سيد أمين يكتب: تداعيات انتقال التعليم من المدرسة إلى الشارع

منذ أكثر من شهر فتحت المدارس أبوابها في مصر، فيما يعلم جميع مرتاديها التلاميذ، والمعلمون، والإداريون، وأولياء الأمور، وحتي جمهور المراقبين في الشارع.

أن الحصيلة التعليمية لهذا الإفتتاح لن تختلف كثيرا عما كان قبلها، فبسبب نقص أعداد المعلمين وتدني الرواتب والأجور والكثافة الهائلة في الفصول انتقلت الدراسة منها إلى الشارع حيث مراكز ومجموعات الدروس الخصوصية، كما انتقلت مراجع الإستذكار من كتب المدرسة إلى الملخصات التعليمية الخارجية.
وهناك جملة أسباب أدت لتخلي المدرسة عن دورها الذي انشئت من أجله منها ما يخص المعلم الذي جعلته ضٱلة الراتب الذي يتقاضاه مع الارتفاع الفاحش لتكاليف الحياة إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على عائدات الدروس الخصوصية ليضمن احتفاظه بحياة تتمتع بالحد الأدنى للحياة الإنسانية اللائقة، وبالطبع أدى ذلك إلى تدني عطائه في المدرسة والتي تحولت هي الأخرى تدريجيا إلي مكتب لعقد صفقات الدروس خارجها.
ومن الأسباب أيضا ما يخص المدرسة حيث كثافة الفصول التي تصل في بعض الأحيان إلى ما يقرب من 100 تلميذ في الفصل، وحيث افتقاد أغلب المدارس إلي “الأحواش” ومتنفسات أوقات الراحة، بالإضافة إلى تهدم الأسوار في بعضها أو عدم فعاليتها، ما صعّب من عمليات الضبط والربط والمراقبة.
ومنها ما يخص أولياء الأمور الذين دخلوا مع هذا التحول في”مفرمة” تلتهم غالبية دخولهم المالية خاصة مع الارتفاع الجنوني في أسعار الكتب والمراجع والملخصات والأدوات والملابس المدرسية، وتضاعف قيمة ما يدفعه الطالب كمصروفات دراسية عدة مرات، موزعة على بنود مثل “مصروفات كتب أو تبرعات للمدرسة أو دعم لصندوق تحيا مصر وغيرها من صناديق” بالإضافة إلى أعباء المواصلات اللازمة للذهاب والإياب من المدارس وإليها وهي التي تضخمت مع ارتفاع أسعار المحروقات، وكل ذلك يبقى دون العبء الأكبر المتمثل في أسعار الدروس الخصوصية التي وصلت إلى أرقام لا تصدق، وتحديدا في بعض المواد العلمية.

إهانة العملية التعليمية


وزاد الطين بلة حدوث ما يشبه الاعتراف الرسمي بهذا الانتقال فصارت الإمتحانات تقتبس من المراجع الخارجية، وصار هناك عدم يقين بدور المعلم في المدرسة لدرجة جعلت الوزارة تفتح أبواب مدارسها لمتعاقدين بمقابل 20جنيها للحصة، ما يعني أن هذا المتعاقد -وهو في الغالب قليل الخبرة العلمية- لن يتقاضي أكثر من 120جنيها في اليوم، وذلك أجرا متدن لا يكفي لمصروفات انتقاله من وإلى المدرسة و لن يقبل به إلا غير المؤهلين وغير الجادين في العطاء والعاشمين للتعيين الحكومي وهو ما لن يحدث.
وزاد الطين بلة قيام الوزارة بفتح باب التدريس التطوعي دون أجر تحت مسمى”المشاركة المجتمعية”، وهذا الإجراء يعني ضمن ما يعني أن الوزارة تدعو المتطوع لأن يأخذ راتبه من خلال الدروس الخصوصية التي يمكنه التعاقد عليها مع التلاميذ خارج المدرسة، وقبل الكثيرون بهذا العمل اعتقادا منهم بأنه سيمنحهم الأولوية في التعيين حال فتحت الوزارة الباب لتعيينات جديدة خاصة مع تدهور سوق العمل، وارتفاع نسبة البطالة الفعلية فيه.
والغريب أنه حينما أعلنت وزارة التعليم منذ أعوام قيامها بتنظيم “مجموعات التقوية المدرسية” لإعطاء دروس بالمصروفات داخل المدارس كانت الفاجعة أن أسعار تلك الدروس أغلى من نظيرتها التي يتلقاها التلميذ في الدرس الخصوصي في المنزل”السنتر” ليس ذلك فحسب بل أن أعداد المشاركين فيها كان أكبر، مما جعل الطلاب وأولياء أمورهم ينفضون عنها ففشلت التجربة فشلا ذريعا.
ومن مظاهر إهانة العملية التعليمية غموض المادة العلمية التي تتضمنها المناهج، بالإضافة إلى ركاكتها وضحالة عوائدها المعرفية، وكذلك التأخير الشديد في تسليم الكتب حني قرب نهاية الفصل الدراسي وقد تكرر ذلك كثيرا في السنوات السابقة، فضلا عن أن الامتحانات عادة لا تأتي من بين ثناياها ولكن من بين صفحات الكتب الخارجية، ما يجبرنا على الذهاب لتفسيرات تتعلق بطبيعة “بزنس” الكتب الخارجية والمشاركين فيه.
كل هذه السياسات كبدت الدولة خسائر فادحة جراء فشل الهدف من العملية التعليمية رغم ما أنفق عليها، وكبدت أولياء الأمور خسائر أخرى في صورة تلك الدروس المهدرة، ولم يربح إلا ناشر الكتب الخارجية ومدرس الدروس الخصوصية التي تقول الوزارة أنها تسعى لعقابه!.

تمييز تعليمي


للأسباب السابقة يمكننا القول أن العملية التعليمية في مصر لا تتوخى المساواة بين الطلاب لا سيما مع طغيان التعليم الخاص والدولي في مراحل التعليم الأساسي وحتى الجامعي على المشهد، حيث ساهم ذلك في اتساع رقعة التمييز وانعدمت المنافسة بين الطلاب، وارتكن من يملكون المال إلى كونهم بقدراتهم المالية سينافسون من جدوا وثابروا، بل وسيقصونهم بعد ذلك من سوق العمل ويشغلون وظائفهم، خاصة أن مناهج المدارس الدولية مثلا أكثر بساطة وأقل كثافة من نظيرتها في التعليم المحلي ولها الأولية في التوظيف.
وقبل أن تتفشى موجة خصخصة التعليم وتحويله إلى عملية تجارية لا تكترث كثيرا بالعوائد العلمية والوطنية، كانت قديما هناك إجراءات بسيطة يطبقونها لتعزيز الشعور بالمساواة والانتماء، تعتمد على توحيد شكل ولون الزي المدرسي بين مراحل التعليم الأساسي المختلفة وفي كافة المدارس، فضلا عن توحيد الأطعمة التي يتناولها التلاميذ، وما أحوجنا اليوم للعودة لهذه الإجراءات التي سيساهم تنفيذها في تخفيف الضغوط الاقتصادية على أولياء الأمور .
طبعا مثل تلك الإجراءات لن تعدل السفينة المائلة ولكن ستمنحها وقتا أطول قبل الغرق.

سيد أمين يكتب: لهذا يحاربون السلطات الدينية

 يرجع الإقبال الكثيف في المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى على المشاركة في الحملات الصليبية إلى عدة عوامل؛ أهمها السلطة الدينية التي دعت إليها، وهي الكنيسة الكاثوليكية، وما صاحبها من قيام الباباوات -وخاصة أوربان الثاني- بوعد المغفرة ومنح صكوك الغفران لكل من يشارك فيها، لدخول الجنة دون عناء ودون دفع رسوم، في حين أرسلت الكنيسة وعاظاً يجوبون الأرجاء للدعوة للانخراط فيها، وكان أشهرهم بطرس الناسك الذي جاب القرى النائية من أجل توصيل رسالتها وإقناع الشباب بالانخراط فيها؛ عارضاً عليهم المكاسب الدينية.

بالطبع يأتي ذلك إلى جانب وجود أسباب مادية أخرى، منها أن المجتمعات الأوروبية كانت خاضعة شبه كليّ لطبقات متعددة من الرق؛ حيث عبيد النبلاء والأمراء من جهة، وعبيد الكنيسة من جهة أخرى، وهم الذين كانوا يعرفون بـ"الأقنان"، حيث يمكن لرجال الكنيسة استرقاق أسر كاملة، يتوارثونها بأجيالها المتعاقبة هم وأبناؤهم وأحفادهم، جيلاً بعد جيل.

من هنا ظهر مدى قوة السلطة الدينية كسلطة مركزية على أتباعها، حيث تأمر فيهرولون لنيل رضاها، مما يكشف قوة تأثيرها الروحي في صناعة كتلة صلبة تأتمر بأمر رأسها الأعلى. وتوجد هذه السلطة المركزية الصارمة رغم أن المسيحية أساساً تفتقد لكثير من الفقه الذي يسير تفاصيل الحياة ومعاملات الناس وطقوسهم اليومية كما هو الحال في الإسلام واليهودية، مثل الصلاة والصوم والزكاة وغيرها، وتترك أمر تسيير الحياة في معظم الأحيان لتقديرات الخير والشر.


الخليفة والولي الفقيه

وفي مذاهب الإسلام هناك أيضاً ما يشبه هذا النسق، وإن كان أكثر تحرراً من النموذج الكنسي؛ حيث لا رق ولا عبودية ولا مميزات مادية للمنخرطين كما حدث في الكنيسة في القرون الوسطى؛ لأن الانخراط لطاعة الأوامر هنا متروك بصورة أكبر لعمق الإيمان والعاطفة الدينية، والروابط الاجتماعية، وليس خوفاً من عقاب مادي يفرضه السيد أو رجل الدين.

يبرز هنا نظام الولي الفقيه الذي يتبعه المذهب الشيعي، وهو ما أعطى النظم ذات المرجعيات الشيعية العليا قوة صمود وتماسك لم تكن متاحة لغيرها من النظم السياسية الإسلامية الأخرى، وبالتالي ساعدها ذلك على البقاء رغم العواصف حولها. وليس الشيعة وحدهم من لديهم مرجعيات عليا، ولكنها موجودة أيضاً في المذاهب البينية بين السنة والشيعة، كالإباضية والزيدية.

ويعادل نظام الخليفة عند السنة نظام الولي الفقيه عند الشيعة وإن كان لا يتعارض معه، حيث يمكن أن ينضوي نظام الولي الفقيه تحت لواء خلافة المسلمين مطبقاً سلطته على أتباعه؛ وذلك لأن سلطة الخليفة هي سلطة سياسية وإدارية أكثر منها دينية، بينما يُترك أمر تأثيره الديني لكونه فقط ممثلاً للمسلمين في عالم تحكمه التكتلات الدينية، وأحياناً يخضع ذلك لمدى تدينه.

ولعل بقاء نظام الولي الفقيه وسقوط الخلافات الإسلامية في القرون الوسطى جاء لإعلاء التأثير السياسي وضعف التأثير الديني، فيما بقي نظام الولي الفقيه صامداً لارتفاع تأثيره الديني عن السياسي، كما هو الحال في السلطة الكنسية.


روابط ذات مرجعيات

بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية إثر تداعيات الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، أدركت الكثير من الجماعات الدينية الإسلامية أن الخسارة الكبيرة التي افتقدتها كانت سقوط السلطة المركزية للدولة الإسلامية الموحدة، فسعت تلك الجماعات إلى استعاضة تلك السلطة بسلطات تنظيمية أخرى ذات تراتبية هرمية. فظهرت روابط عديدة -لم تكن محكمة التنظيم في بدايتها- ذات مبادئ إصلاحية أو جهادية، لها شيخ يحظى بطاعة كبيرة وشعبية روحية.

ومن الحركات الإصلاحية على سبيل المثال: الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، أو جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 في مصر، وجبهة الإنقاذ الجزائرية، وحركة النهضة التونسية. أو حركات جهادية مثل: الحركة السنوسية في ليبيا، وحركة طلاب الكتاتيب "طالبان" في باكستان وأفغانستان، وحركة الشباب في الصومال والقرن الأفريقي وغيرها. ثم في نهايات القرن الماضي، ظهرت العديد من الحركات الإسلامية الأخرى التي وُصمت بالتطرف بسبب قلة خبرتها السياسية وعدم اعترافها بالتطور السياسي والاجتماعي، ولذلك لم تلقَ إقبالاً اجتماعياً.

وقد كان وجود المرشد أو المعلم أو الأمير بمثابة تنفيذ لمسألة المرجع الأعلى عند الشيعة أو البابا عند المسيحية، ولكن بدرجة أقل تأثيراً.


مرجعية الجيوش

الجيوش هي النموذج غير الروحي الوحيد الذي يملك سلطة مركزية؛ تصدر الأوامر فيه من أعلى الرأس وتتسلسل هرمياً في التنفيذ وصولاً إلى القاعدة العريضة. والأمر هنا أمر إداري بحت غير مرتبط بأي قاعدة روحية، حتى لو كانت هناك محاولات لخلق مرجعية روحية مزيفة، يُستبدل فيها الدين بالوطن، أو الثقافة، أو العرق، أو القُطرية وغيرها، وهي بالقطع مراجع يمكن تشكيلها طبقاً لقناعات وتوجهات رأس السلطة فيها، وتتغير بتغير هذا الرأس. ومعلوم بالضرورة أن الرأس -وهو صاحب السلطة المطلقة- يصنع الإدارة اللصيقة به ممن يحملون الولاءات ذاتها، أو ممن يمكن شراء ذممهم بالسلطة والمال لاعتناقها.

وتتمثل خطورة هذا النوع من السلطة المركزية في أمرين: أولهما أنه يملك القدرات العسكرية التي لم تُتح لغيره من السلطات المركزية السابقة، وثانيهما أن الترقية داخل هذا الهرم يمكن العبث بها والتلاعب فيها والوصول بالمتآمرين إلى أعلى الرأس، نظراً لكون الترقية فيه تخضع لمدى طاعة القائد الأعلى المباشر، وذلك على خلاف السلطات المركزية الدينية التي يخضع فيها رأس السلطة لقواعد الدين والمعتقد، وهي أمر ثابت يعرفه الأتباع جميعاً، ومتى حاد عنه سينفرون منه وينقلبون عليه.

وللتدليل، رأينا كيف أن إسرائيل استطاعت الوصول بجاسوسها إيلي كوهين "كامل أمين ثابت" إلى أعلى مراتب الجيش في سوريا التي كانت في حرب ضروس معها. ورأينا كيف أن الجيش الألماني الذي اعتبر اليهود أخطر أعدائه في زمن الزعيم النازي أدولف هتلر وخاض حرباً هي الأشرس في العالم معهم ومع أنصارهم، هو نفسه الجيش الذي ساند إسرائيل في العدوان على غزة، وكان من أكثر جيوش العالم دعماً لها في جل مواقفها.

لعلي أكون قد أوضحت، وفي الفم ماء.

أقرأ المقال على عربي 21


سيد أمين يكتب: التأصيل الفكري والنظري للاستعمار بالوكالة

 الاستعمار بالوكالة هو الطريقة الحديثة التي اتبعتها القوى الاستعمارية عقب انسحابها الظاهري من مستعمراتها القديمة، وتقوم فكرتها على الحكم من خلال العملاء المحليين، بعد توصيلهم إلى أعلى درجات السلطة، ومن ثمّ يخدّمون على مصالحهم ويأتمرون بأمرهم.
 هذه الطريقة ليست مُبتكرة كليًا وقد فعلها كثير من الإمبراطوريات القديمة، حيث كانت تحافظ على وجود ممالك تبدو مستقلة، تنتهج نهجها أو تعترف بعرقيتها في مناطق التماس بينها وبين الإمبراطوريات المنافسة، تكون في الغالب كبش فداء أو قوة متقدمة تعرقل العدو.
 أما ما جرى أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ومع تنامي قوة الاتحاد السوفييتي والصين ودخولهما معترك التوسع الخارجي، واعتمادهما طريقة كسب الحلفاء عبر تبني دعوات الثورة والتحرر، كان من الضروري التخلص من نظام الاستعمار القديم واللجوء للاستعمار بالوكالة.


تأصيل فكري


هذه الطريقة أشار إليها المفكر الإيطالي نيقولا ميكافيلي في الطريقة الثالثة للسيطرة على المستعمرات، حيث نصح ميكافيلي أميره في كتابه "الأمير" بأنه طالما كان يريد من غزو الإمارة المعادية النفوذ والثروة، فإنه يمكنه الحصول على ذلك مع تجنب الخسائر، عبر دعم التمرد فيها عسكريًا، ومن ثمّ غزوها والتنكيل بالأغلبية والشخصيات الأكثر مهابة واحترامًا فيها وكسر هيبتهم، ثم تنصيب الفئات الأكثر دونية منها حكامًا عليها، وبالتالي فإن هؤلاء الحكام الجدد سيحتمون به من شعبهم، ويقمعون شعوبهم بدلاً منه، ويقدمون له ثروات بلادهم ويأتمرون بأمره، لأنه لولا دعمه لهم ما تمكنوا واستمروا في الحكم. 

ويشير مراقبون إلى أن اتفاقية برنز- تمبلر التي وُقعت في حزيران/ يونيو 1951، والتي قيل إنها اتفاقيات أمنية وعسكرية نظمت تبادل المعلومات العسكرية السرية، وحددت آليات حمايتها، ومنعت الكشف عنها لأي طرف ثالث، تضمنت اتفاقًا أهم وهو تنازل بريطانيا عن مستعمراتها القديمة للولايات المتحدة متجنبة المواجهة فيها مع طموحات التمدد السوفييتية والصينية، ما يفسر سر الجلاء البريطاني الوديع من مستعمراتها في العالم، وما ترافق معها أو سبقها أو لحقها من انقلابات عسكرية في العالم منتصف القرن الماضي.

 قامت الولايات المتحدة بالتوسع في هذه الطريقة، لاسيما أنها صاحبة وعد ويلسون عام 1918 الذي وعد فيه الرئيس الأميركي بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولعل الممارسات الأميركية التالية أكدت أنها رأتها الأنسب للوجاهة التي تريد تقديم نفسها بها للعالم بعد الانتصار في الحرب العالمية الأولى. 

وكان جاك فوكار أشهر الشخصيات التي اعتمدت عليها فرنسا في تنفيذ المخطط واللحاق بالركب البريطاني والأميركي، حيث قام الرجل وهو سياسي ورجل أعمال فرنسي شهير بتأسيس جهاز الشؤون الأفريقية في أروقة المخابرات الفرنسية ومن خلاله أدارت فرنسا مستعمراتها التي جلت عنها شكليًا، ووصفته صحيفة نيويورك تايمز في يوم وفاته في 19 آذار/ مارس 1997 بأنه العقل المدبر للنظرية ومن خلال طريقته تمكنت فرنسا من حكم أفريقيا دون عودة للقتال المباشر.


طرق الحكم بالوكالة


رغم أن الحكم بالوراثة والحكم العسكري هما النموذجان الشائعان لتنفيذ هذا النوع من الاستعمار، إلا أن الحكم العسكري هو الأكثر إخلاصًا لتنفيذه، وذلك أن حكام الوراثة أكثر استقرارًا وأمانًا، ولا يخشى رجاله الإزاحة من الحكم بسبب عملية انتخابية يتحكم فيها المستعمر، وقد أزالوا القلاقل مع طول فترة الحكم، وكسبوا بعد عناء البطانة الشعبية التي تلتف حولهم، وبالتالي فهم الأكثر ضجرًا من أن يشاركهم فيه آخرون، وقد يتذمرون في أي لحظة عن تنفيذ الإملاءات اعتمادًا على شعبيتهم، هنا تظهر أدوار “الحاميات” أو ما يُعرف حاليًا بالقواعد العسكرية، وهي في الواقع عوامل تهديد لهذه النظم أكثر بكثير من كونها عوامل حماية، ورغم ذلك يمكن التمرد عليها.

 أما الحكم العسكري، فإن رجاله مؤقتون، متصارعون في ما بينهم حتى وإن بدا الأمر غير ذلك، ويخشى بعضهم بعضًا، وبالتالي فهم لا يملكون إمكانية التمرد وتحمل تكلفته من أرواحهم وثرواتهم، وعلى طريقة الجزرة والعصا لذلك يكتفون بالتنعم بالثروة والنفوذ لهم ولأسرهم ويقضمون الجزرة. ولعل الأكثر تأثيرًا في هذا النظام هو الأكثر ولاءً للمستعمر، وغالبًا ما يكون تم إعداده للحكم قبل سنوات طويلة من تقلده إياه رسميًا، بناءً على مواصفات فكرية وثقافية ودينية معينة.


طرق الإعداد


تصعيد المسطحين والجهلة في العملية السياسية، هو أهم طرق إعداد من يخدمون نظام الاستعمار بالوكالة نظرًا لكونها تنتج القاعدة الشعبية العريضة التي تحمي نخبة هذا الحكم، وهم في كثير من الأحيان لا يعلمون أنهم يخدمون التبعية، حيث تحركهم مشاعرهم الصادقة والدعايات الوطنية لسلوك مسالكهم، لكن هؤلاء لا يمكن تصعيدهم للمراحل المؤثرة في الحكم خوفًا من استفاقتهم فيمثلون شوكة في ظهر النظام الاستعماري الجديد.

 يلي ذلك فئة الانتهازيين وأصحاب المطامع الشخصية، وهم الفئة الأكثر انتشارًا، واستطاعوا بذكائهم الوصول لكثير من حقيقة النظام، ومع ذلك لا يمكن أيضًا الوثوق بهم للوصول إلى المراحل النهائية، وذلك لأن المستعمر قد يخشى أن ينقلبوا عليه متى وجدوا من يدفع أكثر.

 ثم المحور، وهم الفئة الأضيق والأكثر إخلاصًا لخدمة النظام، وهم يعلمون حقيقته تمامًا، لكن لهم دوافع أخرى لحمايته والانخراط فيه بجانب المكاسب المادية والنفوذ الأوسع الذي يتمتعون به فعلاً، وغالبًا ما يكونون في حالة ميل للقمع الشديد نظرًا لمعرفتهم أنهم محور المؤامرة، وبالتالي فهم محور الانتقام أو المقاومة، ويتفشى بين هؤلاء الخوف من بعضهم البعض لاعتقاد كل منهم أنه قد يكون قربانًا لتهدئة الرأي العام، أو أن يُستبدل بشخصيات جديدة تخدع الرأي العام متى انكشف جزء من أمرهم. 

ويتم استغلال حالة الفساد في المجتمع- والتي تتم صناعتها باعتناء من أجل شغل الشعب في ذاته- في صناعة أعداد هائلة من قاعدة النظام الجديد، هؤلاء الذين يضطرهم سوء الظروف المادية أو الاجتماعية للتغاضي عن الفساد وأحيانًا اعتباره الملجأ الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

 ومن خلال هؤلاء الموظفين الصغار الذين اضطرتهم ظروفهم للتكيف مع الفساد، تغرس نبتة كبار العملاء، ويسمح لهم بالتجذر في الجهاز الإداري للدولة، من ثم تصعيد صفوتهم المختارين والأكثر ولاءً للمستعمر من الصفر حتى القمة. لذلك يمكننا اعتبار أن الفساد الصغير ينجم عنه خيانة كبيرة، وأن النظم الفاسدة هي بلا شك من تطرح ثمارًا رعاها ويقطفها الأعداء. 

التبعية لا تنمو إلا في الأرض البور.

نقلا عن العربي الجديد

سيد أمين يكتب: سقوط نظرية القوة المفرطة أمام تحديات القصاص

نقلا عن عربي 21

هناك حكمة وراء كل شر حتى لو كانت إبادة جماعية لشعب أعزل في غزة؛ الحكمة أن إسرائيل لو اكتفت بما قضمته من فلسطين التاريخية عام 1948، وسعت للسلام لكانت الآن دولة طبيعية في المنطقة، لكنها لسوء حظها أو ربما لخير فينا؛ تصر بشكل دائم على تذكير ذهننا العربي والإسلامي -رغم ما فيه من تسامح وميل إلى التناسي متى وجد السلام- بأنها كيان مجرم غير مأمون الجانب وله أطماع تفوق قدراته الذاتية بكثير.

ولأن قدرة النظم الضعيفة كما هو الحال في النظم العربية بصيغتها الحالية تجنح إلى قطب الجراح مهما كانت موجعة، لجأت إسرائيل إلى إحداث جراح لا يمكن قطبها، وصنعت تذكيرا ببصمة لا يمكن أن ينساها العقل العربي والإسلامي ولا حتى أحرار العالم، وهي الإبادة الجماعية في غزة ولبنان. وكأنها تصر على إرسال رسالة للعرب والمسلمين والعالم أجمع بأنها جسم خبيث ليس في قلب العرب وحدهم، ولكن في قلب كوكب الأرض برمته.

فشل النظرية الميكافيللية


الإجرام الصهيوني لم يلتفت كثيرا لخطورة قيامه بتمديد وتجديد مطامعه بشكل مستمر دون الاكتراث بكلفة الأمر في الجهد أو في السمعة، معتمدا على انتهاج قاعدة ميكافيللية معاكسة تقول بأن تبعية الخوف أهم كثيرا وأضمن من تبعية الولاء والمحبة، وأن المرء قد يخون من يحب ويتعلل له بالأعذار، ولكنه أبدا لن يخون من يخاف، ولذلك فإن ضرب العدو ضربا يعجزه عن الرد نهائيا وانتهاك جميع محرماته سيصنع منه تابعا مخلصا.

هذه القاعدة الانتهازية والمتوحشة التي تتبعها إسرائيل تعتمد في الأساس على معيار واحد وهو القوة المفرطة، واعتقادها بأنها طالما كانت تمتلك تلك القوة فلا خوف مطلقا من فشل تلك الاستراتيجية ونجاحها في تحقيق الردع.

ولذلك فإن فشلها في تحقيق أهدافها من الحرب على إيران ولبنان ومن قبلهما غزة، بل ومواجهتها مقاومة مؤلمة أصابت قلب الغيتو الحصين في قلب الكيان، بعدما كانت جولاتها دائما في ملاعب الآخرين، هو في حد ذاته يعد فشلا ذريعا لتلك الاستراتيجية وانهيارا لمنظومة الخوف التي سعت لتنشئتها في الأذهان منذ عقود بأنها الكيان الذي لا يقهر، والمصان الذي لا يُمس، والأفدح فيه أن ذلك الفشل لم يطلها هي فقط، بل امتد حتى وصل لركنها الركين والحائط الذي تستند عليه على الدوام؛ الولايات المتحدة الأمريكية.

فلأول مرة سمعت الولايات المتحدة الأمريكية لأصوات أخرى في الشرق الأوسط غير أتباعها، وجلست تتفاوض معهم لا تملي عليهم الشروط، ولهذا دلالات بليغة ومؤثرة، قد تمتد لعقود مقبلة، وتؤثر بشكل بالغ في إسرائيل وسياساتها الخارجية وحدودها ومستقبلها ذاته.

نعم، استمرار إسرائيل في اتباع أسلوب الأرض المحروقة، قد ينجح مؤقتا في تهدئة الأجواء، تهدئة سلبية، لكنه أبدا لن يؤدي لإفناء من تعاديه أو استسلامه التام، كما لا يمكن تكرار ما حدث في الحقب الاستعمارية المتقدمة، لأسباب كثيرة؛ منها البشري ومنها التقني ومنها المادي والإعلامي، فضلا عن تمدد المنظومات الحقوقية وغيرها. ولعل صِداما دام عدة عقود يثبت أن هذا الهدوء لم يؤد في النهاية إلا إلى 7 أكتوبر وليس إلى الاستسلام، ولا أظن أنه سيكون اليوم الأخير من أيام أكتوبر.

جرح نازف.. تذكار دائم


وطالما أدرك العالم أن القوة المفرطة يمكن أن تجابه أيضا بقوة مؤلمة، فهي إذن نظرية قد فقدت وهجها ومنطقيتها، والاستمرار فيها لن يؤدي إلا إلى ترسيخ الحاجة العالمية لإجراء علاج ناجع لهذا الجرح ومسبباته، وهو إجراء لأسباب كثيرة سيؤدي لإنقاذ المظلوم من ظلم الظالم، وليس قتل المظلوم كما يطمح الظالم، خاصة بعدما انكشفت طبيعته وتهدمت أركان سرديته التي غذاها إعلامه والإعلام الموالي له منذ نشأته في تبعات الطوفان.

وعلى إسرائيل أن تدرك أنه كما تتطور قدراتها الحربية القادرة على تحقيق عنصر القوة المفرطة، فإن قدرات من تعاديهم هي الأخرى تتطور أيضا، وأنه قد يكون بإمكانهم ذات تاريخ الوصول لقوة مفرطة تكافئ قوتها أو تزيد عنها. وقتها ستندم ندما شديدا، حيث كان بإمكانها أن تقبل بما احتلته وقامت عليه دولتها، ولكانت تجنبت خوض المزيد من الصدامات مع العالم العربي، ولسعت أن تتحصن بها، وتقنع العرب بقبول سياسة الأمر الواقع، وقتها كان سيقبل قادة العرب حتى وإن رفضوا صوريا، وكان الأمر سينتهي بالتسليم بالأمر، فلا لاجئين يحتاجون العودة لديارهم، ولا شهداء يطلبون القصاص، ولا مقدسات إسلامية أو حتى مسيحية تدنس، ولا مآسي إنسانية يمكن للعالم أن يغض الطرف عنها كثيرا.

لكن الوقت نفد.. فمنظومة الخوف تهاوت، أو في سبيلها للتهاوي، وصورة الوحشية الإسرائيلية في الأذهان ترسخت، وصار إصلاح الحال المائل مطلبا عالميا، وممكن تنفيذه قسريا.

سيد أمين يكتب: تحويل الرصاص إلى ذهب! الأمنيات والحقائق

منذ أشهر، أعلنت منظمة "سيرن" الأوروبية عن تمكن علماء تابعين لها من تحويل الرصاص إلى ذهب عبر عملية علمية معقدة، تم خلالها إزالة ثلاثة بروتونات من نواة الرصاص عبر جهاز مهم للغاية يعرف باسم "مصادم الهدرونات".