سيد أمين Sayed Amin
الأعمال الفكرية
سيد أمين يكتب: لهذا يحاربون السلطات الدينية
بالطبع يأتي ذلك إلى جانب وجود أسباب مادية أخرى، منها أن المجتمعات الأوروبية كانت خاضعة شبه كليّ لطبقات متعددة من الرق؛ حيث عبيد النبلاء والأمراء من جهة، وعبيد الكنيسة من جهة أخرى، وهم الذين كانوا يعرفون بـ"الأقنان"، حيث يمكن لرجال الكنيسة استرقاق أسر كاملة، يتوارثونها بأجيالها المتعاقبة هم وأبناؤهم وأحفادهم، جيلاً بعد جيل.
من هنا ظهر مدى قوة السلطة الدينية كسلطة مركزية على أتباعها، حيث تأمر فيهرولون لنيل رضاها، مما يكشف قوة تأثيرها الروحي في صناعة كتلة صلبة تأتمر بأمر رأسها الأعلى. وتوجد هذه السلطة المركزية الصارمة رغم أن المسيحية أساساً تفتقد لكثير من الفقه الذي يسير تفاصيل الحياة ومعاملات الناس وطقوسهم اليومية كما هو الحال في الإسلام واليهودية، مثل الصلاة والصوم والزكاة وغيرها، وتترك أمر تسيير الحياة في معظم الأحيان لتقديرات الخير والشر.
الخليفة والولي الفقيه
وفي مذاهب الإسلام هناك أيضاً ما يشبه هذا النسق، وإن كان أكثر تحرراً من النموذج الكنسي؛ حيث لا رق ولا عبودية ولا مميزات مادية للمنخرطين كما حدث في الكنيسة في القرون الوسطى؛ لأن الانخراط لطاعة الأوامر هنا متروك بصورة أكبر لعمق الإيمان والعاطفة الدينية، والروابط الاجتماعية، وليس خوفاً من عقاب مادي يفرضه السيد أو رجل الدين.
يبرز هنا نظام الولي الفقيه الذي يتبعه المذهب الشيعي، وهو ما أعطى النظم ذات المرجعيات الشيعية العليا قوة صمود وتماسك لم تكن متاحة لغيرها من النظم السياسية الإسلامية الأخرى، وبالتالي ساعدها ذلك على البقاء رغم العواصف حولها. وليس الشيعة وحدهم من لديهم مرجعيات عليا، ولكنها موجودة أيضاً في المذاهب البينية بين السنة والشيعة، كالإباضية والزيدية.
ويعادل نظام الخليفة عند السنة نظام الولي الفقيه عند الشيعة وإن كان لا يتعارض معه، حيث يمكن أن ينضوي نظام الولي الفقيه تحت لواء خلافة المسلمين مطبقاً سلطته على أتباعه؛ وذلك لأن سلطة الخليفة هي سلطة سياسية وإدارية أكثر منها دينية، بينما يُترك أمر تأثيره الديني لكونه فقط ممثلاً للمسلمين في عالم تحكمه التكتلات الدينية، وأحياناً يخضع ذلك لمدى تدينه.
ولعل بقاء نظام الولي الفقيه وسقوط الخلافات الإسلامية في القرون الوسطى جاء لإعلاء التأثير السياسي وضعف التأثير الديني، فيما بقي نظام الولي الفقيه صامداً لارتفاع تأثيره الديني عن السياسي، كما هو الحال في السلطة الكنسية.
روابط ذات مرجعيات
بعد سقوط دولة الخلافة العثمانية إثر تداعيات الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، أدركت الكثير من الجماعات الدينية الإسلامية أن الخسارة الكبيرة التي افتقدتها كانت سقوط السلطة المركزية للدولة الإسلامية الموحدة، فسعت تلك الجماعات إلى استعاضة تلك السلطة بسلطات تنظيمية أخرى ذات تراتبية هرمية. فظهرت روابط عديدة -لم تكن محكمة التنظيم في بدايتها- ذات مبادئ إصلاحية أو جهادية، لها شيخ يحظى بطاعة كبيرة وشعبية روحية.
ومن الحركات الإصلاحية على سبيل المثال: الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية، أو جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 في مصر، وجبهة الإنقاذ الجزائرية، وحركة النهضة التونسية. أو حركات جهادية مثل: الحركة السنوسية في ليبيا، وحركة طلاب الكتاتيب "طالبان" في باكستان وأفغانستان، وحركة الشباب في الصومال والقرن الأفريقي وغيرها. ثم في نهايات القرن الماضي، ظهرت العديد من الحركات الإسلامية الأخرى التي وُصمت بالتطرف بسبب قلة خبرتها السياسية وعدم اعترافها بالتطور السياسي والاجتماعي، ولذلك لم تلقَ إقبالاً اجتماعياً.
وقد كان وجود المرشد أو المعلم أو الأمير بمثابة تنفيذ لمسألة المرجع الأعلى عند الشيعة أو البابا عند المسيحية، ولكن بدرجة أقل تأثيراً.
مرجعية الجيوش
الجيوش هي النموذج غير الروحي الوحيد الذي يملك سلطة مركزية؛ تصدر الأوامر فيه من أعلى الرأس وتتسلسل هرمياً في التنفيذ وصولاً إلى القاعدة العريضة. والأمر هنا أمر إداري بحت غير مرتبط بأي قاعدة روحية، حتى لو كانت هناك محاولات لخلق مرجعية روحية مزيفة، يُستبدل فيها الدين بالوطن، أو الثقافة، أو العرق، أو القُطرية وغيرها، وهي بالقطع مراجع يمكن تشكيلها طبقاً لقناعات وتوجهات رأس السلطة فيها، وتتغير بتغير هذا الرأس. ومعلوم بالضرورة أن الرأس -وهو صاحب السلطة المطلقة- يصنع الإدارة اللصيقة به ممن يحملون الولاءات ذاتها، أو ممن يمكن شراء ذممهم بالسلطة والمال لاعتناقها.
وتتمثل خطورة هذا النوع من السلطة المركزية في أمرين: أولهما أنه يملك القدرات العسكرية التي لم تُتح لغيره من السلطات المركزية السابقة، وثانيهما أن الترقية داخل هذا الهرم يمكن العبث بها والتلاعب فيها والوصول بالمتآمرين إلى أعلى الرأس، نظراً لكون الترقية فيه تخضع لمدى طاعة القائد الأعلى المباشر، وذلك على خلاف السلطات المركزية الدينية التي يخضع فيها رأس السلطة لقواعد الدين والمعتقد، وهي أمر ثابت يعرفه الأتباع جميعاً، ومتى حاد عنه سينفرون منه وينقلبون عليه.
وللتدليل، رأينا كيف أن إسرائيل استطاعت الوصول بجاسوسها إيلي كوهين "كامل أمين ثابت" إلى أعلى مراتب الجيش في سوريا التي كانت في حرب ضروس معها. ورأينا كيف أن الجيش الألماني الذي اعتبر اليهود أخطر أعدائه في زمن الزعيم النازي أدولف هتلر وخاض حرباً هي الأشرس في العالم معهم ومع أنصارهم، هو نفسه الجيش الذي ساند إسرائيل في العدوان على غزة، وكان من أكثر جيوش العالم دعماً لها في جل مواقفها.
لعلي أكون قد أوضحت، وفي الفم ماء.
سيد أمين يكتب: التأصيل الفكري والنظري للاستعمار بالوكالة
تأصيل فكري
هذه الطريقة أشار إليها المفكر الإيطالي نيقولا ميكافيلي في الطريقة الثالثة للسيطرة على المستعمرات، حيث نصح ميكافيلي أميره في كتابه "الأمير" بأنه طالما كان يريد من غزو الإمارة المعادية النفوذ والثروة، فإنه يمكنه الحصول على ذلك مع تجنب الخسائر، عبر دعم التمرد فيها عسكريًا، ومن ثمّ غزوها والتنكيل بالأغلبية والشخصيات الأكثر مهابة واحترامًا فيها وكسر هيبتهم، ثم تنصيب الفئات الأكثر دونية منها حكامًا عليها، وبالتالي فإن هؤلاء الحكام الجدد سيحتمون به من شعبهم، ويقمعون شعوبهم بدلاً منه، ويقدمون له ثروات بلادهم ويأتمرون بأمره، لأنه لولا دعمه لهم ما تمكنوا واستمروا في الحكم.
ويشير مراقبون إلى أن اتفاقية برنز- تمبلر التي وُقعت في حزيران/ يونيو 1951، والتي قيل إنها اتفاقيات أمنية وعسكرية نظمت تبادل المعلومات العسكرية السرية، وحددت آليات حمايتها، ومنعت الكشف عنها لأي طرف ثالث، تضمنت اتفاقًا أهم وهو تنازل بريطانيا عن مستعمراتها القديمة للولايات المتحدة متجنبة المواجهة فيها مع طموحات التمدد السوفييتية والصينية، ما يفسر سر الجلاء البريطاني الوديع من مستعمراتها في العالم، وما ترافق معها أو سبقها أو لحقها من انقلابات عسكرية في العالم منتصف القرن الماضي.
قامت الولايات المتحدة بالتوسع في هذه الطريقة، لاسيما أنها صاحبة وعد ويلسون عام 1918 الذي وعد فيه الرئيس الأميركي بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولعل الممارسات الأميركية التالية أكدت أنها رأتها الأنسب للوجاهة التي تريد تقديم نفسها بها للعالم بعد الانتصار في الحرب العالمية الأولى.
وكان جاك فوكار أشهر الشخصيات التي اعتمدت عليها فرنسا في تنفيذ المخطط واللحاق بالركب البريطاني والأميركي، حيث قام الرجل وهو سياسي ورجل أعمال فرنسي شهير بتأسيس جهاز الشؤون الأفريقية في أروقة المخابرات الفرنسية ومن خلاله أدارت فرنسا مستعمراتها التي جلت عنها شكليًا، ووصفته صحيفة نيويورك تايمز في يوم وفاته في 19 آذار/ مارس 1997 بأنه العقل المدبر للنظرية ومن خلال طريقته تمكنت فرنسا من حكم أفريقيا دون عودة للقتال المباشر.
طرق الحكم بالوكالة
رغم أن الحكم بالوراثة والحكم العسكري هما النموذجان الشائعان لتنفيذ هذا النوع من الاستعمار، إلا أن الحكم العسكري هو الأكثر إخلاصًا لتنفيذه، وذلك أن حكام الوراثة أكثر استقرارًا وأمانًا، ولا يخشى رجاله الإزاحة من الحكم بسبب عملية انتخابية يتحكم فيها المستعمر، وقد أزالوا القلاقل مع طول فترة الحكم، وكسبوا بعد عناء البطانة الشعبية التي تلتف حولهم، وبالتالي فهم الأكثر ضجرًا من أن يشاركهم فيه آخرون، وقد يتذمرون في أي لحظة عن تنفيذ الإملاءات اعتمادًا على شعبيتهم، هنا تظهر أدوار “الحاميات” أو ما يُعرف حاليًا بالقواعد العسكرية، وهي في الواقع عوامل تهديد لهذه النظم أكثر بكثير من كونها عوامل حماية، ورغم ذلك يمكن التمرد عليها.
أما الحكم العسكري، فإن رجاله مؤقتون، متصارعون في ما بينهم حتى وإن بدا الأمر غير ذلك، ويخشى بعضهم بعضًا، وبالتالي فهم لا يملكون إمكانية التمرد وتحمل تكلفته من أرواحهم وثرواتهم، وعلى طريقة الجزرة والعصا لذلك يكتفون بالتنعم بالثروة والنفوذ لهم ولأسرهم ويقضمون الجزرة. ولعل الأكثر تأثيرًا في هذا النظام هو الأكثر ولاءً للمستعمر، وغالبًا ما يكون تم إعداده للحكم قبل سنوات طويلة من تقلده إياه رسميًا، بناءً على مواصفات فكرية وثقافية ودينية معينة.
طرق الإعداد
تصعيد المسطحين والجهلة في العملية السياسية، هو أهم طرق إعداد من يخدمون نظام الاستعمار بالوكالة نظرًا لكونها تنتج القاعدة الشعبية العريضة التي تحمي نخبة هذا الحكم، وهم في كثير من الأحيان لا يعلمون أنهم يخدمون التبعية، حيث تحركهم مشاعرهم الصادقة والدعايات الوطنية لسلوك مسالكهم، لكن هؤلاء لا يمكن تصعيدهم للمراحل المؤثرة في الحكم خوفًا من استفاقتهم فيمثلون شوكة في ظهر النظام الاستعماري الجديد.
يلي ذلك فئة الانتهازيين وأصحاب المطامع الشخصية، وهم الفئة الأكثر انتشارًا، واستطاعوا بذكائهم الوصول لكثير من حقيقة النظام، ومع ذلك لا يمكن أيضًا الوثوق بهم للوصول إلى المراحل النهائية، وذلك لأن المستعمر قد يخشى أن ينقلبوا عليه متى وجدوا من يدفع أكثر.
ثم المحور، وهم الفئة الأضيق والأكثر إخلاصًا لخدمة النظام، وهم يعلمون حقيقته تمامًا، لكن لهم دوافع أخرى لحمايته والانخراط فيه بجانب المكاسب المادية والنفوذ الأوسع الذي يتمتعون به فعلاً، وغالبًا ما يكونون في حالة ميل للقمع الشديد نظرًا لمعرفتهم أنهم محور المؤامرة، وبالتالي فهم محور الانتقام أو المقاومة، ويتفشى بين هؤلاء الخوف من بعضهم البعض لاعتقاد كل منهم أنه قد يكون قربانًا لتهدئة الرأي العام، أو أن يُستبدل بشخصيات جديدة تخدع الرأي العام متى انكشف جزء من أمرهم.
ويتم استغلال حالة الفساد في المجتمع- والتي تتم صناعتها باعتناء من أجل شغل الشعب في ذاته- في صناعة أعداد هائلة من قاعدة النظام الجديد، هؤلاء الذين يضطرهم سوء الظروف المادية أو الاجتماعية للتغاضي عن الفساد وأحيانًا اعتباره الملجأ الوحيد للبقاء على قيد الحياة.
ومن خلال هؤلاء الموظفين الصغار الذين اضطرتهم ظروفهم للتكيف مع الفساد، تغرس نبتة كبار العملاء، ويسمح لهم بالتجذر في الجهاز الإداري للدولة، من ثم تصعيد صفوتهم المختارين والأكثر ولاءً للمستعمر من الصفر حتى القمة. لذلك يمكننا اعتبار أن الفساد الصغير ينجم عنه خيانة كبيرة، وأن النظم الفاسدة هي بلا شك من تطرح ثمارًا رعاها ويقطفها الأعداء.
التبعية لا تنمو إلا في الأرض البور.
سيد أمين يكتب: سقوط نظرية القوة المفرطة أمام تحديات القصاص
فشل النظرية الميكافيللية
جرح نازف.. تذكار دائم
سيد أمين يكتب: تحويل الرصاص إلى ذهب! الأمنيات والحقائق
منذ أشهر، أعلنت منظمة "سيرن" الأوروبية عن تمكن علماء تابعين لها من تحويل الرصاص إلى ذهب عبر عملية علمية معقدة، تم خلالها إزالة ثلاثة بروتونات من نواة الرصاص عبر جهاز مهم للغاية يعرف باسم "مصادم الهدرونات".
الدراما الإيرانية.. للأسرة والمجتمع - سيد أمين
حينما تملكتني عقدة الكومباوندات - سيد أمين
-
نق لا عن عربي 21 هناك حكمة وراء كل شر حتى لو كانت إبادة جماعية لشعب أعزل في غزة؛ الحكمة أن إسرائيل لو اكتفت بما قضمته من فلسطين التاريخية عا...
-
المصدر: الجزيرة مباشر https://ajm.news/grh97r او على مدونتي الاحتياطية
-
السبت 14 يوليو 2018 انبهر مرافقي حينما شاهد يافطات "لافتات" كتب عليها "النصر لصناعة السيارات" موضوعة على مساحة ك...

