رئيس أركان حرب بعد تلك الحرب، يؤكد بشكل قاطع أن "حرب تشرين/ أكتوبر بدأت كوسيلة دفاعٍ لصد العدو، وتحولت، فيما بعد إلى انتصار كبير للجنود"، فيما يصفها المعلق الإسرائيلي يسرائيل هرئيل، في مقاله له في صحيفة "هآرتس" في أواخر أيلول/ سبتمبر 2017 بأنها "كانت انتصارا غير مسبوق".
أما ليغال كيبنس فنشر في كتابه "الطريق إلى حرب" وثائق تثبت أن السادات حاول أن يتوصّل إلى استسلام منذ تولى السلطة، والتسليم بإخراج مصر كليّا من الصراع العربي الإسرائيلي.
الشهادات هنا وهناك كثيرة، وقطعا نتمنى لجيش مصر الانتصار في أي حرب ضد أي معتد، لا سيما الكيان الصهيوني، لكنها فقط تساؤلات تجول في الأذهان حول أسباب تحول حرب من المفترض أننا كسبناها إلى هزيمة!
لا يمكن تخبئة ضوء الشمس.
...............................


الأحد 22 سبتمبر 2019 

ماذا لو تنحى السيسي؟

سيد أمين
لا يعرف أحد على وجه اليقين إجابة لسؤال: هل سيبقى السيسي حاكما لمصر مطيحا كعادته بكل الدعوات المطالبة بتنحيه عن الحكم أو حتى بإجراء عمليات مصالحة مجتمعية وفتح المجال العام والإفراج عن المعتقلين ؟ أم أن هناك صراعا داخل أروقة السلطة أخذ في الاحتدام - على ما يبدو - ولن يتوقف حتى يتمكن الطرف المصارع من طي صفحته تماما.
هنا نتحدث حول الصورة التي ستكون مصر والوطن العربي وحتى الكيان الصهيوني عليها في حال خروج السيسي من السلطة.

البعد العربي
 عربيا سيكون هذا الحدث ضربة قاصمة للمحور المعادي للربيع العربي، حيث سيفقد معينا كانوا يأملون في أنه لن ينضب من المقاتلين ليخوضوا من خلاله حروبهم التي أشعلوها في جميع أرجاء الوطن العربي تقريبا، لكن مع مرور ست سنوات من حكمه من دون أن يحقق لهم هذا المطلب بشكل "دافق" كما كانوا يتوهمون، فإنهم بلا شك سيتألمون كثيرا ولكن ليس لفقده بل لأنهم استثمروا فيه عشرات المليارات من الدولارات منحا لا ترد على أمل تحقيق وعد "مسافة السكة" الذي ذهب مع الريح.
وسيفقد مشروع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا رافدا مهما من الدعم العسكري بكل تشكيلاته وأنواعه فضلا عن الدعم الدبلوماسي والإعلامي، ما يجعل من انهياره مسألة وقت خاصة أنه لا يعتمد في الداخل الليبي على ظهير شعبي حقيقي.
وسيفقد القطاع العسكري المشارك في حكم السودان بصيص أمله في وجود نصير قريب داعم له متى رغب في التملص من الاتفاق الموقع مع قوى الحرية والتغيير، ما شكل حظا حسنا لشعب السودان.
ولعل أي راصد بقليل من التأمل سيدرك أن هناك ثلاثة محاور متصارعة للسيطرة على الوطن العربي، الحلف السني المتحمس للربيع العربي وسيطرة الشعوب وداعم للمقاومة، والحلف الشيعي بزعامة إيران وهو حلف داعم للمقاومة لكن موقفه متذبذب من الربيع العربي حيث لا يوليه أهمية إلا متى خدم مصالحه، أما الحلف الثالث فهو الشرق أوسطي بزعامة اسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين وسلطة السيسي، وهو حلف كاره للربيع العربي وللمقاومة ويدعم التطبيع ويعمل على "تزعم" إسرائيل على الوطن العربي.

مع اسرائيل وغزة
أما تداعيات الحدث فيما يخص إسرائيل وقطاع غزة والسلطة الفلسطينية فهى معلومة للجميع، حيث ستمثل سقوطا مدويا لصفقة القرن ولمشروع الشرق الأوسط الجديد اللذين تتبناهما إسرائيل، وانتصارا للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وسيمثل الأمر أيضا انتكاسة كبيرة لمساعي تولي مستشار محمد بن زايد رئيس دولة الامارات العربية والقيادي المنشق عن حركة فتح محمد دحلان مقاليد رئاسة السلطة الفلسطينية خلفا لمحمود عباس "أبو مازن".

البعد الداخلي
غني عن البيان أن مصر بحاجة ماسة إلى مصالحة داخلية بين مكونات الشعب المصري بعد ذلك الانقسام الوطني الخطير الذي غذته بصورة ممنهجة واساسية أجهزة اعلام السلطة عقب انقلاب يونيو/حزيران 2013 وانساقت إليه كنوع من رد الفعل وسائل إعلام المعارضة، وهو ما لا يمكن حدوثه في ظل بقاء السيسي في السلطة، حيث يتخذ من تقسيم المجتمع إلى أهل شر وأهل صلاح وفلاح، وتغذية الصراع بينهما منهجا ثابتا لاستمرار حكمه.
وأيضا المجتمع بحاجة إلى فتح المجال العام ورفع سقف الحريات السياسية وحريات التعبير والتجمع السلمي والتظاهر والاحتجاج مع استعجال الاصلاح التشريعي والشرطي والتعليمي والاقتصادي والقضائي والإعلامي وغيره، والأهم هو الإفراج عن المعتقلين ورفع المظالم عن كاهل الشعب، وهو ما لا يمكن حدوثه في ظل بقاء السيسي في السلطة الذي يتخذ من الخوف سبيلا للجم المجتمع وتطويعه لتنفيذ رؤية يحتفظ بها لنفسه.
مصر بحاجة إلى برنامج إنقاذ اقتصادي عاجل ينقذ مصر من استمرار تنفيذ البرنامج الذي يعتمده نظام السيسي القائم على الاقتراض وتراكم الديون للدرجة التي جعلت البعض يتحدث عن قرب إفلاس مصر.
المجتمع يحتاج الي برامج متنوعة في كافة المجالات تحقق تكافل اجتماعي حقيقي ينقذ ملايين الأسر من السقوط في براثن الفقر المدقع وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل المؤشرات السلبية للاقتصاد المصري.
المصريون يحبون الجيش  ويضعونه في مكانة عالية في قلوبهم، ولا يمانعون أبدا من الانفاق عليه، لكنهم يتأففون من الظواهر التي تم وضعه فيها بعد انخراطه في الأعمال المدنية كتجارة الخضراوات والفواكه والأسماك واللحوم وغيرها ويعتبرونها إهانة كبيرة لا يرضونها له.
هذه مجرد لمحة عامة سريعة على الصورة التي سيكون عليها الوضع في حال تنحي أو استقالة أو عزل السيسي.

.......................................................................

الاثنين 12 أغسطس 2019 23:08

"تدويل المقدسات" الحديث الشائك

سيد أمين

على ما يبدو أن النظام العالمي، الذي يعلم الجميع من يديره، هو من يصر على أن تبقي جميع مقدسات المسلمين سواء في فلسطين أو في الأراضي الحجازية تحت السيطرة، بهدف استخدامها رهينة أو أداة ضغط لابتزاز المسلمين أو بعضهم وتركيعهم للإرادة الغربية. 
 فيما تظل أصداء نداءات تدويل الأراضي المقدسة أو حتى استقلال إدارتها في شبه الجزيرة العربية تتردد كثيرا على مر التاريخ الحديث وذلك خوفا على سلامة تلك المقدسات وحرصا على سهولة وحرية الوصول إليها ، أو خوفا من سوء وفساد وانحراف السلطات السياسية المشرفة عليها ، أو خشية أن تستغلها الإدارة الراعية لها سياسيا منحا ومنعا، وذلك بداية من تلك المطالبات التي نادت بها مصر واندونيسيا والهند عام 1927 مع هدم المساجد والأضرحة التي بدأت الدولة السعودية الثالثة عهدها بها ، نهاية بنداءات معمر القذافي وصدام حسين عام 1990 التي كانت ترددها اذاعة العراق انذاك وأنشد لها المطربون العراقيون الأناشيد وصولا إلي المطالبات الإيرانية المتكررة.
 وامتدت الدعوى حتى وصلت للنقابات ومنها مطالبات نقابة الأئمة بتونس بذلك حتى وصل الأمر لإنشاء بعض المتحمسين منظمات تطالب بذلك ومنها "الهيئة الدولية لمراقبة إدارة السعودية للحرمين الشريفين" أو"الحرمين ووتش"، والتي عقدت مؤتمرها الأول في 9 من يناير/كانون الثاني قبل الماضي بأندونيسيا.
وكان حزب "مصر الفتاة" المصري أبرز الأحزاب التي كانت دعوة تدويل المقدسات سببا في تجميده.

منجم لا ينضب

 لكن تلك الأصداء ترتفع وتخبو بين الحين والأخر طبقا للتداعيات الناجمة جراء إساءة استغلال النظام السعودي لهذه المقدسات سياسيا وهو له في هذا تاريخ طويل، حيث يعتبرها جزءا من ميراثه الخاص يتصرف فيها وفي زائريها كما يشاء، وليست ملكا لأمة تعدادها يقترب من الملياري مسلم، معتبرا أن دعوات التدويل بمثابة إعلان حرب، وهوما يفسر العداء الشديد الذي كانت تكنه السعودية لعبد الناصر وصدام لا سيما تجاه العقيد الليبي معمر القذافي بسبب إصراره على هذا المطلب.
والحقيقة أن المقدسات الإسلامية لا تمثل ثقلا سياسيا كبيرا للنظام السعودي فحسب بل تمثل منجما هائلا لا ينضب من الثروة لا يبذل في استخراجها أدنى مشقة، فعائدات الحج والعمرة تدر عوائد مالية ضخمة تقدر بحسب بعض المصادر بنحو 16 مليار دولار سنويا فيما قدرها مركز "بي.إم.إي ريسيرش" - إحدى شركات مجموعة فيتش العالمية للتصنيف الائتماني - بنحو 12 مليار دولار وذلك من خلال حجوزات الفنادق والمواصلات والهدايا والطعام والرسوم وغيرها.
هذا المعين الذي لا ينضب شجع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على طرح خطة لتنويع مصادر الدخل بالمملكة لتستقل عن النفط وتركز على "السياحة الدينية"، حيث يقصد المملكة بسبب تلك المقدسات نحو 20 مليون حاج ومعتمر سنويا، وهناك خطط للوصول بهم إلى 30 مليون حاج ومعتمر في رؤية 2030 التي يروج لها الإعلام السعودي.


المنع والتضييق

وتأتي إجراءات المنع والتضييق والترويع التي اتخذتها السلطات السعودية تجاه حجيج دولة قطر وقيام الإعلام السعودي بتخيير القطريين بين خيانتهم لوطنهم أو الحج، كواحدة من تلك الإجراءات التعسفية التي تخلط فيها بين ما هو ملك لها وما هو ملك للإسلام والمسلمين.
ورغم أن قطر من أكثر دول العالم التي اتهمتها السعودية بالسعي لتدويل المقدسات، إلا أن الواقع يقول أن قطر رغم أنها هى الدولة الوحيدة التي مورست ضد حجيجها أوسع الانتهاكات من قبل السلطات السعودية ، ومع ذلك لم تطلب من الأمم المتحدة آو اليونسكو أو أية جهة أخرى تدويل الأراضي المقدسة و- هو مطلب مشروع لها ولغيرها - واكتفت بمطالبة تلك المنظمات الأممية وقف استمرار استغلال السعودية لهذه المقدسات بشكل انتقائي خاصة بعدما فشلت الوساطات، وغيبت الجامعة العربية ، وأصاب الشلل مجلس التعاون الخليجي، وتعاظمت المضايقات لحجيجها، ورفضت الجِهات المسئولة عن الحَج في السعوديّة تسجيلهم الكترونيًّا، وتأمين سلامتهم، خاصة بعد حَصْر ذهابِهم وعودتهم لأداء مناسك الحج عبر طريقين مَحدودين وغير مباشرين، واستخدام شركات طيران أخرى غير الخطوط الجوية القطرية وهو ما حدث العام الماضي، وهذا يَعني "تَصعيب" سفر الحجّاج القطريين والمقيمين.
والواقع أن هذه المضايقات والإهمالات تتم مع حجيج كل دولة أو جهة أو طائفة لا تتفق وهوى الإدارة السعودية، وهو ما لفت نظر الهيئة الأمريكية للحريات الدينية الدولية (USCIRF) ، فراحت تسلط الضوء عليها وتصفها بالانتهاكات الجسيمة للحرية الدينية خاصة ضد الشيعة ، وهو أيضا ما جعل طهران تؤكد تعرض حجيجها للكثير من تلك المضايقات والتي تسببت في أحد المرات عن مقتل 500 حاج إيراني رميا بالرصاص المباشر بعد مشاركتهم في مظاهرات البراءة من تل أبيب ، وقبلها قتل أيضا 1500 آخرين في نفق المعيصم عام  1990 ووقائع أخري متعددة.
ولقد وصل الاستخدام السياسي للشعائر المقدسة أن قام أحد أئمة النظام السعودي في فبراير 1998بسب الشيعة وتكفيرهم، بينما كان الرئيس الإيراني هاشمي رافسنجاني أحد المصلين خلفه في خطبة الجمعة بمكة المكرمة، وبالطبع كلنا نعرف أن لا شيء هناك يحدث إلا بتوجيه خاصة مع السجال الدائم بين إيران والسعودية.
وفي عام 2006 قامت الإدارة السعودية بمنع الحجاج العراقيين من الحج وراحت تخوض سجالا سياسيا مع تلك الحكومة الحليفة لطهران، كما أنها لذات السبب منعت الحجاج السوريين من الحج لبضعة سنوات على التوالي رغم عدم الإعلان عن ذلك رسميا، وهو الأمر نفسه الذي اتبعه مع الحجاج اليمنيين الذي تخوض السعودية حربا شرسة ضد بلادهم.
ومن المدهش ان تمتد المضايقات للدرجة التي تجعل السلطات السعودية تمنع حجاج بعض الدول من العودة بقارورات مياه زمزم أو التصوير داخل الحرم. 
ويتعرض الكثير من الحجاج لاسيما اللاجئين السياسيين المعارضين للدول الحليفة للسعودية للاعتقال وتسليمهم لدولهم.


دلائل التملك

وتشير وقائع التاريخ أن السلطات السعودية تعتبر منذ نشأتها أن المقدسات الإسلامية التي تحت رعايتها هي ملك لها، بدليل أن من أوائل القرارات التي أصدرها الملك المؤسس عبد العزيز أل سعود بعد قيام الدولة الثالثة عام 1929 قرارا لا يزال معمولا به حتى الآن يقضي بأنه "لا يسمح بعقد اجتماعات لمناقشة الدين أو المسائل الدنيوية الخاصة به من دون موافقة من الملك".
ومن دون استشارة المسلمين، قامت الدولة السعودية بعد تأسيسها بهدم الأضرحة والآثار الإسلامية، حتى طال الأمر هدم البيت الذي ولد فيه الرسول في مكة المكرمة وضريح السيدة خديجة وبيت أسد الله حمزة وجميع بيوت أل البيت، فضلا عن هدم غار ثور وسد غار حراء بالصخور، كما هدموا المساجد التي تركها العثمانيون بحجة أنها مساجد صوفية رغم أنها ليست بها أضرحة، واحتج المسلمون حول العالم لكل ذلك لكنهم استسلموا على ما يبدو لضغوط بريطانية.
ونقل موقع "بي بي سي" البريطاني في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 تقريرا للكاتب المهتم بالآثار الإسلامية في السعودية أندرو جونسون تحت عنوان (مكة تحت التهديد: خطة لتدمير منطقة مسقط رأس النبي محمد صلى الله عليه وسلم، واستبدالها بقصر ملكي كما أن 95 % من المباني والمناطق الأثرية التي تعود لآلاف السنين تم تدميرها وإحلال فنادق ومراكز للتسوق محلها، مشيراً إلى أن عمليات التوسعة دمرت مؤخرا أعمدة شيدت قبل 500 عام لتخليد ذكرى الإسراء والمعراج.
فيما أشارت الباحثة السعودية وابنة مدينة مكة هتون الفاسي أستاذ تاريخ المرأة والكاتبة في جريدة الرياض سابقا في فيديو مصور لها أن هناك تدميرا وإزالة ممنهجة للآثار المقدسة في مكة والمدينة من أجل محو هويتهما وان عامودا عرف باسم عامود المعراج يجري استخدامه كلوحة لكتابات ملاحظات البناء في المدينة.   
وتدل كافة الشواهد أن الحديث حول تدويل الأراضي المقدسة في السعودية ووضعها تحت إدارة منظمة العالم الإسلامي أو أية جهة إسلامية متفق عليها، حديث غير مرض عنه غربيا بدليل أنه رغم كثرة تلك الدعوات في الغرف المغلقة إلا أن القليل فقط من الدول هي من جهرت بها.
الحقيقة أن تحرير المقدسات من هيمنة أي نظام سياسي او جماعة او طائفة او مذهب اسلامي يعد في حد ذاته امرأ مقدسا لو كنا نطلب حقا فصل السياسة عن الدين ولا يمثل ذلك عملا عدوانيا ضد النظام السعودي إن كان يريد من أمره رشدا.
............................................................

 أغسطس 5, 2019

البعض يخوضونها حربًا على الإسلام

سيد امين
لا تنفصل الحروب المتكررة التي تتعرض لها تركيا بتاتا عن التوجه الذي انتحته بالانفتاح باتجاه الوطن العربي والإسلامي والعودة للثقافة الإسلامية بعد طول تغريب، وقد وعى حزب العدالة والتنمية والسيد رجب أردوغان ذلك وراح يؤكد متحديا بان تركيا دولة مسلمة وان السر وراء الحرب على تركيا هو كراهية البعض للإسلام.
ومن الواضح أن الكثير من الحروب التي تشتعل في كثير من بقاع العالم مصدرها كراهية البعض للإسلام، وهو ما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشير في العديد من الأحاديث الصحفية له بأنه يعتبر “الإسلام” عدوا لأمريكا وانه ينبغي منع المسلمين من دخول هذا البلد ، وراح يؤكد بعد هجوم إرهابي نفذه مسلم “مثلي” ضد ملهى ليلي للمثليين بأمريكا أن رؤيته حول المسلمين تتعزز ، ناهيك عن اعتباره بان وجود 200 ألف لاجئ سوري في أمريكا يعني وجود 200 ألف إرهابي وان ملايين المسلمين جول العالم يحملون الحقد في قلوبهم تجاه أمريكا.
ونفس هذا المعنى ردده مايكل فلين مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي عام 2017 مؤكدا آن الإسلام سرطان خبيث في جسد 1.7 مليار مسلم يجب استئصاله كما تم استئصال النازية والشيوعية من قبل.
وكان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب قد أعلنها صريحة في تسعينيات القرن الفائت عقب سقوط الاتحاد السوفيتي بأن أمريكا هزمت الفاشية – في إشارة ضمنية لهتلر وموسوليني -، وهزمت الشيوعية، وبقيت الحرب على الإسلام، وذلك قبل أن يخرج مساعدوه ليعلنوا أنها كانت مجرد زلة لسان.
وامتد الأمر إلى مطالبة سياسيين ومشاهير غربيين – وعرب للأسف – بحذف آيات من القرآن الكريم بدعوى التحريض على العنف متجاهلين كتبا مقدسة لديانات أخرى تحمل نفس المعاني، والغريب أن التحريض على الإسلام وصل لدرجة أن البعض تظاهر يجهرون فيها بالإفطار في نهار رمضان، ما جاء كدلالة واضحة أن الحرب التي تشن باسم الحرية هي حرب علي الإسلام في الأساس.
يأتي ذلك رغم كل هذا الاحتراب وسيول الدماء المسلمة التي تنهمر حول العالم وآلاف ساعات البث في آلاف الفضائيات التي تفرغت لهدم الإسلام في النفوس وشيطنة رجال الدين الإسلامي والمتدينين المسلمين دون غيرهم بالدراما والأخبار وصولا إلى برامج الطبخ والرياضة، إلا أننا قد نجد هناك من حسان النوايا يشككون في أن هناك حربا تشن على الإسلام من الأساس، فما بالك لو قلنا لهم أنها أيضا حربا عالمية لا تقل ضراوة عن حربين عالميتين خاضتهما البشرية القرن الماضي.
ومع ذلك لا يفوتنا التأكيد أيضا انه كما يوجد في الغرب من يكرهون الإسلام ويحاربونه، يوجد كثر بينهم من يدافعون عنه أكثر من دفاع المسلمين أنفسهم عنه.

الأمصال الميتة

ومن أنجع وسائل الحرب على الإسلام استخدام فكرة “الأمصال”، وهي تلك التي تستخدم في الطب لمكافحة الأمراض من خلال حقن الخلايا أو الميكروبات الحية بخلايا أو ميكروبات أخرى ميتة فتقتلها.
وتعود أهمية تلك الطريقة لوجود إيمان راسخ لدى خصوم الإسلام استقوه من تجارب التاريخ بأنه دين لا يمكن قهره في مواجهة مباشرة نظرا لعمق تأثيره في نفوس المؤمنين به لدرجة تجعلهم يقدمون حياتهم وأغلى ما يملكون لنصرته دون ندم، وأدرك هؤلاء الخصوم أيضا أن أضمن وسيلة للنصر عليه لا تأتي إلا من أتباعه وممن ينتسبون إليه، لذلك ليس من الصدفة أن يزجر ويضيق الخناق على كل مؤمن محافظ نابه، فيما يفتح باب الإعلام على مصراعيه لكل ناعق مشكك هادم من نماذج تلك الأمصال.
وإمعانا في التضليل تسبغ تلك الأمصال الميتة بصفات تغري الناس بالإنصات إليها بوصفهم من المفكرين المجددين الذين يطرحون أطروحات مقنعة، تبدو لسامعيها منطقية للغاية، رغم أن الثابت أن الأديان عامة لا تقاس شعائرها بالعقل لكونها تتحدث في كثير من فقهها عن غيبيات تفوق قدرات ومقاييس البشر المنطقية والعقلية ولكن يجب الإيمان بها جملة واحدة نقلا لا عقلا.

النزوع الإنساني

ومن الأساليب أيضا، استبدال التعاليم الدينية بالقيم الإنسانية، وخطورة هذا الأسلوب أن الفرق بين هذا وذاك لا يلفت انتباه العامة بسهولة خاصة أن هناك تشابها ظاهريا كبيرا بينهما حتى وإن اختلف الجوهر أو تناقض.
فالزنا مثلا هو فعل محرم في الإسلام وله عقوبة مغلظة، لكن إنسانيا هو علاقة خاصة مرحب بها ولكن يجب فقط سترها، وينطبق على من يخترق هذا الستر عرف “العيب” الذي صار هو الأخر عرفا مهددا بالزوال في مجتمعاتنا.
كما أن أهم فرق بين ما هو ديني وما هو أنساني أن العرف الاجتماعي قابل للتطور والتغير والزوال أما الفقه الديني فثابت لا يمكن تغييره.
ويتم التكريس للنزوع الإنساني كبديل للنزوع الديني في الأعمال الدرامية والفنية “الراقية” والهادفة والتي تحظى باحترام المشاهدين، وفي المقابل فان الأعمال التجارية أكثر وضوحا في عدائها فهي تحطم ما هو ديني وما هو إنساني معا.
ويضاف إلى ذلك محاولة “فتكنة” الإسلام وجعله دينا للسلوك الفردي، ويؤكد مستشرقون غربيون مثل “أرنست رونان” أن الإسلام لا يبقي إلا كدين للمجتمع ـ وانه ولو حصر في السلوك الفردي فسيندثر.

تشويه بيئة الإسلام

وتشمل الحرب أيضا الإساءة إلى كل ما يرتبط بالإسلام من شخوص ورموز وعادات ودول وثقافات ولكن كل ذلك دون الإشارة إليه مباشرة. كأن تهاجم مثلا الشخصيات الرمزية الإسلامية ونصمها بالإرهاب والدموية أو إتباع أساليب الغدر والخيانة أو الولع الجنسي وما إلى ذلك من نقائص، والافتراءات التي طالت صلاح الدين الأيوبي وعمرو بن العاص وأبي هريرة والبخاري ومسلم نموذجا.
وتهاجم أيضا تراث وثقافة العرب – التي هي في الأساس ثقافة الإسلام – واتهامها بالهمجية والتخلف والبداوة وعدم مواكبة الحضارة
وكما أن اعتبار معاناة أوربا من الاستبداد وحكم إمبراطورياتها العضود في القرون المظلمة لا يعبر عن المسيحية، وجب القول إن نظم الحكم المسلمين المستبدة لا تعبر أيضا عن الإسلام الذي سبق الجميع بالحديث عن الشورى والعدل والإحسان.
ولذلك ليس مستغربا أن نصف الهجوم على الدولة العثمانية – كممثلة لدولة الإسلام آنذاك وأحد أهم أسباب بقائه- ووصمها بالتخلف والاستبداد دون الحديث عن الوضع العالمي وما فيه من استبداد أفدح، هو قدح في الإسلام.
وأيضا يتم صناعة تعارض بين القومية العربية والإسلام من خلال أحزاب وحركات تتمسح بالرداء القومي ومع ذلك تحتقر حقيقة ارتباط القومية العربية العضوي بالإسلام وتحتكر الوطنية لنفسها، وفي عكس الاتجاه تقريبا يتم السعي لتخريب علاقة الإسلام بالقوميات الأخرى بمحاولة وصمه بأنه دين العرب لا سواهم، وبعد ذلك تأتي مرحلة تعظيم الاختلافات المذهبية داخل الإسلام وصب الزيت على نارها المستعرة.

المواقع الإباحية

أما عملية إفساد المجتمعات الإسلامية فهي تجري بخطى حثيثة وراسخة من خلال وسائل الإعلام والدراما والإنترنت وغيرها، ووصلت مستوى من النجاح لدرجة أنها أثرت في شرائح واسعة من المجتمع وأقنعتها بأن الانحراف الفكري والسلوكي قد يكون حلا لكثير من المشكلات الحياتية، وتم ذلك بتواطؤ واضح من النظم الحاكمة.
وفي عام 2011 وحيث كان المجلس العسكري يحكم مصر عقب الثورة، ارتفعت أصوات تطالب بحجب المواقع والفضائيات الإباحية فخرج على الفور الخبراء المحمولون على عجالة يؤكدون استحالة ذلك ماليا وتقنيا، إلا أنه في عام 2017 مع ذروة الثورة المضادة حجبت السلطات في أسبوع واحد ما قدره 500 موقع الكرتوني وعشرات الآلاف من صفحات الفيس بوك وتويتر فقط لأنها كانت تعارض النظام العسكري الحاكم، وفي المقابل اختفت أصوات الخبراء المحمولون أو خرجت لتبرر أهمية الحجب، فيما تضاعفت أعداد المواقع الإباحية!
الإسلام يتعرض لحرب ضروس وعلى كافة الأصعدة لكن أخطر ما فيها أن المسلمين أنفسهم لا يعتقدون أن هناك حالة حرب على دينهم.

دولة الخلافة

وفي الأصل ، كانت الحدود الجغرافية الفاصلة بين مناطق تواجد شعبنا العربي أو أمتنا الإسلامية، هي نتاج لجريمة شنعاء ارتكبها ألد أعدائنا فينا بغية إذلالنا وتركيعنا وتمزيق وطننا الكبير ، وقطع أرحمنا وتفريق وحدتنا ، ثم قاوم أجدادنا بكل عزم هذه الفتنة الكبرى بوصفها عملا يتنافى مع مبادئ الوطنية وتعاليم الدين التي تلزمهم بأن المسلمين أمة واحدة، إلا أنهم هزموا، ففرضت تلك الحدود عليهم فرضا ، وكانوا يكنون لها كل الأسف والإنكار ولكنهم مع مرور الوقت اعتادوا عليها حتى جاء الوقت الذي يقيسون فيه الوطنية بمدى تقديس تلك الحدود، بل أصبح الانتماء لها أهم من الانتماء للجنس والعرق والدين والثقافة، ثم مع زيادة انحطاط عصر الانحطاط ، تبدلت المعايير وأصبحت الوطنية هي أن تقدس تلك الحدود تارة وتبرر بيعها وإهدائها وإيجارها تارة أخرى، تماما كما يفعل الوثني الذي يصنع إلها من العجوة ليعبده وحينما يجوع يأكله.
وعموما لو كان هناك فضل لأحد بعد الله في بقاء حضارة الإسلام لكان للدولة العثمانية حتى وان كانت تعبر عن حكم عضود لا يمثل مبدأ الشورى الإسلامي، فهي ظهرت في عزم تساقط الممالك الإسلامية كأعشاش القش أمام جحافل المغول القادمين من الشرق ، وسيول المتطرفين الصليبيين القادمين من الغرب والذين أبادوا كل مظهر للحياة في طريقهم في تلك الأثناء، كما أنها في ظل انحسار العالم الإسلامي وفقدانه الملايين من شعبه وأراضيه كانت الدولة العثمانية هي من تجهض العدوان تارة وتدعو للإسلام تارة في زمن كان كل شيء فيه يؤخذ اغتصابا.

شعارات الوحدة

ولأن الشعوبية هي الوضع المثالي بما فيها من ضيق أفق وانتهازية ونفاق لتمكين الإمبريالية واستخدامها كبديل عن الانتماء للوطن للأوسع والأعم توجب صناعة مرحلة وسيطة يتم خلالها نقل الناس لحالة الضيق وذلك عبر نقلهم من الانتماء لدولة الإسلام التي اعتادوها كما كان في الدولة العثمانية , ولو ظاهريا – والتي انهارت بفعل الضربات الغربية في الحرب العالمية الأولى وتغلغل جواسيسه في داخل الجيش التركي وخيانة قادة الحلفاء المسلمين العرب – إلى الدولة القومية وهى الأصغر قليلا ثم استمر التقزيم وصولا للأمة الشعب وربما الأمة المدينة في الطريق.
وينبغي هنا التأكيد أن الدولة القومية تلقي قبولا في قلوب العرب وعقولهم نظرا لاعتزازهم المعروف بأسلافهم، إلا أن هذا النوع من الدول لم يكن أيضا مسموح به إمبرياليا أيضا بدليل ما جرى فيما بعد مع صدام حسين في العراق، ولكن تم استدعاء طيفه وإفشاله ليؤدي انتقالا ناجحا للشعوبية.
لذلك فليس عيبا أن تحن كعربي إلى الوحدة العربية والعودة لحدود ما قبل سايكس بيكو، وهو ما تعلمناه في المدارس واعتبرنا أن إنشاء الجامعة العربية عام 1946 بمثابة اللبنة الأولى لها، وليس عيبا أيضا أن تحن كمسلم لدولة الخلافة الإسلامية التي اختزلنا كل تاريخها الذي استمر 6 قرون حامية للإسلام والمسلمين في العالم في نصف القرن الأخير منه، والذي بدأت فيه تنهار حينما اتبعت سياسة “التتريك” عبر الجمعية المشبوهة “الاتحاد والترقي”.
رغم أن تلك الدول هي شجعت عبر الممثل السامي للاتحاد الأوربي “كاثرين أشتون” الانقلاب على الرئيس المنتخب في مصر، وهي من غضت الطرف عن جميع جرائمه وراحت تدعمه بكل ثقل لها.
هم لماذا يكرهون الدولة العثمانية دون كل الدول التي كانت قائمة آنذاك؟ هل لأنها مثلا كانت دولة غير ديمقراطية؟ إذن فليدلني أحدهم على اسم دولة واحدة كانت تعتمد الديمقراطية في هذا الوقت، وهل كانت فرنسا دولة ديمقراطية وهي تجتاح العالم وترتكب المجازر بحق شعوبه وقومياته وتخيرها بين الموت أو اعتناق دينها والتزام ثقافتها؟ هل كانت بريطانيا العظمى التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس دولة ديمقراطية؟ هل كانت الإمبراطورية الروسية دولة ديمقراطية وهي تستذل الشعوب المسلمة وتمسح هوياتهم وديانتهم؟
هل كانوا يكرهون الدولة العثمانية لأنها كانت إمبراطورية وراثية؟ فهل كانت هناك غير تلك النظم، جميع نظم الحكم كانت ممالك آنذاك إلى أن تفجرت الثورة الفرنسية لتتحول بعدها فرنسا إلى جمهورية ولكن وراثية!؟
يقولون إنها كانت دولة غير ديمقراطية، ولم يقولوا لنا أن كل نظم الحكم آنذاك لم تكن تعرف الديمقراطية، ويقولون إنها كانت إمبراطورية تخضع عددا من الشعوب والقوميات المختلفة تحت لوائها، ويتجاهلون أنها كانت مظلة لشعوب وقوميات مسلمة تكن لها الولاء والاحترام، ويتجاهلون في الوقت ذاته الإمبراطوريات الغربية التي كانت تناصبها العداء والتي استذلت شعوب الأرض وقتلتها ونهبت ثرواتها وأجبرتها على اعتناق دينها وتبني ثقافتها.
يقولون إنها كانت دولة متخلفة، مع أن أوربا لا الدولة العثمانية هي التي عاشت طيلة قرون ما يعرف بعصور الظلام.
..............................................................
يوليو 27, 2019

 تساؤلات حول الزعيم

سيد امين
لم اندهش أبدا من مشاركة نتنياهو في احتفالات “ثورة” 23 يوليو1952 بالسفارة المصرية بتل أبيب، ولا من كلمته فيها التي جاءت كوصلة غزل فيها وفي رأس الحكم الحالي، ولا من الفرحة التي نطقت بها ملامح وجهه قبل كلماته، فهذا يؤكد ما ذهب له الناقل والعاقل وهم كثر بأنها كانت ثورة أمريكية من أجل الإطاحة بالملك الذي تحالف مع الألمان في الحرب العالمية الثانية سرا، ومن أجل التمهيد لصناعة استقلال وهمي وطرح نظام عسكري تدعم كل تصرفاته الكيان الصهيوني.
منذ فترة طويلة انتشر على شبكة الإنترنت فيديو لمقابلة أجراها السفير المصري لدى الولايات المتحدة محمد كامل عبد الرحيم عام 1953 مع التلفزيون الأمريكي أكد فيها لمحاوريه أن مصر يمكنها تجنيد حتى مليون جندي وأنه يمكنهم أن يكونوا تحت تصرف الولايات المتحدة شريطة أن تساعد في الإنفاق عليهم، وقال أن مصر ليس لديها عداء مع إسرائيل (1) ليكون هذا هو أول دليل مادي على أن عبد الناصر كانت تربطه علاقات جيدة بأمريكا لم تتوقف عند المعونات الغذائية وذلك على عكس ما عرف ويشاع حتى لو فسرها البعض في طور البرجماتية السياسية ، ثم توالت الشهادات وصولا للفيلم الشهير بـ “الملاك” (2) والذي يروي تفاصيل عن عمالة أشرف مروان لإسرائيل ما ألقي بمزيد من التساؤلات حول الرئيس الذي يعادي إسرائيل ويعمل على حماية مصر والوطن العربي كله منها بينما يعمل زوج ابنته الكبرى جاسوسا لها.
وفي خضم ذلك جاء سجال العام الماضي الذي دار بين أمين الجامعة العربية الأسبق عمرو موسى والذي كان يسوق نفسه من قبل كدبلوماسي ناصري الهوى وبين عبد الحكيم نجل الزعيم، حيث شكك الأول في انحياز والد الثاني للفقراء (3)، وهي من أقوى الصفات التي يشهد بها له المصريون ممن عاصروا حقبته، ثم بلغت المفاجآت ذروة تشويقها حينما قالت نجلته الكبرى منى أن والدها لم يكن أصلا يعتبر إسرائيل العدو الأول للعرب بل بريطانيا والإخوان، لتضربه بذلك في مقتل لدي من أيدوه بشدة لشعاراته المناهضة لهذا الكيان(4). 
وليس ذلك فحسب بل نقلت التسريبات فيديو تتراقص فيه في حفل زفاف ابنها أحمد أشرف مروان بحضور ما قيل إنه ديفيد جوفرين السفير الصهيوني نفسه (5)، وهو ما عزز لدى البعض رواية فيلم الملاك، وعززتهم معادلة منطقية تدعم أن الوطنية والنضال لا يتيح للمرء امتلاك المنتجعات الفارهة كما هو الحال عند مروان، ما دفع أسرة “مروان” لإصدار بيان يكذب الواقعة ويقول إن من قالوا عنه أنه السفير الصهيوني هو العريس نفسه.
وتأتي كل تلك التساؤلات في ظل التساؤل الكبير القديم حول تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد انقلاب يوليو 1952 وكان عبد الناصر أبرز قياداته حيث يعتقد كثير من المراقبين أنه تنظيم صنع في دوائر الاستعمار البريطاني إما بالأمر المباشر أو عبر الخداع المخابراتي، وأن الهدف منه ومن الانقلاب لم يكن تحقيق استقلال مصر، ولكن تعيين وكلاء محليين ضمن خطة طويلة الأمد في تغيير شكل الاحتلال المباشر للاحتلال بالوكالة.
ومن جانبها راحت صفحة إسرائيل الرسمية على الفيس بوك “إسرائيل بالعربي تزيد الطين بلة بقولها إن ” إسحاق رابين رئيس وزراء الكيان الأسبق حينما كان قائدا عسكريا التقي عبد الناصر لقاءا ودودا على الغداء خلال حرب الفالوجا عام 1948!!(6).
ثم راح يستحاق ليفانون، السفير الإسرائيلي السابق بالقاهرة يلفت الأنظار إلى الأخطر وهو أن المسلسل العربي المصري “حارة اليهود” يحكى في الأصل عن قصة حب بين الراقصة اليهودية ريتا وجمال عبد الناصر (7). ما يطرح أيضا اندهاشا جديدا من أن يكون حي الجمالية بالقاهرة – حيث حارة اليهود- مسقط رأس اثنين من أربعة عسكريين حكموا مصر، عبد الناصر والسيسي، أحدهما حارب إسرائيل من ناحية ويطلب دعما أمريكيا من ناحية أخرى، والأخر باع كل مصر من أجل السلام الدافئ معها (8 و 8).

غشاوة.. زالت أو غشت
المنتقدون لناصر يقولون أن الصورة التي بدا عليها عبد الناصر إعلاميا كبطل قومي تحدى الإنجليز وقاد بلاده للحرية والتطور كانت أكبر بكثير من إفرازات حركة يوليو، وأن هناك نية مبيته لتقديمه بالصورة التي بدا عليها، كما أنه عطل المسار الديمقراطي لمصر حينما دعم مسار عسكرة الدولة داخل تنظيم الضباط الأحرار، وحتى الحروب التي يقال أنه خاضها ضد الإمبريالية كانت هي الأخرى وهم، بدءا من نكبة 1948 التي لا يعرف أحد حتى الآن لماذا سمح الإنجليز الذين يسيطرون على قناة السويس وسيناء للقوات المصرية بالعبور إلى فلسطين من خلالها، ولا نعرف أيضا كيف تحولت قضية “اختلاسات مالية” في التسليح كشفها الديوان الملكي نفسه وقدم فاعليها للمحاكمة عام 1950 إلى قضية “أسلحة فاسدة” ثم حصل مرتكبوها على البراءة عام 1953بعد الإطاحة بالملك؟!!. بحسب ما أوضحه المؤرخ العسكري أحمد حمروش وآخرون. (9)
ورغم أن هناك بعض الشهادات تقول إن عبد الناصر أصيب في تلك الحرب، ولكن أيضا تأكد للعلن أنه والأميرالاي سيد محمود طه وآخرين حوصروا في الفالوجا في أكتوبر 1948 وبعد أربعة أشهر قام إسلاميون بشن هجوم وحرروهم.
وكان عدوان 1956 غامضا ولم يفهم مغزاه، نظرا لأن بريطانيا سحبت جنودها طواعية عام 1954، فلماذا ذهبت طواعية لتعود بحرب؟ وهل حقا ما ردده البعض أن دخول بريطانيا الحرب كان لتسويق عبد الناصر كبطل قومي؟ ولماذا تركت القاهرة مدن القناة تواجه العدوان الثلاثي بالمقاومة الشعبية فقط لا غير؟
وامتدت التساؤلات الحرجة أيضا إلى نكسة 1967حيث راح البعض يقرأها أنها ليست نتيجة لإهمال من قادة الجيش، ولكنها كانت لحظة تضحية كبيرة بعرائس الماريونت من أجل تمكين إسرائيل من التمدد على رقعة أرض كبيرة لتساوم عليها مستقبلا.
وطالت الاتهامات بالتآمر جمال عبد الناصر حتى من قبل زملائه الضباط الأحرار مثل زكريا محيي الدين الذي أكد في مذكرات له أن عبد الناصر دبر 4 تفجيرات وأحداث كبرى ليلصقها بمعارضيه لا سيما الإخوان المسلمين منها حادث محاولة اغتياله في منشية الإسكندرية (10).
وقال الشاعر عمر بهاء الدين الأميري سفير سوريا في السعودية عام 1954 في حديث قديم له لمجلة المجتمع الكويتية: أن السفير الأمريكي وودس وورس زاره في مكتبه ذات مرة وكان يعرف بتعاطفه مع الشعب الفلسطيني ودار بينهم حديث حول الإخوان الذين صدرت بحقهم أحكام إعدام في مصر ومدى التواطؤ الغربي في الوقائع، وان من ضمن ما قاله إن مهمة الضباط الأحرار هي تجميد القضية الفلسطينية لمدة عشرة سنوات.

إصلاحات ذات وجهين
الجميل حقا في عصر عبد الناصر أنه تميز بالإصلاحات الكبيرة ونمو الروح الوطنية التي نفتقدها الآن، إلا أن البعض يقرأ الأمر من زاوية أخرى تتهمه بقهر فئات من المجتمع، وأن الكثير من المشروعات الاجتماعية والاقتصادية التي قام بها، تحتمل التأويل وهو ما يتفق مع رؤية عمرو موسى.
فمجانية التعليم التي نسبت إليه، أقرها أصلا رئيس وزراء الملك أحمد نجيب الهلالي عام1944، وقوانين الإصلاح الزراعي التي أنصفت الفلاح بحق، فتتت الرقعة الزراعية المصرية بشكل خطير، وكان يمكن إنصاف الفلاح بان تظل تلك الرقعة كتلة موحدة ملكا للدولة – وسياسة التأميم مستعرة آنذاك – ويظل الفلاح عاملا عليها بأجر كبير أيضا.
حتى عشوائيات القاهرة الكبرى الحالية يحيلونها لحقبة عبد الناصر وأنها تمددت والتهمت مئات الآلاف من أفدنة الأراضي الزراعية الخصبة، وكان يجب على الدولة توجيه هذا التمدد إلى الصحراء وتخطيطه بدلا من صناعة قنبلة حزام العشوائيات الحالية.
***
لكننا لا زلنا نتمسك بأهداب الأمل، فكل تلك التساؤلات تبقى لغزا يحتاج إلى إجابات لتكشف لنا ما جرى في تلك الحقبة لنعرف حقيقة عبد الناصر، هل كان صرحا شامخا، أم فقط صرح من خيال؟
شخصيا أتمنى أن يكون عبد الناصر لا زال صرحا شامخا، فنحن في حاجة إلى رمز مثله.
....................................................................
الجمعة 26 يوليو 2019

فخاخ الديمقراطية العربية

سيد أمين

تستخدم الديمقراطية ونظام حكم الأغلبية في كل بقاع العالم أسلوب إدارة يستنبط منه رغبات الناس وتوجهاتهم في الطريقة المثلى التي يرونها لإدارة شؤون بلادهم، وقد رسخ في وجدان المجتمعات الغربية أنه لا بديل عن اللجوء للمسارات الديمقراطية وإلا فإن البديل سيكون العودة لعصور الظلمات.
أما المجتمعات العربية حيث تهيمن عليها النظم العسكرية والاستبدادية، فان للديمقراطية استخداما أخر، ألا وهو اعتبارها مجسات لمعرفة من يؤيدون هذه البدعة وأعدادهم ومواطن قوتهم من ثم الانقضاض عليهم وتغييبهم في سراديب السجون والمنافي أو إبادتهم وإلباسهم رداء الخيانة وإعطاء من يفكر بالطريقة نفسها درسا بليغا بأنه يمضي على طريق الهلاك.
المؤسف أن الغرب الذي آمن بفكرة الديمقراطية ومنتجاتها وتسببت في كل نهضته الحالية، هو نفسه من يدعم مغتالي تلك الفكرة في الوطن العربي ويحمي من يفجرون بحار الدم في وطننا من أية هبات شعبية.

مصائد عربية
ففي مصر استخدم هامش الديمقراطية الذي تم السماح به فيما بعد ثورة يناير من أجل هذا الغرض، ولما انتهي الرصد والإحصاء انقرض معه هذا الهامش ليصل لما هو أضيق مما كان قبلها، وصار كل رموزه وأحزابهم وحركاتهم في المنافي والسجون والقبور.
وفي الجزائر أقيمت مصيدة الديمقراطية وما إن وقع الصيد فيها حتى أقيمت المقاصل ووقعت المجازر وغرقت البلاد في الدم والظلام عشر سنوات سوداء، وحدث الأمر نفسه في لبنان إلى أن انتهت الديمقراطية هناك بمحاصصة طائفية مدعومة بما يشبه الوصاية الدولية لكل مكون من مكوناتها، وفي اليمن انتهت فترة الديمقراطية القصيرة بحرب طائفية ثم حرب إقليمية وغزو خارجي مدعوم غربيا، وفي ليبيا تكرر ما حدث في اليمن ولكن تم الغزو الأجنبي عبر وكيل محلى، أما المشهد السوداني فهو يسبر بخطوات المشهد المصري نفسها وقد يكون له المآل نفسه.
ولقد علمتنا الحوادث أنه ما إن يتعرض النظام الاستبدادي لموجة من الانتقادات أو المطالبات الديمقراطية حتى يسارع بالرد عليها بإعادة تصديرها في شكل صراع وطني أو قيمي، يزداد هذا الطرح قوة وتكرارا وإلحاحا كلما ازدادت حدة تلك المطالبات وارتفع صداها واتجهت إلى طريق الحسم.
وتأتى المقارنة بين قيمتي "الأمن والحرية" أو "الاستقرار والحرية" كنموذجين أوليين من تلك الصراعات القيمية التي يتم التلويح بها إعلاميا ويرافقها عادة تنفيذا عمليا على الأرض عبر وسائل الترويع المتعددة والتي غالبا ما تكون في صورة غير رسمية كي ترسخ بها هذه النظم أطروحاتها في الأذهان.
وتخشي هذا النظم أكثر ما تخشي من قيمتي"الحرية والعدالة" نظرا لكونها راسبة رسوبا مدويا فيهما أقعدها مقاعد الاستبداد بجدارة فصار ذلك وسماً لا تعرف إلا به.
كما تأتى أيضا مقارنات تتميز بالإسفاف والابتذال في مقدمة ما تروج له وسائل إعلام النظم المستبدة وكأنها مسلمات عرفت بتلازمها، مثل الربط بين الصحة التي "يمتعون" بها الفقير والمرض الذي يلاحق الغنى وكذلك السعادة التي يعيشها من لا مال له والثراء الذي لا يشعر صاحبه معه بالسعادة.
وتستمر مثل هذا النظم في طرح تلك اللامنطقيات متحاشية في الوقت ذاته التذكير بفضائل منطقية قيمتي الحرية والعدالة، بل إنها كثيرا ما تتطرق لوصم الحرية بالفوضى والعدالة بسوء التقدير وإهدار الكفاءات متجاهلة أن المرض في الغالب لا يصيب إلا الفقراء أما الأغنياء فيتغلبون عليه بأموالهم، والسعادة لا يشم ريحها الجائع.

فشل عام
والواقع أن النظم المستبدة عادة ما تكون فاشلة في احترام كل القيم حتى تلك التي تقول إنها تنجح فيها بجدارة، كالأمن وذلك لأنه لا مفهوم للأمن لديها إلا الأمن السياسي وما عدا ذلك من أمن فهو مجرد مكرمات تتكرم بها على الرعايا، وحتى مفهوم الأمن السياسي يقوم لديها على إفناء الآخر أو على الأقل إقصائه نهائيا بحجة أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وهى المعركة التي لا تكون لدى مثل تلك النظم إلا ضد الشعب نفسه في اغلب الأحيان.
والواقع أن حجم الإسهامات في "خلطة" القيم يعد الفيصل الأول في تصنيف ديمقراطية النظم السياسية أو استبدادها, فقد لا يحقق نظام ما تطورا في  تداول السلطة ومع ذلك يصعب وصمه بالنظام الاستبدادي نظرا لكونه يحترم كل القيم الأخرى لا سيما قيمتي "الحرية والعدل" فضلا عن حرية التفكير والاعتقاد , ويحقق لمواطنيه السعادة والأمن وغيرها , ولعله لا يكون مصادفة أن نعتبر أن نظاما ملكيا كبريطانيا هو قلعة الديمقراطية في هذا العالم مع أنه لا يوجد به تداول للسلطة نظرا لطبيعة نظام الحكم فيها.
بينما هناك جمهوريات أخري نظامها يدعى تداول السلطة ويسمح لمواطنيه بالحريات الشخصية ومع ذلك يتصدر النظم الموغلة في الاستبداد حيث لا عدل ولا قانون ولا حرية سياسية وبالقطع لا سعادة، ولدينا جمهوريات أمريكا اللاتينية نموذجا لمجتمعات أفعمت بالحرية الشخصية من دون السياسية وغابت عنها العدالة.
خلاصة القول إن الأمم الحرة الراسخة تدوم بالديمقراطية فيما تزول الدول المستبدة بانكارها واستخدامها كفخاخ للخداع والتخبئة.
.......................................................................

الثلاثاء 16 يوليو 2019 20:51

حول الاستخدام السياسي للرياضة

سيد أمين

بعد وقبل وأثناء كل جريمة سياسية مباراة لكرة قدم، وبقدر حجم  وأهمية المباراة تكون الجريمة، هذا هو الحال في أغلب دول وطننا العربي عامة وفي مصر خاصة، ولم يعد خافيا على أي راصد الربط المذهل بين استشهاد الرئيس الدكتور محمد مرسي قبيل أيام من بطولة كاس الأمم الأفريقية وفي نفس يوم إعلان فوزه بانتخابات الرئاسة عام 2012،  وما تلاه من رفع أسعار الكهرباء والوقود والمياه ورسوم النقل والعديد من السلع، وتمرير العديد من القوانين المرفوضة شعبيا ومنها قوانين بيع الجنسية مثلا، كل ذلك حدث أثناء إقامة مباريات تلك الدورة الرياضية.
الاستخدام السياسي للكرة لا يخفى على أحد مطلقا، بل إن يد الأمن امتدت لمسافة طويلة في التحكم في مشاهير تلك اللعبة وتوجيههم أو صناعتهم ووأد من لا يسير على نهجهم، وهناك أيضا من يتحدث عن أن النفوذ السياسي امتد حتى في نتائج القرعة والمباريات باتفاقات سرية مع الحكام وفي تشكيلات الفرق وغيرها خاصة أثناء الأحداث السياسية الساخنة، خاصة إن كان من شأن ذلك إشباع عواطف ورغبات قطاعات من الجماهير في الشعور بالانتصار، وهو الشعور الذي إن لم يتحقق في الكرة قد يتحقق في مجالات أخرى أهمها السياسة. كما أنه من المهم جدا صناعة ولاءات فكرية تقدم جاهزة لحشود الشباب بدلا من تركهم يقومون بتكوين تلك الولاءات بأنفسهم وما ينطوي على ذلك من مخاطر سياسية.
وتحاول تلك النظم أيضا ترسيخ اعتبار وجود هذا المنتخب وانتصاراته كدليل قاطع لا يقبل الشك على وطنية القيادة السياسية وعلى عظمة إنجازاتها، وعن نهوضها بالبلاد، محاولة أيضا عبر ابتداع تلك النماذج من الوطنية الزائفة إخفاء فشلها أو تأمرها على شعبها.

نماذج سريعة للاستغلال
ولعل ما تردد مؤخرا عن قيام رأس الحكم في مصر بتوبيخ نجم ليفربول محمد صلاح مؤخرا بسبب إصراره على الارتباط بالنجم المغضوب عليه من تلك السلطة محمد أبو تريكة صحيحا، خاصة أن توجهات الرجل المدافعة عن القدس وعن المسار الديمقراطي في مصر لم تكن ظاهرة أو متوقعة لديه من قبل وإلا لكانوا تدخلوا مبكرا لمنعه من تحقيق مكانته تلك.
وعربيا، هناك واقعة فريدة ظهر فيها جليا الاستخدام السياسي للرياضة، إذ طفق الصراع السري بين رموز فساد نظامي مبارك وبوتفليقة ليخرج للعلن عبر صراع دامٍ في مباراة حدثت عام 2009 في مدينة أم درمان السودانية بين منتخبي البلدين وتم إنتاج هذا الصراع ليبرر النظامان أسباب فساد العلاقات بينهما.
وأيضا يأتي ما حدث في كأس بطولة آسيا 2019 التي أقيمت في أبو ظبي حينما رفضت السلطات الإماراتية وجود مشجعين للفريق القطري واضطهدت مشجعيه ولاعبيه على خلفية الصراع السياسي بين النظامين، إلا أن المنتخب القطري رد هذا الغبن بمنتهي الاحتراف والسلمية حينما استطاع الفوز بالبطولة.

 الاقتصاد الرياضي

والحقيقة أن هناك أموالا ضخمة تضخ في سوق الرياضة المصرية والعربية، ولكن للأسف تضخها الدولة من جيوب دافعي الضرائب لتذهب إلى جيوب قلة من الإعلاميين والصحفيين وطواقم العمل الرياضي.
ولما انكشف هذا الاستنزاف الرياضي راحت تلك النظم تشيع أن اهتمامها بتنظيم المباريات وإنفاق الملايين عليها، رغم الجهل والفقر المستشري، يأتي لكونها نشاطا اقتصاديا، وأنها يمكن أن تتقوت كدول كثيرة من ريع هذا العمل وتجهزه ليكون مصدر دخل قومي!
ومصيبة المصائب أن التوجيه الإعلامي الذي تمارسه تلك النظم نجح في إقناع الملايين بأن المواطن "الصالح" هو ذلك المواطن المنغمس بالاهتمام الرياضي ببساطته ووداعته وسلميته وخدمته لنفسه وللمجتمع، والمنسحب من الاهتمام بالشأن العام لبلاده، لا سيما السياسي منه، العازف عن الخوض في غمار الأشياء المعقدة التي تضر ولا تنفع، والتي لا يمارسها إلا مأجور خائن من خونة الأوطان "الطالحين".
كما تروج الميديا" دائما لعقد مقارنة ليست في محلها بين انغماس المرء فى تشجيع الرياضة وبين أن ينضوي في قائمة "الحشاشين" و"المدمنين"؟ متجاهلة عشرات الخيارات الأخرى.
والحقيقة أن هناك شبابا واعيا ووطنيا ومثقفا ومع ذلك يحبون مشاهدة الرياضة ولا يمارسونها، رغم أنهم لم يقعوا ضحية لتضليل الإعلام وتوجيه السلطة، ويرون أن هذا القمار قمارا محمودا لا ضرر منه، وإلا ما ميز المشجع لاعبا عن آخر بسبب ثقافته وسلوكه فضلا عن أدائه الرياضي.
وفي المقابل أيضا، هناك قلة من النظم تهتم بتنمية وعي شبابها ورفاهية مواطنيها ومع ذلك تهتم أيضا بتنظيم مهرجانات الرياضة.
ومن شواذ القاعدة أيضا أن نظاما عربيا سابقا راح يحظر بث مباريات كرة القدم إعلاميا ويحظر وجود المشجعين في الملاعب أصلا وقال إن الكرة من يلعبها.

الرياضات الجماعية لا الفردية

لكن قوى الحكم المحلية الاستبدادية شجعت الرياضات الجماعية ككرة القدم مثلا ورسخت مشاهدتها - لا لعبها - في عقول البسطاء وراحت تضفي على فعالياتها صفة الوطنية، فصار المنتخب المحلي منتخبا وطنيا وصار فوزه من الأعمال الوطنية الكبرى التي ينبغي على الوطنيين الشعور بالمجد والفخار إزاءها.
ولعل السبب وراء التشجيع المتزايد من قبل تلك النظم للرياضات الجماعية لا الفردية هو عدم رغبتها في خلق زعامات فردية قد يتعلق بها الجمهور فتمثل صوتا قد يعلو على صوت القيادة شخصيا التي لا يجب أن يعلو صوت على صوتها، ولذلك راحت "الميديا" الصهيونية تحارب نجومية الراحل "محمد على كلاي" بسبب إسلامه، فيما جرى التركيز على نجوم الشذوذ وأغاني البوب وغيرها.
وأيضا ظاهرة حب الجماهير لـ "أبو تريكة" لاعب كرة القدم الشهير والمعروف بمعارضته للنظام العسكري الحاكم في مصر مثال جيد على مدى خطورة "الزعامات الرياضية الفردية"، وذلك لأن الجماهير أيدت سلوكه وتوجهه الفكري قبل أن تؤيد سلوكه الرياضي، وقد نجح الرجل في الحالتين.
كما أن السلطة حاولت مرارا استثمار شعبية النجم محمد صلاح في عدة مواضع أهمها الادعاء بتبرعه لصندوق "تحيا مصر" وهو ما تم نفيه بشكل أو بآخر ثم مطالبته بتأييد انتخاب السيسي لولاية ثانية، ثم محاولة استثماره سياسيا في موضوع شركةwe .
.............................................

يوليو 15, 2019

السر الحقيقي في أزمة الصحافة المصرية

سيد امين
تتعالى أصوات من داخل إعلاميي النظام الحاكم حاليا في مصر تردد أن غالبية أعضاء نقابة الصحفيين المصريين حاليا ليسوا بصحفيين حقيقيين، وأنهم حصلوا على عضوية النقابة حينما كانت حكرا لتيارات سياسية معينة كاليساريين والإخوان المسلمين حينما كانت شخصيات منهم تهيمن على النقابة في فترات سابقة، ومؤخرا قال أحد هؤلاء في برنامجه على احدى الفضائيات أن 80% من صحفيي مصر ليسوا أصلا بصحفيين.
ورغم أن الإعلامي صدق في جزء من كلامه، إلا أنه على الأرجح لم يكن يقصد هؤلاء منتحلي الصفة، ولا الذين حصلوا على عضوية النقابة بالواسطة والمجاملة وأحيانا بالرشوة، ولا من دست بهم الأجهزة الأمنية بين الصحفيين، ولكنه قصد هؤلاء الذين لديهم مواقف سياسية وفكرية مناوئة للسلطة، وهو في الحقيقة الدور الواجب على الصحفي الحقيقي كمراقب للمجتمع وناقل لنبضه وليس كموظف لدي السلطة ومهلل لإجراءاتها.

معركة سلم النقابة

والحقيقة أن هناك فعلا أعدادا كبيرة من أعضاء نقابة الصحفيين ممن لم يكتب أحدهم خبرا أو مقالا في حياته المهنية كلها، بل أن كثيرا منهم لا يجيد حتى القراءة والكتابة بشكل لائق بممتهن تلك المهنة، لكن السبب في هذا الخلل لا يعود كما تريد أبواق السلطة إيهامنا لفساد المعارضة، ولكن إلى فساد السلطة التي أرادت في لحظة ما، وفي خطوة غير مسبوقة، منح قطاعا كبيرا من المرشدين الأمنيين عضوية تلك النقابة مع مجموعات أخرى من “المشتاقين” و”السبوبجية”، من ثم مواجهة متظاهري سلم النقابة الذين صاروا شوكة في قلب رأس السلطة تسبب لها إحراجا عالميا بالغا بسبب قلة أعداد مناصريه من هذه الفئة التي دائما ما تجذب أنظار الرأي العام العالمي.
وبالتالي فإن الزج بتلك المجموعات الدخيلة يمكنها مع زيادة أعدادها انتزاع هذا السلم وتحقيق التوازن ليصبح لمبارك أعداد كبيرة من الصحفيين المؤيدين، وان ليس كلهم من المعارضين له، وأن الجميع كمؤيدين سواء أو معارضين يتظاهرون بحرية تامة
ونجم عن هذا سيادة نمط ذلك الصحفي الذي يحفل سجل حياته المهنية بكل ما هو مدح وإنشاد وتطبيل للسلطة في كل شيء وعلى أي شيء، فيكره ما تكره ويحب ما تحب، وينفذ ما تريد، ويدعو لما تدعو، وللأسف فان هذا النوع من الصحفيين “المحمولين جوا للمهمات الوطنية العسيرة” هو من يسيطر على المناصب القيادية في هذه المهنة، بينما الموهوبين بلا عمل.

ديمقراطية مشبوهة

حدث ذلك في مواجهة الغضب الذي كان يحتدم شعبيا وحتى داخل بعض الجهات السيادية للدولة التي كانت تخشى من قيام مبارك بنقل السلطة فعليا لابنه جمال الذي كان يحكمها بالفعل سرا، وتفويت ما تعتبره حقها الذي ورثته من السابقين في احتفاظها بكرسي الرئاسة والجهات والوزارات المتنفذة، ومن المرجح أن ما جرى في نقابة الصحفيين جرى أيضا في العديد من النقابات لا سيما النقابات المهنية.
لكن ماذا جرى؟
كان المشهد قبل عام 2005 لا يحوي في مصر إلا صحيفتين أو ثلاثة صحف خاصة، يتمتع بعضها بهامش يجيز لها انتقاد الخفير و”مكتب” الوزير، في عمليات كانت موجهة امنيا في الغالب لإعطاء صبغة أجواء الحرية الصحفية، ومن أجل إلهاء الناس بنزاعات مفتعلة، ثم مع اتساع رقعة الرفض الشعبي للسلطة المستبدة توسعت رقعة الانتقاد المسموح به لتشمل الوزير وحتى رئيس الوزراء، ثم عمدت السلطة إلى اصطياد عدة عصافير بحجر واحد وهي فتح باب إنشاء الصحف الخاصة والحزبية بشروط ميسرة، وهو ما يمكنها من استغلال الإجراء دعائيا للتدليل على اتساع سقف الحريات الصحفية والعامة في مصر على نقيض ما يروج له المعارضون، لكنها تستغل ذلك سرا في تأسيس أعداد كبيرة من الصحف لتكون سببا في قيد ألاف الموالين لها في نقابة الصحفيين وما أن أنجزت المهمة حتى توقفت تلك الصحف بزعم التعثر.
كان الصحفيون يتندرون أن هناك صحفا قيدت إعدادا من الصحفيين المزعومين بنقابة الصحفيين أكثر من عدد النسخ التي طبعتها تلك الصحف منذ صدورها، وأن هناك صحفيين ترقوا في مؤسساتهم بشكل تخطى الجميع رغم ضحالة فكرهم وقلة ثقافتهم، كما أن هناك صحفيين أخرين لم يعرفوا إلا بقدرتهم العجيبة على تعيين الناس في المصالح الحكومية وقضاء حاجيات يصعب قضائها والأغرب هو تودد المسئولون لهم!
واستمر النظام الحالي على نهج سابقه، فبنظرة سريعة على تطور أعداد الصحفيين المقيدين بجداول النقابة ستكتشف أنها قفزت في السنوات العشر الأخيرة لتقترب من ضعفي العدد الذي كانت عليه طوال تاريخها، فيما تناقصت أعداد الصحف الصادرة وصار غالبية الصحفيين بلا عمل أو يعانون من بطالة مقنعة خاصة في الصحف القومية.
لكن ما يخيفني أن تكون تصريحات إعلاميي النظام تلك هي تمهيد لخطوات ضد الصحفيين المفصولين والذين هم بلا صحف والمعارضين بحجة أنهم صحفيين دخلاء على المهنة رغم أن حبهم للمهنة هو من جعلهم كذلك.
........................................................
يوليو 9, 2019

 تاريخ الظلم أوطاني

سيد أمين
كلما تلفت مصري حوله خصوصا في تلك الأيام الكئيبة التي تعيشها مصر، حيث جري تأبيد السلطة للحكم الشمولي، ومقاصل تعمل بلا كلل أو ملل لتقص رقاب خيرة شباب مصر في محاكمات صورية يعلم حقيقتها القاصي والداني، لدرجة تجعل أحدهم يحكم على 400 شخص بالإعدام في جلسة واحدة لم تستغرق ساعة واحدة، والظلم الصارخ تجده أينما وليت وجهك في أرجائها، تحضره دائما المقولة المأثورة للشيخ عبد الحميد كشك بأن تسعة أعشار الظلم في العالم توجد في مصر، أما العشر الأخير فيجوب العالم ثم يأتي ليبيت ليله فيها أيضا.
حقا لم يعد أي مصري يندهش من أن تكون بلاد الظلم أوطانه، فهذا حقائق ساقها لنا الدين وتناغم معها التاريخ، ففي بلادي أهرامات فريدة يعدها البعض رمزا للهمة والنشاط والإبداع، لكنهم تجاهلوا حقيقة أنها كانت تخليدا لقبور الطغاة ومثالا صارخا على السخرة والمذلة والهوان تسبب في موت عشرات الآلاف من العمال الأبرياء من بسطاء القوم لتخليد ذكر جثة هذا الطاغية أو ذاك، وعنها جاء القرءان ليذكرنا بفرعون الطاغية ذي الأوتاد الذي أجبر شعبه على عبادته، والذي استخف بعقولهم فأطاعوه، وفيها جاء ذكر جنده أو جندها المغرقون، وقومه الظالمون، وفيها جاء ذكر السجن لأول مرة في التاريخ، حتى حينما ذكرت بخير في القرءان قالها تعالي ليس لبنيها ولكن لبني إسرائيل” أدخلوها بسلام أمنين”، وحينما شكا بنوا إسرائيل من الطعام الواحد فأمرهم الله بأن ينزلوا مصر وقال لهم ” أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ”.
ناهيك عن وقوع مصر بين سلسة متواصلة تقريبا من الاحتلالات الخارجية منذ فجر التاريخ وصولا إلى تاريخها المعاصر، فيها كلها لم يتغير وقوع مصر تحت الاحتلال، بل تغيرت على أرضها طرق هذا الاحتلال، فتبدل من احتلال مباشر إلى احتلال بالوكالة، وهو ما يجعلك عاجزا عن إيجاد فترات للاستقلال الحقيقي فيها.

من تاريخ الخوف

تناوب على أرض مصر المستعمرون من كل حدب وصوب دون أدنى مقاومة تذكر من المصريين، حتى أنهم كانوا في كثير من الأحيان يهرعون لمساعدة الغازي الجديد على أمل أن يكون أقل ظلما من ظلم الغازي القديم، أو يهرعون لمساعدة الغازي القديم على أمل أن يتلطف بهم ويكافئهم بالرحمة.
وكانت تلك المساعدة مشروطة بأن يتيقنوا بأن كفة النصر مالت لصالح أحد المتصارعين، فيقومون بمساعدته لوضع لمسات الخلاص النهائية.
وتاريخيا أيضا؛ كان تنكيل الغازي المنتصر بالأخر المهزوم ومن دار في فلكه من المصريين الذين كانوا يلقبون بـ “الحرافيش” – أي الأقل شأنا – تنكيلا وحشيا، يتفنن فيه القاتل في تعذيب المقتول قبل أن يقتله بدءا من تقطيع الأطراف لسلخ الجلد للخازوق لفقأ العيون، ناهيك عن اغتصاب النساء والأطفال إلى إهانة رجولة الرجال، كما كان هو الحال متفشيا في نهاية الدولة المملوكية.
أمام كل تلك الفظائع آثر المصريون السلامة وعزفوا بعيدا عن السياسة حتى أنه حينما تسنى لهم الحكم عام 1805اختاروا مستبدا أجنبيا ليمارس عليهم ذات الاستبداد مجددا، ولما غزا الإنجليز البلاد1882 اعتبروا أن ابن البلد الذي تصدى لهم خائنا مارقا وتجندوا في صفوف جيش الاحتلال، وحاربوا تحت راية الصليب البريطاني دولة الخلافة الإسلامية عام 1914، والحكايات من هذا القبيل كثيرة جدا في كل تاريخ المصريين.
عموما، التاريخ مكتظ بمحطات الخوف عند المصريين لدرجة فقدانهم الأمل في الخلاص من الظلم، لكن سرعان ما ترفع عناية الله هذا الظلم عنهم بلا حول منهم ولا قوة.
والصحيح أننا نعمل على الخلاص وننتظر عناية الله، ولنتذكر أن بالحسابات العقلية البحتة كانت نجاة يونس من بطن الحوت مستحيلة لكنه نجا، وكانت نجاة موسى من بطش فرعون مستحيلة إلا أنه أيضا نجا، حتى انتصارات المسلمين الأوائل الكبرى كلها كانت مستحيلة، لأنهم في أغلب الحروب هم الأقل عددا وعدة، لكنهم مع ذلك فتحوا الأرض قاطبة.

تأييد الإعدامات

يا الله، كيف يهنأ المرء منا وهو يدعو لتعاسة الناس؟ كيف يطلب الشفاء لنفسه ومحبيه من الأمراض حتى لو “نزلة برد”، ويطلب في الوقت نفسه موت أبناء الناس؟ كيف يرجو العفو والرحمة لنفسه، وهو يبرر قطع رءوس أبناء الناس؟ كيف حولنا هذا الانقلاب البغيض إلى وحوش؟
كيف انقلبنا على الإنسان فينا، وأعلينا من شأن هذه المسوخ، كيف يفعل المرء ذلك وكأن حياة الآخرين انتقاصا من حياته؟ ورزقهم انتقاصا من رزقه؟ ويجهل أن الله وحده واهب الحياة ونازعها.
من أين خرج هؤلاء الناعقون؟ الذين يبذلون جهدهم لمنع صراخ المكلوم، وإغراق أعواد القش التي يتعلق بها الغريق، ويتطوعون بسياطهم لمساندة الجلاد المتغطرس الذي بظلمه وقهره هو أصلا لا يحتاج إليهم؟
أنصح مثل هؤلاء بأن يعودوا لإنسانيتهم، فهم في الحقيقة الأحوج للإنقاذ من هؤلاء الذين يجري تنفيذ الإعدامات الظالمة فيهم، وليعلموا المعلوم بان الحياة تفنى على الظالم أيضا كما المظلوم.
.....................................................

يونيو 25, 2019

أبدًا لم يرحل أيقونة ثورة مصر

سيد أمين 
رغم طعم المرارة في الحلق إلا أنه لم يفاجئني قط خبر استشهاد أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر في محبسه، فذلك كان متوقعًا منذ اليوم الأول لاعتقاله عام ٢٠١٣، سواء أكان ذلك بالإهمال الطبي أو حتى بدس سم ممتد التأثير ومتراكم المفعول في طعامه وشرابه على غرار ما حدث مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وذلك لأن صمود الدكتور محمد مرسي في محبسه وامتلاكه صك الشرعية التي تسلمها من أشهر انتخابات نزيهة في تاريخ مصر ظلت طيلة ستة سنوات من الانقلاب هي الحائل الأكبر دون أن يهنأ النظام الحاكم بانقلابه، وأداة الابتزاز الكبرى التي تمارسها كل نظم العالم شرقًا وغربًا عليه، فضلا عن أن ما يمتلكه مرسي من معلومات وشهادات كانت تشكل “تهديدًا” لآخرين، وهى ما عبر هو – رحمه الله – عن وجودها في إحدى أشهر التسريبات الصوتية لمحاكمته، مؤكدًا أنه لديه معلومات كثيرة تفيد أنه مهدد بخطر القتل وأنه أيضًا يهدد آخرين.
ربما تلك المعلومات التي كان يملكها مرسي ويريد البوح بها للمحكمة ولو في جلسة سرية كانت مدعاة للعمل على منع وصول صوته للجماهير أو حتى للمحكمة وهيئة دفاعه وأسرته، تارة عبر العوازل الزجاجية الجبارة التي قد تتحكم في وصول الصوت من عدمه، وتارة عبر منعه من لقاء أسرته طيلة ستة سنوات سوى ثلاثة مرات فقط تحت ضغوط دولية كما يتردد، وكذلك منعه من مقابلة هيئة دفاعه لفترات طويلة، وتارة ثالثة عبر منع وصول صوته للجماهير في تلك المحاكمات عبر منع إذاعة محاكماته بزعم إمكانية تواصله مع الإرهابيين من خلالها، ناهيك عن حرمانه من الرد على سيل الاتهامات التي يروجها الإعلام المصري عنه من طرف واحد.
والواقع أنه بعد كل جريمة سياسية مباراة كرة قدم، وقبل كل جريمة سياسية مباراة لكرة القدم، وبقدر حجم المباريات تكون الجريمة، هذا هو الحال في أغلب دول وطننا العربي عامة وفي مصر خاصة، ولم يعد خافيًا على أي راصد نابه الربط المذهل بين استشهاد الرئيس الدكتور محمد مرسي قبيل أيام من بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى جانب تواجد عدة قرائن أخرى منها أنه استشهد في مشهد واضح أنه أعد بدقة ليكون علنيًا في جلسة محاكمة وفي شهر يونيو الذي يتخذه النظام لاستدعاء ظواهر توطيد حكمه كدعاية لنجاحه السياسي، والمدهش أن مرسي استشهد في نفس اليوم الذي اعلن فيه فوزه في الانتخابات عام 17 يونيو 2012 قبل ستة سنوات.

أيقونة الثورة

كما كان مرسي أحد أهم من اعتقلتهم السلطة حين تفجرت ثورة يناير، كان هو أيضًا نتاجًا لأول انتخابات ديمقراطية شهدتها مصر بعد الثورة، وكان صموده وثباته ورفضه لكل إملاءات الغرب أثناء عام حكمه تمثيلًا صادقا للثورة ومطالبها المنادية بالاستقلال ورفض التبعية، فضلًا عن أنه كان تعبيرًا صادقًا عن دولة الحرية والديمقراطية التي تمنتها الثورة والتي تتيح لكل مواطن أن ينتقد رئيس الجمهورية ليس عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي ولا في مظاهرات وندوات واعتصامات وخلافه، بل أيضًا في وسائل إعلام الدولة ذاتها دون خوف أو وجل، ثم كان صمود مرسي في محبسه بعد الانقلاب ورفضه التسليم بسلطة الأمر الواقع سببًا في استمرار روح الثورة في قلوب المصريين حتى الآن رغم القمع المفرط الذي استخدمته الثورة المضادة طيلة تلك السنين الطويلة.
كل ذلك جعل الرئيس مرسي استحق بجدارة لقب “أيقونة الثورة” حتى وأن كلفه ذلك حياته وحرية أسرته ولولاه لكانت ثورة يناير حلمًا من أحلام الكرى أمن المستبدون استحالة تكرارها.
وكأن الرجل تزوج زواجًا كاثوليكيًا من حب الوطن للدرجة التي جعلت آخر كلماته في المحكمة “بلادي وأن جارت علي عزيزة” ليرد ردًا بليغًا موجزًا على سيل اتهامات التخوين التي أطلقها إعلام الثورة المضادة والتي حرموه أيضًا من تفنيدها.

تخليد ذكراه

كنت اعتقد أن السلطة الحاكمة في مصر أكثر ذكاء من أن تدفن جثمانه ليلًا وسرًا ودون حضور إلا عدد قليل من أسرته، كان يمكنها أن تتجنب الجنازة الشعبية الواجب إقامتها له التي تخشاها إلى إقامة جنازة عسكرية كما تفعل مع كل رئيس لمصر، وهو ما توقعته خاصة أنه رأس المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحكم منصبه، لكن ما حدث كشف عن أنهم يخشونه حيًا وميتًا وتجاوزوا القانون والدستور والعرف في كل إجراءات التعامل معه.
فعل الأمريكان ذلك مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، تعمدوا تشويه صورته بكثير من الادعاءات، وضعوه في حفرة ثم أخرجوه منها لكسر هيبته – رغم أنهم تركوه يرد على الادعاءات على عكس ما حدث لدينا – لكن الاحتلال زال فيما مثل الرجل أسطورة عربية، وأيقونة الوطنية ليس في العراق فحسب بل لدي كل الشعوب الطامحة في الاستقلال في العالم، ولذلك سيخلد التاريخ مرسي كما خلد ذكر صدام وخلد من قبله عمر المختار وأحمد عرابي وغيرهم.
شئنا أم أبينا فقد دخل مرسي التاريخ من أوسع أبوابه، وموته لن يقضي على ثورة يناير بل سيفجرها من جديد، فقد زال السبب الذي استخدمته السلطة للحفاظ على حالة الانقسام التي صنعتها في المجتمع المصري، وأصبح الجميع يد واحدة من أجل استكمال ما بدأوه عام ٢٠١١ ولم يستكملوه، خاصة أن القدر يغلي بالغضب.

........................................................

الأحد 5 مايو 2019 15:59

هؤلاء قادوا المعارضة من الخارج!

سيد أمين
لعل ما جرى ويجري من قبل الأبواق الإعلامية والنخبوية الموالية للنظام في مصر ضد كل المعارضة المصرية في الخارج، وآخرهم الدكتور أيمن نور بسبب دعوته لمائة شخصية مصرية للحوار من أجل خروج مصر من مأزقها الراهن، وما تعرض له قبله الفنانان عمرو واكد وخالد أبو النجا على خلفية شهادتهما في الكونغرس الأمريكي عن أوضاع الحريات في مصر، من التشهير والسب والتحريض ، والاتهام بالخيانة العظمى واتهامات أخرى غير أخلاقية ، فضلا عن فضيحة شطب عضويتهما في نقابة الممثلين ودعاوى سحب الجنسية منهما، يطرح تساؤلات كثيرة حول مقياس الوطنية في مصر خاصة أن نفس تلك الإجراءات اعتبرت سلوكا وطنيا من قبل تلك الأبواق حينما ذهب عدد من الفنانين والإعلاميين لنفس تلك الجهات لإقناعها بضرورة الانقلاب على حكم الدكتور مرسي.
لذلك نحن نذكرهم بأن السيسي نفسه ذكر في أحد حواراته المتلفزة أنه بينما كان وزيرا للدفاع تواصل مع مسؤولين أمريكيين مؤكدا لهم نية الجيش الانقلاب علي الدكتور مرسي الذي هو بحكم القانون القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما أكد الكاتب المقرب من السلطة مكرم محمد أحمد أن السيسي أجرى عشرات الاتصالات مع الأمريكان في ذلك الوقت.

المعارضة في الخارج
بعض الناس يحلو لهم - من قبيل الجهل أو المزايدة - ترديد دعايات تلك الأبواق وتوجيه اتهامات العمالة والخيانة للإعلاميين والصحفيين والنشطاء والسياسيين والحقوقيين ممن فروا للخارج للنجاة بأعمارهم وأعمار أسرهم، أو حريتهم وحرية أسرهم العامة والشخصية، وذلك بدلا من أن يدينوا الأسباب القاهرة التي دفعت هؤلاء - وهم بمئات الآلاف ومن الفئات الأكثر تعليما وثقافة ووعيا - ليتركوا ديارهم وأوطانهم وأصحابهم وذكرياتهم ويحاولوا الانطلاق من نقطة الصفر في حياتهم البديلة على أمل العودة وقد زال عن مصر مرضها.
يتجاهل الببغاوات الذين يرددون تلك الدعاوى أن كل من حاول المعارضة في الداخل بأي شكل إما اعتقل أو قتل أو جرى تكميم فمه، حتى من كانوا في صف تلك السلطة، بدءا من رئيس أركان الجيش السابق حتى مدير حملة السيسي الرئاسية نفسه ونائبه، ولك أن تتصور بعد ذلك ما جرى للمعارضة الراديكالية.
الغريب أن تلك الأبواق التي تطالب المعارضين في الخارج بالعودة لممارسة المعارضة في الداخل، هي ذاتها من تطالب من يعارض في الداخل آن يلملم أشياءه ويرحل "والباب يفوت جمل".
والأغرب أن يقتنع بالدعايتين المتناقضتين نفس هؤلاء الكائنات السيساوية من بسطاء الناس، رغم أنهم يرون بأم أعينهم وقائع التنكيل التي تمارس لكل من يتجرأ على الاعتراض في الداخل، والأحكام المغلظة بتهم وجرائم لم يراع من لفقها أي عناية في حبكتها لتبدو منطقية، في بلد لم ينجح حكامه في شيء إلا في بناء السجون، ولا يعمل شيء فيه بانتظام إلا المحاكم والمقاصل.

هجرة العسكر
الرد التاريخي يقول إن الجنرال شارلي ديغول كان رجلا عسكريا إلا أنه فر إلى الجزائر عقب الاجتياح النازي لبلاده في الحرب العالمية الثانية ومنها خاض حرب التحرير بمساعدة القوات الغربية الحليفة.
 الزعيم الشيوعي الكوبي تشي جيفارا خاض معارك تحرير بلاده من الحكم العسكري الموالي لأمريكا من خارج البلاد بدءا من المكسيك والكونغو وبوليفيا رغم أنه كان مدعوما من الاتحاد السوفيتي أحد قطبي العالم عسكريا.
وعربيا، رغم أن صدام حسين كان رجلا شبه عسكري – كان عضو منظمة شبيبة شبه عسكرية-  إلا أنه فر إلى مصر معارضا لحكم عبد الرحمن عارف وعاد ليكون أحد رجال ثورة 1968 البيضاء، كما أن منظمة التحرير الفلسطينية التي تبنت عمليات النضال المسلح في الداخل الفلسطيني كانت كافة قيادتها خارج فلسطين المحتلة لفترة طويلة.
وهناك عشرات النماذج للكفاح المسلح من خارج البلاد لسنا بصدد الحديث عنها في هذا الحديث ولا حتى نحبذها أو ندعو لها.

هجرة الأنبياء
الرد الديني يأتي من الأنبياء وهم المدعومون إلهيا، فقد هاجروا من مواطنهم هم أيضا، تارة حماية لدينهم ولتجنب طغيان حكام بلدانهم والمتنفذين فيها وشدة بطشهم وما فيه من إيذاء وعذاب وطرد ونفي وسبي، وتارة لأخذ الاستعدادات وإعداد العدة لنشر الدين بين الناس سلما أو حربا وعتقا للضعفاء من براثن الظلم والعبودية، بينما كانت غاية الهجرة عند الأنبياء هي حماية أنفسهم وأتباعهم من أجل أن يبقوا أحياء حتى يمكنهم الله من إتمام دعوتهم.
وما زالت تلك هي أساليب القهر الرئيسية عند الطغاة لإيذاء الدعاة والمصلحين والخيرين ودعاة العدل والحرية والديمقراطية، بل وأضافوا عليها المحاكمات الجائرة التي تقضي بحرمان المعارضين من الحق في الحياة، تماما كما فعل فرعون في سجن سيدنا يوسف وإن كان طغاة اليوم هم أشد منه قسوة وظلما وفجورا!
وكان ممن هاجر من الأنبياء نوح وإبراهيم ولوط وصالح وموسى ومحمد عليهم جميعا السلام، بينما تم تهديد سيدنا شعيب بالنفي، في حين تم سجن النبي يوسف عليه السلام، فيما استخدم الرسول محمد عليه الصلاة والسلام الهجرة مرتين، الأولى حينما أمر أنصاره بالهجرة للحبشة، والثانية حينما هاجر هو مع أنصاره من مكة للمدينة.
وهذا إبراهيم - عليه السلام - هدده أبوه بالرجم أو بالطرد، وهذا لوط - عليه السلام – طالبوا بأن ينتهي عن دعوة الناس للحق أو يخرج، لكنه لم ينتهِ ، بل أعلن أنه يبغض عملهم ، هنا جاءه الوحي يأمره بالهجرة، وترك هذه القرية العاصية.

هجرة السياسيين
ولما لا يهاجر السياسيون ليناضلوا من الخارج في حين فر قبلهم رجال الدين أصحاب الصيت والأتباع، بل وفر العسكريون القادرون على المقاومة عسكريا، بينما هاجر الأنبياء والرسل المدعومون من رب العالمين والذين إذا دعوا الله بالسلامة والتمكن لاستجاب لهم؟
فلكل دولة عسكرية في العالم بأسره – وهذا النوع هو جل نظم حكم عالمنا العربي تقريبا – توجد أحزاب سياسية تناضل من الخارج لاستعادة الديمقراطية فيها، أو حتى لتدشينها وإسماع صوتها ومطالبها للنظام الحاكم أو للشعب ، مهما اختلفنا أو اتفقنا حول تلك المطالب ..
وكان من أبرز هؤلاء السياسيين مثلا رجل الدين الشيعي الإمام الخوميني الذي قاد معارضته السلمية لنظام الشاه الإيراني من فرنسا ، ولما اختمرت الثورة في وجدان الناس هناك عاد إليها محررا، والشيوعي فلاديمير لينين الذي قاد الثورة البلشفية من سويسرا وغيرهم الكثيرون.
علما بأن الاغتراب عن البلاد لم يكن أبدا ميزة بل كان عقابا بدليل أن الاستعمار كان يعاقب السياسيين المناوئين لسلطته بالنفي.
........................................................................

الخميس 25 أبريل 2019 15:22

تساؤلات عن الحضور الصوفي في السياسة!

سيد أمين
استمر حراك السودانيون أكثر من ثلاثة أشهر لم  يستطع  أن يؤثر في السلطة بأي شكل كان ، ولما أوشك هذا الحراك أن يخمد ، جاءت دعوة زعيم حزب الأمة السوداني صادق المهدي وهو حزب إسلامي صوفي للجماهير بالنزول في 6 ابريل الماضي فانتقل الحراك من الموات إلي الحياة النابضة بالحركة والثورة ، وما هي إلا أيام حتى تم اقتلاع البشير في انقلاب عسكري ، ليذوق الرجل من نفس الكأس الذي أذاق منه المهدي والترابي.
نحن هنا لسنا بصدد الحديث عما يحدث في السودان، ولكننا نتحدث عن النشاط السياسي للحركة الصوفية والتي من المفترض فيها الزهد وترك ما لقيصر لقيصر لتتفرغ هي للاتصال والوصل بالله تعالى، مع أن من حقها الإنساني أيضا ممارسة العمل السياسي لا شك.

الصوفية والثورة المضادة
الحركة الصوفية كانت واحدة من أهم العناصر التي حرص مدبرو الثورة المضادة في مصر على جرها بقوة في المعترك السياسي بعد ثورة يناير والعمل على كسب ودها لغرض في نفس يعقوب، تارة عبر اختلاق دعايات إعلامية بأن هناك سلفيين متشددين يعتزمون هدم الأضرحة، هنا تسرع قوات من الجيش والشرطة بحماية الأضرحة فيطمئن قلب الصوفيين، مع أنه بقليل من التمحيص ستكتشف أن من أطلق تلك الدعايات هي أبواق الثورة المضادة ومن استخدموهم للترهيب كـ "حزب النور" هم حاليا من أنصار الثورة المضادة.
وتارة عبر جر التيارات الإسلامية الأخرى إعلاميا للطعن في صحة وجود كرامات لأولياء الله وزيارة القبور والصلاة في المساجد ذات الأضرحة وغيرها من الأمور العقائدية التي لا يصح مناقشتها في غير الإعلام المتخصص، فضلا عن إثارة فتنة انتشار التشيع في مصر والتي نجم عن اغتيال أسرة شيعية في بني سويف، والمطالبة بإغلاق مسجد الحسين بسبب "تسلل" الشيعة إليه واكسائه بكسوة شيعية.!!
وبالطبع ازدادت تلك القلاقل المفتعلة مع تولي الدكتور محمد مرسي الحكم، حتى بدا دعم الصوفيين للانقلاب واضحا وصاروا يخرجون في تظاهرات مناوئة له كأي حركة سياسية، المهم أنه بعد الانقلاب حرص السيسي بشدة على زيارة مشايخ الطرق الصوفية كل عام والتقرب منهم، حتى وجدنا منهم من يعتبر أن قتل معارضي السيسي أو معارضي الانقلاب عملا محببا لله، ووجدنا من يصف السيسي ووزير داخليته محمد إبراهيم بأنهما رسولان من رسل الله.

حيرة واندهاش
في الحقيقة أنا محتار بشدة من توجهات الحركة الصوفية المصرية التي أنتمي إليها قلبا وروحا والتي تقدر بنحو 77 طريقة صوفية، تتفرع إلى ٦ طرق رئيسة هي: "الدسوقية، الشاذلية، الرفاعية ، البدوية، العزمية ، القادرية "وأحتاج أن أعرف معايير العدالة والظلم فيها ، ومواصفات من يحبونه ومن يكرهونه ، فلو كان معيارهم مدى الالتزام بحب الله ورسوله، فهم ساندوا الاحتلال الإنجليزي في مصر وهو شجعهم على فتح الزوايا والتكايا وحماية مهرجاناتهم بل وعمدوا إلى نشر التصوف في كل بقاع القارة السمراء، ولو كانوا يؤيدون السلطة على طول الخط فلماذا وقفوا ضد مرسي وكان رئيسا للبلاد ومن قبله اللواء محمد نجيب وكان رئيسا للبلاد وصاحب سلطة وهو أعلى الرتب العسكرية بين إقرانه من "الضباط الأحرار" .
ولو كان الأمر بالزهد والعزوف عن الدنيا فلماذا انخرطوا في دعم كل حركات الجيش وانقلاباته؟ بدءا من انقلاب 1952 الذي سموه ثورة مباركة واعتبروا أن عبد الناصر مثلهم الأعلى، وأيدوا السادات الذي كان يحرص على حضور كل احتفالاتهم بنفسه وأصدر لهم مجلة "التصوف" عام 1979 كما ناصروا اتفاقية كامب ديفيد المشبوهة رغم الإجماع الوطني المصري والعربي والإسلامي على رفضها، وكما فعل السادات فعل مبارك وتقرب منهم بشدة.
وما أن أعلن عبد الفتاح السيسي ترشحه لرئاسة الجمهورية حتى اتجه الصوفيون نحو تأييده بشكل مفرط بزعم أنه "صوفي" وذلك وفقًا لتصريح "زين العابدين فهمي سلامة" خليفة خلفاء الطرق الرفاعية الذي قال نصًا "السيسى محب للطرق الصوفية لأنه صوفي الأصل".
يأتي ذلك رغم الفارق الكبير الواضح للعيان بين ممارسات الصوفية الداعية للزهد والورع والرحمة، وبين تصرفات السلطة السياسية التي يقودها السيسي وما تذيقه للشعب من مذلة وهوان.

قوة الصوفية
إن أشد ما يدهشني فعلا هو أن المتأمل للمشهد السياسي العالمي على مر التاريخ يؤكد أن إي نظام سياسي يتقرب للصوفية ينجح في نيل مراده بدءا من الدولة العثمانية التي دامت نحو ستة قرون، نهاية بالحركات السياسية العلمانية والشيوعية والقومية المناوئة لمبارك ومهدت لثورة يناير، والتي كانت تقوم بالتوجه بمسيرات إلى مساجد السيدة زينب والسيدة نفيسة ومسجد الإمام الحسين لممارسة عملية "تقليب الحصر" كدلالة لجلب النقمة على مبارك ورفضهم له.
ويجدر الإشارة إلى أن معظم كبار رؤساء قطاعات الحكم في الدولة المصرية هم من المنتسبين للحركة الصوفية، قضاة، مستشارين، جنرالات، إعلاميين، جهات تنفيذية وغيرها.
الكثيرون من المتصوفة يعزون سبب قوة الصوفية إلى "الميتافيزيقا" وأنها تدير حكومة "روحية" قوية لا نراها فيما يسمونه بـ "الحكومة الخفية لآل البيت" في البلدان المسلمة، وأن تلك الحكومة تدين لها بالخضوع الحكومات التي نعرفها.
يبدو الأمر غير منطقي ولكن هل من تفسير أخر؟
...................................................................

السبت 16 مارس 2019 17:01

مجزرة "نيوزيلندا" حرب على الدولة العثمانية

سيد أمين

للمجزرة الإرهابية الأليمة التي وقعت أمس وأودت بحياة أكثر من 50 مصليا مع عشرات الإصابات الخطرة في مسجدين في نيوزيلندا الكثير من التفاصيل التي رصدتها وسائل التواصل وشهادات الشهود والمصابين فضلا عن معلومات نشرتها الصحف الغربية والإسلامية.
وبحسب ما انفرد به موقع قناة "العالم" الإيرانية فإنه قبل تنفيذ الهجوم تم زرع ١٢ قنبلة في المنطقة نفسها التي تحيط بالمسجد ومتصلة بالتفجير عبر الهاتف المحمول عن بعد، حيث قامت السلطات بتفكيكها بعد أن أخلت كل المنازل من السكان، وأن السلاح المستخدم صناعة إسرائيلية وهو سلاح آلي أتوماتيكي يقوم بإطلاق محتوي الخزنة كاملا في دفعة واحدة من دون الضغط على الزناد لكل طلقة، وفوارغ الطلقات أكدت أنها كلها صنعت في إسرائيل.

الحرب على الدولة العثمانية
وبالطبع كلنا عرفنا مدلولات التواريخ التي خطها الإرهابيون على الأسلحة المستخدمة في الجريمة وكلها كانت تخص انتصارات الجيوش الصليبية على الدولة العثمانية أو الدولة الأموية.
يأتي ذلك بعد في إطار سلسة من انتشار الكراهية انتشرت في أوربا ضد الإسلام ممثلا في الدولة العثمانية ، فالعام الماضي قامت النمسا بإغلاق سبعة مساجد وطرد عشرات الأئمة عقب عرض قدم في إحدى دور هذه المساجد ارتدي فيه الأطفال ملابس جنود الدولة العثمانية.
يتلاقى ذلك مع حملة مسعورة في كل الإعلام الغربي تقريبا تصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه ديكتاتور ومراوغ وغير ذلك من اتهامات لا يوجد دليل واحد يؤيدها، رغم أنه رئيس منتخب بشكل حقيقي ويحكم بقوانين أقرها برلمان منتخب بشكل حقيقي أيضا وأحدث نهضة شاملة غير مسبوقة في تاريخ تركيا.
وها هو الصحفي في صحيفة "كورنث" اليونانية "تيرونى سيرا" يقول "كنا سعداء بتشتت المسلمين، ولا نريد أن يأتي رجل يلم شملهم ويجمعهم من جديد. لا نريد أردوغان".
والحقيقة أنك لا تستطيع أن تميز بين الدولة العثمانية وسياساتها وبين غيرها من إمبراطوريات كانت سائدة كالإمبراطوريات: البريطانية والفرنسية والروسية والنمساوية وغيرها في العالم آنذاك سوى أنها الإمبراطورية المسلمة، فإن كانوا هم نظما مستبدة كانت هي كذلك، والعكس صحيح، فهى احتلت أو فتحت أو استعمرت تماما كما احتلوا أو فتحوا أو استعمروا، وكانت غير ديمقراطية تماما كما كانوا، وعاشت في القرون الوسطى بما فيها من تخلف تماما كما هم عاشوا.
 الخلاصة أن الدولة العثمانية كانت مثل كل الدول المسيطرة آنذاك ولكن الانفراد بكراهيتها دون غيرها يعود لكونها مظلة للعالم الإسلامي الذي كان وما زال تستهدفه الإمبراطوريات الأخرى بالافتراس.

الإعلام المصري
من الغريب أن تجد بعض رجال الإعلام المصري يحاولون استغلال قتل المسلمين في نيوزيلندا بأنه ردا على "الإرهاب العثماني"، ولم يتصرفوا بنفس القدر من الإدانة والتنديد الذي تصرفوا به بعد الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له صحيفة "شارلي أبدو" الفرنسية على سبيل المثال وهى جريمة إرهابية مدانة.
وكما يتهمون الإسلام بأنه دين انتشر بحد السيف وهو قول مغلوط، يتهمون الدولة العثمانية بذلك، وكأن الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وفرسان الهيكل كانت تمارس أعمالا ديمقراطية وكأن أوربا وعصورها المظلمة وإمبراطوراتها التي انتعلت العالم وأذلته قديما وحديثا كانت أكاذيب..
فضلا عن أن الدولة العثمانية عندما بسطت سيطرتها في الغالب علي العالم الإسلامي، ولم تمارس طغيانا على شعوبه بل حمتهم وحررتهم من طغاتهم المتناحرين على إذلالهم، وضمنت لتلك الشعوب حرية الثقافة واللغة والاعتزاز القومي، كما ضمنت حقوق الأقليات غير المسلمة ولم تكرهها على الإسلام كما أكرهت أوربا الأقليات المسلمة على التنصر أو الموت.
خطة تشويه الدولة العثمانية قديمة بدأت حينما تم تعليم الطلاب والتلاميذ "مساوئ" الحكم العثماني لمصر، رغم أن تلك المناهج ذاتها تدرس لطلابها وتلاميذها "فوائد" الغزو الفرنسي لمصر والتي لقبوها بـ "الحملة" إنكارا لحقيقتها الاستعمارية وراحوا يحتفلون في وزارة الثقافة بتلك الحملة كما فعلت وزارة الثقافة المصرية فيما بعد.
ما كشفت عنه جريمة نيوزيلندا أن أجواء الحروب الصليبية لم تمح من الذهن الغربي، وإن هذا الذهن يريد منا أن ننسى حروب الدولة العثمانية دفاع عن العالم الإسلامي، الحنين للتاريخ العظيم شرف.
..................................................................

الاثنين 4 فبراير 2019 17:02

مؤشرات سياسية مهمة للفوز القطري

سيد أمين
بعد الفوز التاريخي لدولة قطر بكأس أسيا وما تبعه من فرحة لا تخطئها عين، ولا تغفلها فراسة طغت على قلوب الناس وطفقت على شفاههم في كل البلدان العربية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان يجب أن يكون ذلك درسا وافيا لمن يناصبون قطر العداء، بأن حب الناس لا يمكن صناعته عبر الكتائب الاليكترونية وهيئات الترفيه وتأجير الإعلاميين واختلاق الشائعات والأكاذيب وإنفاق المليارات من الدولارات، ولكن عبر الديمقراطية والسير في خدمة آمال الشعوب وتطلعاتها.
 لو كنت مكان قادة دولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية ومن يليهما، لتوقفت فورا عن أسلوب المكايدة الرخيصة مع دولة قطر، وأدركت أن تلك المكايدات لم تأت لنا إلا بكل شر وأن التضامن الشعبي الخليجي والعربي والإسلامي معها يحول مكايداتنا معها إلى انتصارات، فتباعدت المسافة بشكل مرعب بين تطلعاتنا وسياساتنا وبين شعوبنا وباقي الشعب العربي بما ينذر بكارثة محققة لنا.
كان يجب أن ندرك مبكرا أننا نمضي في الطريق الخاطئ، وأننا يجب أن نلتحم بشعوبنا بدلا من الالتحام بأعدائها، ونبقي موقنين بأن التراجع عن الخطأ خير ألف مرة من الإصرار عليه، وأن نستلهم سيّر الأولين في أدب العودة عن الباطل، حينما توحد العرب المستضعفون في الأرض على اختلاف قبائلهم رغم ما بينهم من أحقاد وثارات خلف الدعوة الصادقة، فصاروا أمة عظيمة.
بقليل من الحكمة والعقل والاتزان ، كان من الممكن أن يكون هذا الفوز هو أيضا فوزا للسعودية والإمارات والبحرين ، فقط كان يجب أن يترك للشعوب في تلك الدول حق الاحتفال وإبداء السعادة والسرور مع أشقائهم في قطر والوطن العربي بدلا من أن يكتمونه في صدورهم ويفرغونه بينهم بعضهم بعضا سرا ، وقتها كانوا سيدركون ، ويدرك القاصي والداني أن هناك قيادات على مستوى المسؤولية تنأى بنفسها عن "توافه" التصرفات وسفيهها، وتدرك أن فوز دولة خليجية بكأس أسيا لكرة القدم هو أيضا فوزا لكل شعوب الخليج العربي والوطن العربي بأسره ، لكن للأسف هذا لم يحدث.

حبا في قطر أم كرها في أعدائها؟
أجزم بأن الشعب العربي في غالبيته كان سعيدا لفوز دولة قطر بالكأس حتى تخطى هذا الفوز كونه فوزا رياضيا ليكون انتصارا سياسيا كبيرا، ولكني للأمانة لا أجزم بأن ذلك كان في غالبيته حبا في قطر بقدر ما كان كرها في قيادات أعدائها وتصرفاتهم الخرقاء، واستباحتهم للدم العربي، وتحويلهم الوطن العربي لقطعة من الجحيم، عبر دعمهم للتغريب والخروج عن عوامل الانتماء للوطن والدين والقومية والثوابت الإنسانية، ودعم المؤامرات والانقلابات والتبعية للأجنبي.
فالجميع يدرك أن قطر لم تعتد على أية دولة من دول محاصريها، ولكنهم هم من حاصروها، هي لم تطرد مواطنيهم ولا حتى أساءت إليهم ولكنهم هم من فعلوا، الجميع يدرك أن قطر تعاقب لأنها رفضت الانضمام لحلف المؤامرات على الشعوب العربية، لذلك أحبها الكثيرون من أبناء الشعب العربي، ما عزز أيضا مكانتها حتى لدى داعمي الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم بأسره.
كان لفوز المنتخب القطري بكأس آسيا على أرض دولة الإمارات المحاصرة لها، دلالة ربانية كبيرة لا يجب على عاقل إن يتجاهلها، وكانت لهزيمة المنتخب الإماراتي أمامه بأربعة أهداف دلالات ربانية أكثر ثراء لا يجب أيضا أبدا أن نغفلها، فقد فازت قطر بـ "أربعة" أهداف تمثل عدد دول الحصار الأربعة من جهة وتشير أيضا إلى شارة رابعة رمز المظلومية من جهة أخرى.

أحد مؤشرين
وفي موضوع ذي صلة، فالجميع يعلم مدى حب الشعب المصري والشعوب العربية لمنتخب مصر لكرة القدم، إلا أنه بسبب الاستغلال السياسي المغرض الذي نحته السلطات في مصر أو السعودية بعد وصول منتخبا بلديهما لنهائيات كأس العالم في روسيا العام الماضي، جعل الكثيرين لا يحزنون على خسارة الفريقين هناك، فيما أبدي بعضهم الشماتة ليس في المنتخب ولكن في النظام السياسي في هاتين الدولتين.
فيما وجه المراقبون أصابع الاتهام في انحدار مستوى الفريق المصري إلى الفساد الذي جعل الانتساب إلى الفرق والأندية الكبرى شأنه كشأن أي مهنة ذات سيادة أو "لمعان" تخضع لأحكام الاحتكار والتوريث وليس القدرة والابداع، وهو الأمر الذي جعل نجم ليفربول الانجليزي محمد صلاح يكاد يكون وحيدا في الملعب ويثير تساؤلات جد مهمة هل لا يوجد لاعبين كرة قدم بين نحو المائة مليون مصري سواه، بالقطع يوجد مثله، وربما من هم أفضل منه ولكن الفساد قتل تطلعاتهم.
لقد كانت تداعيات الفوز القطري هي أحد ثلاثة مؤشرات بأن قطر تكسب الدعم الشعبي العربي، ومحاصريها يخسرون، فيما كان المؤشر الثاني هو السخط العربي والعالمي ضد الحرب في اليمن وتداعياتها، أما المؤشر الثالث فكان الفزع من قتل وتقطيع وتذويب الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، حيث ارتدت دول الحصار جميعها في هاتين الجريمتين ثوب الفضيحة والفظاعة، فيما ارتدت الدولة المحَاصَرة بفوزها بكأس آسيا ثوب الانتصار.
قطر لم تسيس الرياضة ولكن محاصروها الأربعة هم من سيسوها، وارتدت عليهم تلك السياسة "حسرة"
......................................................................

الأحد 20 يناير 2019 15:13

عن متعة الجهل.. ومصيبة ثورة يناير!

سيد أمين
 في مثل تلك الأوقات العصيبة والكئيبة التي نعيشها، لابد أن يكون المرء منا قد نظر إلى أبنائه الصغار نظرة حزن مغلفة بالشفقة، خيفة أن يستمر في الاستبداد بهم ما استبد بنا نحن أبناء الجيل الحالي في وطننا العربي المنكوب، بعدما للأسف أورثناهم نظما ومجتمعات أكثر وضاعة وتوحشا ودموية مما نحن ورثناها عن إبائنا وأجدادنا.
لأننا بصراحة بسذاجتنا وأنانيتنا وخوفنا وانقسامنا حول توافه الأمور ومن حيث أردنا أن نبني لهم مستقبلا أفضل ونصلح لهم الطريق وننير ظلمته، استبدلنا لهم استبدادا بعبودية، ووطنا مريضا بوطن ميت، ومستقبلا مجهولا بمستقبل مفقود.
لابد للمرء حينئذ أن يغالبه الحنين إلى تلك الخوالي التي كان الأهل والجيران والناس جميعا - من يعرفونك ومن لا يعرفونك- أكثر تسامحا وتعاونا وحبا حقيقيا ، كيف كانوا يخضعون جميعا لقوانين المجتمع كالعيب والعار والعزل والتي هي أحد وأمضي عليهم من قوانين المحاكم، وكيف كانوا يتقاسمون القليل فيكفي بينهم ويفيض ، ويأكلون أردأ الطعام فيبدو أنه الأكثر لذة ، ويتحلقون حول مواقد النار في الشتاء فتذيب الفوارق بينهم ، ويتشاطرون التجارب والأحلام والعناءات والنجاحات، وكيف كان يوقر الناس بعضهم بعضا ، الصغير يوقر الكبير ، والتلميذ يوقر المعلم ، والجميع يوقرون رجل الدين ، وإذا تحدث العارف ينصت الجاهل ويقتنص فرصة المعرفة ولا يجادل بالباطل ليخلع ثوب الجهل حتى ولو كان على حساب الحقيقة كما يحدث الآن.

متعة الجهل
كان كل شيء يبدو محترما ، وكان المجتمع حينئذ مجتمعا بناء خصبا للإبداع والابتكار والإعجاز والانجاز حتى وإن كانوا أقل وعيا سياسيا، وفي تقديري – أنه بخلاف الإفساد المتعمد للمجتمع في السنوات الأخيرة عبر الإعلام الهدام والفن الهابط والنخب المزيفة - إلا أن قلة الوعي آنذاك جعلت الناس أكثر ثقة وأمانا وراحة بال ، للدرجة التي تجعلنا اليوم نكاد نحسد الجاهل الجهول على راحة باله ، ونحسد الشاعر المتنبي لأنه أدرك قبل مئات السنين ما أدركناه بأن للجهل وقلة الوعي فوائد جمة حينما قال "ذو العلم يشقى في النعيم بعلمه واخو الجهالة في الشقاوة ينعم"؟.
هذه المشاعر تنتاب الكثير ممن وصولوا إلى سن الكهولة حينما يعودون بذاكرتهم إلى أيام الصبا وريعان الشباب، وكيف أنهم كانوا في ذلك الوقت مفعمين بالجرأة والحيوية، وكانوا يظنون أنهم هم محور الكون، وهم القادرون على التأثير ليس في نظام الحكم المحلي والعربي ولكن في العالم بأسره وأن بيدهم تغييره بالطريقة التي تجعل بلدهم هي القائدة بلا منافس، تماما كما فعل أجدادنا منذ ما يقرب من سبعة ألاف سنة حضارة!
كان أمرا مخجلا حقا مع أنه كان ممتعا أيضا ، كانوا يعتقدون أنهم بصفتهم مصريين فهم أصحاب قرار التغيير فيها بلا منازع وأن هذا أمر مفروغ منه ، وكان الواحد منهم يعتقد أنه بالجد والاجتهاد يصل لأعلى المناصب، كانوا يكتبون في كراساتهم وكتبهم عبارة "من أراد المعالي سهر الليالي" ليحفزوا أنفسهم على بذل الجهد في استذكار الدروس، كانوا يعتقدون أنه لابد من وجود حكمة لا يجوز الفصح عنها في كل اختيارات السلطة ، فغباء المسؤول حكمة ، وصمته حكمة ، وفشله حكمة ، وصلاحه هو من فعل من عينوه أما فساده - إن حدث - فهو من فعل نفسه.

نار المعرفة
لكن الغشاوة عن الأعين بدأت تزول تدريجيا حتى وصلت ذروتها مع ثورة الحقيقة في 25 يناير 2011 وراحت تتكشف تماما بعد الانقلاب ، فسرعان ما تبين لنا أن ما كنا نعتبره وطنية ووعيا لم يكن إلا "غفلة" والجرأة كانت حماقة، وأن سهر الليالي في بيوت الليل ومجالس اللاهين هو الطريق الأسرع - وأحيانا الوحيد - للوصول للمعالي ، والسبعة آلاف سنة حضارة كانت "حجارة" صماء لم تترك علينا أي تأثير ايجابي، ولا قيمة لها إلا في البيع في محافل طمس التاريخ العالمية بينما ريعها يذهب إلى جيوب أساطين الفسدة ليمارسوا علينا مزيدا من البطش والتنكيل والتجهيل، واكتشف غالبية هؤلاء الكهول أنهم عاشوا بأنفسهم أجواء شخصية "سبع الليل" في فيلم "البريء".

سقوط النخب

يعتقد كل من يمتلكون البصيرة أن نظام الحكم الحالي في مصر جار على معارضيه ونكل بهم وجعل الحياة سوداء من أمامهم ومن خلفهم، لكن لو امتلكنا بصيرة أكبر لأدركنا أن من جار عليهم هذا النظام وهتك سترهم هؤلاء الذين كنا قد خدعنا بهم عقودا من الزمن ونصبوا علينا قادة مجتمع وإعلاميين وسياسيين، هؤلاء الذين بعد طول عز وتوقير الناس لهم سقطوا من أبراجهم العالية إلى قاع الجحيم، وما صراخهم الآن لدعم النظام إلا صراخ لمقاومة هذا السقوط المذري.

مصيبة يناير

فكما خدمتنا ثورة يناير أيضا فإنها ارتكبت فينا جريمة نكراء، فقد نقلتنا من طور الغيبوبة والتخدير إلى طور الوعي، في اللحظة التي كنا نحن فيها في عزم العملية الجراحية لاستئصال "العقل" من أدمغتنا للأبد حتى لا نتألم ولو قليلا مجددا حزنا على المصائب التي تصيبنا، فأعادت لنا الأحاسيس بينما كنا نرفل في اللاوعي ونستمتع بالجهل ونهلل للمهلكة.
ثورة يناير هى من جعلتنا نري ما يلطخ ثيابنا عارا وليس فخارا كما كنا نتصور، هي من أخبرتنا أننا في ذيل الأمم وكنا نعتقد في أنفسنا الريادة، أعادت إلينا حاسة التمييز بين الغث والسمين والتي فقدناها بعد أن تم تزييف جميع حواسنا.
سامحك الله يا ثورة يناير.. لماذا اخرجتنا من طور الغيبوبة لتلقي بنا في هذا الجحيم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق