سيد أمين يكتب : أنات من دفتر الوجع الوطنى
هل يدخل السيسي موسوعة جينيس القياسية؟ بقلم سيد أمين
سيد أمين يقدم :مظلمة الى القاضى العادل
أمريكا المكيافللية - دراسة تطبيقية- سيد أمين
أمريكا المكيافيللية
- دراسة تطبيقية –
سيد أمين
دار الأمل للطباعة والنشر
9 شارع عماد الدين- القاهرة
طباعة عام 2004
****
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
****
في هذه الدراسة نقدم رصدا سريعا لبعض السياسات الأمريكية في منطقة
الشرق الأوسط وعمق انتهازيتها السياسية وارتباطها الوثيق بالأفكار التي طرحها
المفكر الايطالي الأشهر نيقولا مكيافيللي في كتابه العابر لحدود الجغرافيا والزمان
"الأمير".
الكتاب محاولة جادة لفهم السياسات
الأمريكية وسلوكها النفعي الانتهازي بما يمكننا تفهم بل وتوقع ما سنؤول إليه سياستها المستقبلية
وذلك إيمانا بأن دراسة التاريخ هي دراسة مكثفة للمستقبل
المؤلف
أمريكا الميكافيلية
دراسة تطبيقية
سيد أمين
لم يدر بخلد نيقولا مكيافيللي (فلورنسا 1469 ــ 1527) أن كتابه «الأمير» الذي انتهى من كتابته قبيل وفاته بأربعة عشر سنة في 1513 ميلادية سيصبح مرجعاً سياسياً مهماً لكل حكومات الدنيا عقب الثورة الصناعية العالمية.
بل إنه لم يخيل له أن يصير كتابه صغير الحجم مباشر المعنى أعظم كتاب تحدث في فلسفة الحكم السياسية، بل إنه الدعامة الأولى لفلسفة التاريخ بإجماع المحللين.
وكما جاء في مقدمة الكتاب بقلم كريستيان غاوس، صار هذا الكتاب سوءة لكاتبه في حياته وبعد مماته.
فقد عاش مكيافيللي فقيراً جائعاً أواخر حياته نتيجة غضبة الحاكم عليه، رغم أنه سليل أسرة دبلوماسية، وكان شخصاً وديعاً رقيق المشاعر دافق الأحاسيس متوقد الذهن، عاشقاً لم يولد في الدنيا كلها عاشقاً مثله.
إنه عاشق إيطاليا الموحدة، وليست تلك الدولة المقسمة إلى إمارات وتيجان كثيرة لا همّ لها أو لأمرائها سوى تثبيت عرشهم بدم الإيطاليين، كان نموذجاً قومياً يحتذى به، والدولة القومية التي يطمح إليها مكيافيللي هي نفسها التي اعتبرها هيجل غاية ونهاية للتطور التاريخي وقال عنها: (ليس لشعب من الشعوب أن يتحرك إلا داخل نطاقها، وليس له أن يحاول تحقيق مصالحه إلا عن طريقها) «1».
لقد أثر في نفس ميكافيللي أن يرى بلاد الرومان العريقة على هذا النحو من التفكك والانهيار، لا لشيء سوى لإرضاء نزوات الأمراء المتصارعين والدماء الإيطالية المراقة واحدة.
فكتب نصائحه وأفكاره مستشفاً فهمه لحركة التاريخ وطبائع النفس البشرية وملاحظاته الجغرافية والإدارية، وضمنها جميعاً في كتابه الأمير مبتغياً في تلك الكتابات وصف الأمير الذي تبتغيه وحدة إيطاليا.
لقد كان مكيافيللي شديد الكراهية للظلم عميق الأخلاق، وهو ما يتضح من قراءة مسرحيته العجيبة الضاحكة «تفاح الجن»، وكان متديناً، كان متديناً شديد التدين!!
و«لعل تدينه وقوميته جعلاه عرضة طيلة الخمسة قرون الماضية لسهام القبح والتضليل» «2».
إذ أن المستعمر عادة ما يدعو للتدويل والعولمة، والعولمة هي الحجة الخادعة البراقة لتذويب القوميات وفرض ثقافته عليها بوصفها ثقافة العالم المتمدين، العارف ببواطن الأمر وما أمامها أيضاً.
و(حتى على المستوى الاقتصادي فالاقتصاد القومي للبلدان النامية هو الآن خاضع فعلاً لعمليات تدويل مفروضة عليه فرضاً من الخارج، ولا تراعي مصالح هذه البلدان، لأن من يهيمن ويسيطر على آليات التدويل وعلى تشغيله سيهيمن على الاقتصاد العالمي، وإذا كانت المراكز الرأسمالية قد شيدت شركاتها العملاقة لتتجاوز حدودها القومية ولتنظيم تدويل العمليات الاقتصادية، ثم لتأكيد هيمنتها على هذا التدويل وعلى التقسيم الدولي للعمل بكل تكويناته الاقتصادية والاجتماعية) «3».
وربما كانت قومية وتدين مكيافيللي هما سبب الهجوم الظاهري ــ على نحو ما سنبينه فيما بعد ــ عليه من قبل قوى الاستعمار، حيث أن الأوروبيين لم يعتبروا غير الأوروبيين كائنات إنسانية مثلهم على حد تعبير نقد باسبرز للاستعمار الأوروبي الذي أضاف أن الغرب ينظر على أن المسيحيين هم وحدهم لهم حق الحياة والبشر، أما عداهم فهم متوحشون «4».
وكانت قومية مكيافيللي في حد ذاتها هدفاً نبيلاً، إلا أن الساسة فيما بعد استخدموا تلك النصائح للاعتداء على القوميات الأخرى، ولعل بيان هذه النقطة هو السبب الرئيسي لهذه الدراسة، فلسنا بصدد الدفاع عن شخص مكيافيللي هنا، ولكن بما أتيح لنا من رصد مواقف سياسية دولية واضحة خاصة لدول كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل وروسيا، سنتناول تطبيقاتها لنصائح مكيافيللي الواردة في كتابه «الأمير» الذي يحتوي على ستة وعشرين باباً، محاولين بذلك استشفاف مدى التطابق أو التطبيق بين سياسة تلك الدول على أرض الواقع وبين نصائح مكيافيللي بين سطور كتابه مع اعتبارنا لكل ما تقدم مجرد مقدمة.
(1) أنواع الحكم المختلفة ووسائل إقامتها
تناول مكيافيللي في هذا الباب ويقول: (والممتلكات التي اكتسبت بهذه الطريقة -أي بالضم- إما أنها قد ألفت حكم أمير آخر فيما سبق، أو كانت ولايات حرة يلحقها الأمير بممتلكاته، إما بقوة أسلحته هو، أو بقوة أسلحة غيره، أو يسقطها في يده حسن الطالع أو قدرة خاصة).
ويقول برنارد شو: «مشكلة أمريكا أنها البلد الوحيد في التاريخ الذي انتقل من البربرية إلى الانحلال دون أن يمر بعصر الحضارة»، فمن حسن الطالع بالنسبة لأمريكا في طريق استوحاشها وقيادتها العرجاء للعالم هي وراثتها للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس عقب حسمها للحرب العالمية الثانية، حيث أن بريطانيا كانت قد أرادت رفع يدها عن المستعمرات التي تتبعها في العالم والاكتفاء بما نهبته من ثرواتها وما خلفته فيها من قيمها وثقافتها ونخبتها، الذين هم من بني جنس هذه المستعمرات التي سلمتها مقاليد الحكم. بعد ذلك تنازلت بريطانيا طواعية عن مستعمراتها إلى مستعمرتها الابن (أمريكا)، وذلك لأن أمريكا التي نالت الاستقلال عام 1783 ميلادية عن بريطانيا ما هي سوى بريطانيين خصوصاً وأوروبيين عموماً جنساً وثقافة، ما عدا بعض من الزنوج الذين جلبوا في أساور حديدية من أفريقيا لخدمة البيض.
وهذا التنازل الطوعي البريطاني لصالح أمريكا هو ما يمكن أن نسميه «حسن الطالع»، وكان قد سبقه نمو الاقتصاد الأمريكي بشكل مذهل بسبب أحداث الحرب العالمية الأولى، ولقد توافرت لدى الولايات المتحدة بالإضافة لحسن الطالع «القدرة الخاصة»، وذلك لأن الشعب الأمريكي هو مزيج من كل مغامري أوروبا أو المارقين فيها على وجه أدق، بالإضافة إلى توافر المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية والجبلية مما ميزها بالتنوع والوفرة في المحاصيل والمعادن، بالإضافة لقلة عدد السكان وتوافر الأيدي الأفريقية العاملة الرخيصة.
كل ذلك من قدرات خاصة جعل أمر الإبداع والابتكار يسيراً، خاصة مع تنامي ظاهرة هروب العقول المحاصرة في القارات القديمة بالنظم السياسية والاجتماعية المتخلفة أو المقيدة.
ولما توافرت القدرات الخاصة مع حسن الطالع، استطاعت أمريكا أن تصبح إحدى القوى الكبرى، بل إنها القوة الوحيدة في العالم.
تقول مادلين أولبرايت وزير خارجية أمريكا سابقاً تصف استعدادات أمريكا الحالية: (إنني أمثل أمريكا صاحبة المسؤوليات العالمية والأمة المستعدة لفعل كل شيء وقتما تريد، وليعلم الجميع أننا نفعل ما نريد وبغير ما نريد لا تقف في طريقنا عقبة واحدة لأن العالم لنا، العالم لأمريكا) «5».
ومما يعزز قولنا من وراثة الولايات المتحدة للاستعمار القديم خاصة البريطاني منه، ما قاله ج. هالكر وفرجسون في كتابهما المشترك "ثورات أمريكا اللاتينية" حيث قالا: «ومع بروز وتعاظم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية مع بداية القرن العشرين، حل الاستغلال الأمريكي محل الشكل الأوروبي التقليدي القديم للاستعمار، وأصبح الوجه الأمريكي للاستغلال بديلاً عن الوجه الأوروبي».
وكما يقول رضا هلال في دراسته "المسيح الأمريكي الصهيوني" أن المسيحية التي يدين معظم سكان الولايات المتحدة بها اصطبغت باليهودية، فالمهاجرون الأوائل كانوا من البروتستانت الذين حملوا إلى العالم المتهود بتأثير حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر في القرن الـ16 ورؤوسهم محشوة برؤية توراتية لدرجة جعلتهم يطلقون على أمريكا في البداية أرض الميعاد وإسرائيل الجديدة.
ونقصد من ذلك إيجاد الشبه لرؤية التكامل بين إسرائيل وأمريكا من ناحية، كما قصدنا من قبل إظهار رؤية وراثة أمريكا لبريطانيا، حيث أن ما يزيد على ثلاثة أرباع المستعمرين البيض كانوا في عهد الثورة الأمريكية من ذوي الدم البريطاني «6»، (على أن قلة من المستعمرين ظلوا حتى عشية الثورة لا يفطنون إلى أن شخصية أمريكية كانت في تطور ونمو، وكانوا يرون أنفسهم رعايا بريطانيين ذوي ولاء أولاً لها، ثم فيرجينيين أو نيويوركيين أو أبناء رود آيلاند.
وفي هذا كتب مؤلف «قلوب بلوط فرجينيا» سنة 1766 يقول: بالرغم من أننا نستمتع بالأطايب ونسمن على أرض أمريكا، فإننا ننتمي إلى جزيرة بريطانيا الجميلة كرعايا، ومن الذي يبلغ به السخف أن ينكر علينا هذا وثمة بريطاني أصيل في كل عرق من عروقنا) «7».
(2) في الإمارة الوراثية
يقول نيقولا مكيافيللي أن الصعوبة في المحافظة على الدول الوراثية التي ألفت حكم أسرة حاكمة أقل بكثير منها من حكم الملكيات الجديدة، لأنه يكفي ألا نتجاوز أوضاع السلف وأن نتهيأ للطوارئ المقبلة.
ومجازاً، لو أسقطنا من الولايات المتحدة صفة الجمهورية واعتبرناها ملكية لقلنا إن المستعمرات البريطانية السابقة ما هي إلا حلفاء لها، وبالتالي أحلاف أمريكية حتى عقب الاستقلال (فحين انسلخت هذه البلدان عن النظام الاستعماري القديم تشكلت علاقات جديدة بينها وبين المراكز الإمبريالية عرفت بالاستعمار الجديد، وتمت صياغتها على أساس التخلف ــ الهيمنة، واستمر التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ضارباً جذوره في هذه البلدان المستقلة) «8».
ولو كان هذا الاستقلال فاقداً أيضاً القدرة على الفعل السياسي.
وباقتراحنا السابق باعتبار الولايات المتحدة مملكة وليست جمهورية هو اقتراح ظني نابع مما هو معروف من سيطرة الاقتصاد الصهيوني على كافة مجالات الحياة الأمريكية مؤثراً في ذلك على صناعة القرار، للدرجة التي جعلت «ليسي أسبن» وزير الدفاع الأمريكي السابق يقول: (إن إسرائيل تواجه تهديدات أمنية جديدة من السكين إلى الصاروخ، وأن الرئيس بيل كلينتون تعهد لرئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين بالعمل لمواجهة هذه المخاطر، وكلفه تدعيم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين) «9».
ويلاحظ لفظ «تعهد» وما يعنيه من علاقة الولاء، بل أحد الصحفيين الأمريكان سأل عضواً بالكنيست الإسرائيلي عن قرارها بضم الجولان إليها وهل ستتعرض لمشاكل مع الولايات المتحدة، فقال له: «الدول الأخرى لا تستطيع تجاهل الولايات المتحدة والنفوذ الأمريكي الهائل وهو عنصر في كل قضية دولية، لكن ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تحقق في الشرق الأوسط إذا كان الزعماء الإسرائيليون يدركون أنهم يستطيعون تهديد المصالح الأمريكية دون خوف من الزعماء الأمريكيين؟) «10».
وتقول صحيفة الرفيق السويسرية: (طالما أن إسرائيل تتبع سياسة الاحتلال في قلب الوطن العربي فالحرب مستمرة، ولأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأداة التي يمارس يهوذا بها بطشه فإنه يحتمل أن يهدد كل شعوب العالم حريق عالمي، إن مؤسسة القهر في ولايات إسرائيل المتحدة لا ترغب في السلام) «11».
ومع اعتبار أمريكا ملكية، ومع اعتبارها وريثاً للملك البريطاني، ومع اكتشافنا مدى التأثير اليهودي عليها، نستطيع بذلك فهم مدى سيطرة إسرائيل على أمريكا وبريطانيا معاً، وفهم أن هذه القدرة الصهيونية السرية والعلنية أيضاً الضاغطة في الولايات المتحدة تكاد تشكل ملكاً حقيقياً خفياً يدير أمريكا عبر الريموت كونترول من جهاز الموساد الإسرائيلي بتل أبيب، ومع إيماننا بأن هناك حكومة خفية تدير أمريكا نكون قد وصلنا إلى لب ما نحن بصدده من أحقية وراثة الملك في أمريكا للملك في بريطانيا متمتعاً بكل حقوقها الاستعمارية.
وما أردنا التوضيح له في هذا الباب هو أنه لولا التركة البريطانية من السياسات والمستعمرات والأحلاف ما كان للولايات المتحدة الأمريكية سلطانها الذي وصلت إليه.
وعذراً لنزق التشبيه بين النظام الجمهوري في أمريكا وبين الملكية، لكن ذلك جاء لكي تكتمل الصورة المتقاربة بين نماذج مكيافيللي في كتابه الأمير وبين أمريكا محل الحديث هنا، وربما أشارت كثير من الدراسات إلى تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية والإعلامية الأمريكية في يد نخبة تعد على الأصابع طبعاً هم اليهود، وهو ما دفعنا لخلق هذا التشبيه.
(3) في الإمارة المختلطة
تحت هذا العنوان كتب مكيافيللي: «ولكن حين نستولي على ممتلكات في منطقة تختلف معنا في اللغة والقوانين والعادات، فإن الصعوبات التي لابد من التغلب عليها عظيمة».
ثم أشار إلى مزايا إقامة الأمير في الأرض الجديدة، ولما تعذر تطبيق ذلك على مستعمرات عصرنا فقد أخذوا بالوسيلة الثانية والتي يبقى فيها الأمير بداخل إمارته الأم مع الاحتفاظ بمستعمرات رمزية في الإمارة الجديدة ــ المستعمرة ــ وفي ذلك يقول مكيافيللي: «والعلاج الآخر وأحسن العلاجين هو إقامة مستعمرات في مكان أو مكانين من تلك الأمكنة التي هي مفاتيح البلاد، لأنه لابد من أحد أمرين: إما أن تفعل ذلك أو تحتفظ بقوة كبيرة مسلحة، وهو بذلك لا يضر سوى أولئك الذين قد أخذت منهم أراضيهم ومنازلهم».
ويكاد مكيافيللي يشير إلى أسلوب الدعاية بالترهيب وهو يتحدث عن أن من لم تؤخذ أرضه منه لإقامة مستعمرة عليها سيحتفظ بالولاء له، أي للأمير، والخوف من أن تؤخذ منه أرضه مثلهم.
وأسلوب الترهيب أسلوب قديم معتمداً على الدعاية، برع في استعماله الأمويون في مطلع العصر الإسلامي وقبل ظهور مكيافيللي بألف سنة، وكان الهدف الرئيسي للأمويين من سياسة التهديد والعنف هذه هو إلقاء الرعب في قلوب المعارضة حتى لا تفكر في الخروج عليهم «12».
كما طبقه جوبلز وزير الدعاية في ألمانيا النازية في العصر الحديث: «وقد أدى الخوف والرعب اللذان انتشرا من الفوهرر الألماني إلى تدفق اللاجئين إلى الشوارع في فرنسا وعرقلوا بذلك حركة الحلفاء ومعداتهم العسكرية وعجلوا بهزيمة فرنسا» «13».
أما عن التطبيقات الأمريكية والإسرائيلية محل الدراسة، فأسلوب الترهيب قد يكون العامل المميز لها.
ففي حرب الخليج الثانية بين العراق وبين الولايات المتحدة الأمريكية بشأن المسألة الكويتية، استخدمت الولايات المتحدة الترهيب عدة مرات، فقد بدا قائد القوات المشتركة (التحالف الأوروبي والخليجي) نورمان شوارزكوف واثقاً وهو يقول للصحفيين: «نحن نقترب من الحرب مع دولة من العالم الثالث، ولكننا نضع خططاً وكأنها ستكون الحرب العالمية الثالثة»، وكذلك ما فعلته باليابان عام 1945 من توجيه ضربة نووية قاصمة لها جعلت العالم كله يشعر بالرعب منها. أما إسرائيل فهناك خطر داهم يتهدد الأمة العربية بأسرها بسبب احتكار إسرائيل للسلاح النووي، وليس أدل على ذلك من إعلان زعماء إسرائيل ومنهم شيمون بيريز عام 1948 بأن «جميع العواصم العربية من مراكش إلى بغداد رهينة في يد إسرائيل»، ومن إعلان يؤوال نئمان الملقب بأبي "القنبلة النووية الإسرائيلية" بأن (إسرائيل تستطيع تدمير المنطقة العربية عدة مرات) «14».
إن الأمريكان اعتمدوا على أسلوب المستعمرات، وهي عبارة عن قوات خاصة تنتشر معسكراتها في تلك البلدان بحجة حمايتها من خطر وهمي، ولكنها في الحقيقة هي مستعمرات حاكمة لتلك الإمارات، وربما برضاء خاص من حكام تلك الإمارات، وذلك لأسباب نوجزها في نص أورده ميكافيللي عند اقترابنا من شروح الباب الخامس.
ومن مزايا إنشاء معسكرات تحتل أجزاء من المستعمرة عن نشر قوات فيها، أي نشر قوات ضخمة في كل أراضيتها، وكما هو الحال في الخليج الآن حيث توجد معسكرات أمريكية ولكن لا يوجد احتلال، وذلك لأن احتلال مساحة من الأرض لإقامة معسكر أقل ضرراً للسكان المحليين من نشر قوة ضخمة، كما أن القوة الضخمة ستمارس أعمال سلب ونهب لصالحها الشخصي مما قد يحرض السكان على الثورة ضد الاحتلال فيتم إلحاق الضرر بالأمير وحده.
كما أن المستعمرات تأخذ أراضي قلة، بينما الأكثرية الذين لم تؤخذ أرضهم سيصيبهم الرعب من مصادرة أراضيهم إذا تمردوا فيقوموا بتوخي الحرص والسلامة، وربما تأميناً لذلك يقومون بالتقرب إلى الأمير ويغدقون عليه العطايا.
وعلى أي متابع أن يلاحظ كيف تتصرف أمريكا في الخليج، فسيجد ثمة تشابهاً في أفكار مكيافيللي وتطبيقات أمريكا لدرجة أن السعودية والكويت ـ حكامهما ـ يدفعان لأمريكا.
ويقول مكيافيللي: (ولذا فإن إهانتنا لإنسان لابد أن تكون إهانة تعنينا عن أن نخشى انتقامه)، وهو هنا يريد أن يقول التنكيل بالخصم، ويقول في موضع آخر: (ينبغي لحاكم إقليم أجنبي، أي مستعمرة لا يتفق معها في لغة أو جنس، أن يتزعم جيرانه، أي جيران هذه الإمارة المستعمرة الضعفاء ويدافع عنهم، وأن يعمل على إضعاف جيرانه الأقوياء، وأن يحذر من أن يغزوهم جار أقوى منه)، ويقول: «وليس عليه سوى أن يحترس من أن ينالوا سلطاناً مفرطاً وقوة»، ويقول: «ويظل هو فيصل تلك المنطقة في جميع الأمور»، ويقول أيضاً: «أن كل من يكون سبباً لأن يصبح غيره قوياً يهلك هو نفسه».
والمتتبع يجد أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر الدول في العالم الاستعماري اتبعت أسلوب التنكيل بشكل مفرط، نكلت باليابان قتلت مائتي ألف نسمة في ساعة واحدة، قتلت فيتناميين ومليون ونصف المليون عراقي عبر سياسة التجويع والحصار والقتل المباشر، رغم أن الجرم لم يكن بحجم العقاب، وكأنها تقول يجب إعادة العراق إلى العصر الحجري لأنها تجرأت بالخروج عن الجيتو المفروض على المنطقة العربية، نفس ما فعلته بريطانيا وإسرائيل وفرنسا تجاه مصر في عصر عبد الناصر، فأمريكا خاصة والغرب عامة لا يعادي شخصيات بقدر ما يعادي السياسات المتمردة على طاعته.
كما أن الولايات المتحدة الأمريكية بعدما تأكد لها تأمين وجودها وسيطرتها على مقاليد الأمور في الخليج، وبعدما دمرت قدرة العراق العسكرية وتيقنت من ضعف ليبيا وسوريا، وبعدما أيضاً حيدت مصر، ترأى لها بعد ذلك أن ثمة قوة إيرانية يجب تدميرها، ولا أدل على ذلك التوجه من قول وليام بيري وزير الدفاع الأمريكي الأسبق: (علينا أن نبقى مستعدين لمواجهة التهديدات التقليدية من جانب إيران والعراق، تلك الدول التي تملك الجيش الأول في المنطقة)، وقول الصهيوني باريف: (أن نبوخذ نصر ـ ملك بابل ـ قد حارب اليهود الإيرانيين قبل ثلاثة آلاف سنة وأخذهم أسرى، ومن مصلحتنا أن نحارب العدو المشترك ـ العرب) «16».
وقول هارون ياريف مسؤول المخابرات العسكرية الإسرائيلية ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة تل أبيب: (لابد أن نعد إيران عضواً في التحالف العربي الإسلامي ضدنا)، ورغم أن الولايات المتحدة هي التي دمرت العراق فإنها ذاتها تحميها من أي غزو إيراني أو تركي أو حتى إسرائيلي، فأمريكا تريد جيراناً ضعفاء لمستعمراتها، وغزو أية دولة للعراق سيزيد من قوتها. وبخصوص إسرائيل فهي لا تريد التصادم مع أية دعوة للجهاد في العالم الإسلامي، لأن احتلالها للخليج احتلالاً مقنعاً عبر أمراء خلفاء لها، أما غزو إسرائيل للعراق فهو مكشوف وفاضح ومستفز.
حتى الدول التي تستعمرها أمريكا في الخليج تعاني من الضعف العسكري المخطط من قبل الإدارة السياسية للولايات المتحدة، فهي تسلح هذه الدول بأسلحة تقليدية مراعية التفوق الإسرائيلي الواجب، وإن كانت تريد حماية هذه البلدان حقاً لقامت بتسليحها نووياً.
وهي بذلك تعمل بالحكمة المكيافيلية القائلة: (من كان سبباً في قوة غيره هلك)، أما فيما يخص تبنيها لإسرائيل فهو نابع من رؤية دينية توراتية: تقول الباحثة الأمريكية «جريس هالسيل» إن الأصولية الإنجيلية والمسيحية اليهودية مستعدة بل راغبة بكل قواها في إشعال حرب نووية بشأن إسرائيل. ولا يفوتنا أن نذكر أن المهاجرين البيوريتانيين من أصحاب مذهب «جون كالفن» المتأثر بمرشد نيرون الروحي والذي يدعى «سنيكا» الذي تبنى نظرية إبادة السكان الأصليين في فتواه، وأن نذكر أن معظمهم من أنصار وأتباع هذا المذهب، فارين من ملوك إنجلترا الكاثوليك، ولا يفوتنا أيضاً أن نذكر تأكيد «هنتنجتون» في أعماله العديدة على أن الأمريكيين هم العرق البشري الأرقى بيولوجياً، وبرر ــ بوقاحة ــ عمليات إبادة الهنود الحمر تحت نظرية (الإزاحة الطبيعية للعنصر البشري غير الراقي من قبل الأنجلوساكسون الحيويين)، لقد أبيدت 400 ثقافة مختلفة في أمريكا راح ضحيتها 12 مليون نسمة في أوسع عملية إبادة منظمة في التاريخ.
(4) لماذا لم تثر مملكة داريوس وقد احتلها الإسكندر على خلفائه عقب وفاته
كتب نيقولا مكيافيللي تحت هذا العنوان يقول: (الممالك التي عرفها التاريخ قد حكمت بطريقتين: إما حكمها أمير وأتباعه يساعدونه في حكم المملكة كوزراء بفضله وإجازة منه، أو حكمها أمير ونبلاء يتبوءون مراكزهم بدون مساعدة من الأمير، ولكن لقدمهم، ولمثل هؤلاء النبلاء ولايات ومواطنون لهم خاصة يعترفون بهم سادة عليهم بطبيعة الحال، وللأمير في تلك الولايات التي يحكمها أمير وأتباعه سلطان أكبر من سلطان الأمير الثاني، لأنه لا يوجد فوقه سواه).
مما لاشك فيه أن غياب العمل الحزبي يعد دليلاً قاطعاً على مركزية السلطة وعدم تداولها، وذلك لأن الحزب وكما عرفه كلسن (عبارة عن تلك المنظمات التي تجمع بين رجال ذوي رأي واحد لتضمن لها تأثيراً حقيقياً وفعالاً في إدارة الشؤون العامة) «17».
وربما تشهد الساحة العربية مركزية الحزب الواحد، أي أن هناك أحزاباً ولكن لا توجد أفكار ولا شخصيات ولا منافسة جدية.
وأردنا أن نخوض تعريفنا للحزب لنثبت أن سبب دوام الأنظمة العربية ــ بخلاف النظر عن ماهية أفكارها سوءاً وجدة ــ هي أنها من ناحية يحكمها عادة حزب واحد ولا تداول في السلطة بين الأحزاب، بل إن الحزب الحاكم في أي دولة لا يوجد تداول في قياداته، الرئيس يظل دائماً رئيساً وهو أيضاً بالطبع أعلى سلطة في الدولة، بينما ما عداه في الحزب يمكن تغييره وثمة تشابه في هذا الشكل وبين ما طرحته نظرية مكيافيللي حيث يوجد أمير وأتباع وليس أميراً ونبلاء، بل إن الرئيس ــ الأمير ــ يعتبر وجود نبلاء في دولته مراكز للقوى ويسارع بتصفيتهم جسدياً أو يعتمد على أسلوب تجريحهم وتنفير الناس منهم والحط من شأنهم.
وخطورة هذا الأسلوب رغم أنه يعطي الحرية المطلقة للحاكم هو أنه يكون خطراً على المملكة أو الدولة لغياب الصف الثاني، فالعدو لو أراد دحر هذه الدولة فعليه بأن يتوجه رأساً نحو أعلى السلطات أميراً أو رئيساً، لو أسقطه يستطيع بسهولة تحقيق مآربه.
تماماً كما فعل الضباط الأحرار حينما توجهوا للملك فاروق رأساً فلما استطاعوا الوصول إليه أعلنوا نجاح الثورة في مصر، لأن الملك بلا صف ثاني.
أما في لبنان فلم تنجح كثير من المؤامرات ضدها بسبب أن رئيس الدولة خلفه صف ثان متمثل في طائفيات وأحزاب قوية، رغم أن رئيس الدولة هناك محدود السلطات تنفيذياً.
وفي نموذج لبنان ذلك نفسر أسباب هزيمتها لإسرائيل التي جلت عن جنوبها مجبرة عام 2000.
حتى أمريكا نفسها ومنذ استقلالها لم يحكمها سوى حزبين يتبادلان السلطة فيها (الجمهوري ـ الديمقراطي)، وإن كان هذان الحزبان اليمينيان يتفقان في كل السياسات الخارجية إلا أن ثمة معالجات غير مهمة هي مصدر الخلاف بينهما، وهذان الحزبان يمثلان قوة المال والسلطة.
فهل خلت أمريكا من الأحزاب؟.
ولا يفوتني أن أكرر مقولة برناردشو: (أمريكا هي البلد الوحيد الذي انتقل من البربرية إلى الانحلال دون المرور بعصر الحضارة) «18»، صدقت.
كما أن النظام الرئاسي الأمريكي ومنذ عصر جورج واشنطن المؤسس الأول يعتمد على وجود رئيس للدولة وأتباع له، فجورج واشنطن استعان بهاملتون كقيادة عسكرية وجيفرسون كقيادة فكرية وفلسفية وكان لقبهما سكرتيري الرئيس، ولا مناص من استبدالهما وإن كانا هما من أشد المخلصين للدولة وللرئيس، حتى أنه لما حدث خلاف بين جورج واشنطن وهاملتون بسبب معركة مونماوث أثناء حرب التحرير الأمريكية لم يثر جورج واشنطن له عندما تم قتله في مبارزة بينه وبين آرون بير 1804، حتى أن جورج واشنطن لم يكن في الحكم وقتها لكنه كان قادراً على اتخاذ القرار بوصفه المؤسس للدولة.
(5) في طريقة حكم المدن والبلاد التي كانت تعيش قبل احتلالها في ظل قوانينها الوطنية
تحت هذا العنوان كتب مكيافيللي يقول: (وعندما تكون تلك الولايات التي قد استولينا عليها معتادة على الحياة الحرة في ظل قوانينها الخاصة فثمة ثلاث طرق للسيطرة عليها: إما أن يخربها الأمير، والثانية أن يذهب يعيش هناك بشخصه، والثالثة أن يجيز لها أن تعيش في ظل قوانينها الوطنية ويحصل منها على الجزية ويقيم في داخل البلاد حكومة من عدد قليل يحافظ عليها صديقة له، ولما كانت هذه الحكومة صنيعة الأمير فهي تعلم أنها لا تستطيع أن تبقى بدون صداقته أو حمايته).
وما أردنا الاسترسال والتوضيح فيه في الباب الثاني سنوضحه هنا.
فمكيافيللي يطرح ثلاثة أساليب لإخضاع المستعمرات الجديدة التي لا نتفق معها في لغة أو جنس، وهي: التخريب ــ نقل السلطة إليها ــ تتويج حكومة عميلة.
تخريب الدولة: وتاريخياً من أبشع النماذج التي قامت بسياسة تخريب المستعمرات هو نموذج التتار حتى يخضعوها بشكل حاسم للهيمنة.
أما حديثاً، فإن الولايات المتحدة الأمريكية اتبعت هذا الأسلوب في مواقع عدة، في اليابان التي ألقيت عليها قنبلتان ذريتان، مما جعل الحكومة اليابانية تسلم بالغزو الأمريكي دون قيد أو شرط إثر مقتل مائتي ألف ياباني في ساعة واحدة وتدمير جزيرتين بشكل كامل.
وكذلك في فيتنام حيث أغارت 600 طائرة حربية ولمدة 21 يوماً وبشكل متواصل ومكثف مع مساعدة بريطانية.
وفقدت فيها فيتنام 600 ألف قتيل، معظمهم من المدنيين. وفي العراق، ومع حد تعبير جيف سيمونز المفكر الأمريكي حيث يقول: «أحدث العرض الشامل للأسلحة المتطورة مجزرة جماعية لعدو ــ يقصد العراق ــ لا حول له ولا قوة عموماً، ووقع معظم القتلى بعد الوقت الذي كانت الدبلوماسية تستطيع فيه وضع نهاية للصراع تضمن تحرير الكويت، استعملت فيها قذائف اليورانيوم المنضب والنابالم والقنابل العنقودية ومتفجرات الهواء ذات النطاق النووي والقنابل التقليدية التي ألقت طائرات بي 52 كميات كبيرة منها، وأسقطت البحرية الأمريكية وحدها أكثر من 4400 قنبلة عنقودية، وألقت طائرات الجاكوار البريطانية الهجومية آلاف القنابل العنقودية من طراز بي الـ755 المصممة لتقطيع أوصال البشر» «19»، وكذلك إطلاق يد اللصوص لتخريب بغداد عقب احتلالهم لها 2003.
والمعروف أن القنبلة العنقودية الواحدة تنشطر إلى ألفي شظية عالية السرعة تمزق الشظية الفرد تمزيقاً.
وقد وصف مايكل كلير خبير أسلحة حرب 1991 المسماة بحرب الخليج بأنها حرب أخذت مستويات شبه نووية من التدمير بدون إثارة اشمئزاز الناس. حتى أن جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا أثناء الحرب أخبر طارق عزيز وزير خارجية العراق في 9 يناير 1991 بأن أمريكا «ستحول العراق إلى دولة متأخرة وضعيفة» «20».
وقد استعملت أمريكا مليون طلقة عيار 30 ملم واليورانيوم المنضب الذي تسبب في تلويث 300 طن متري بالإشعاع، مما خفض عمر العراقي الذكر إلى 20 سنة والأنثى 11 سنة!!
وتسبب في وفاة مليوني مواطن عراقي في أوسع حرب إبادة عقب الحروب التتارية.
أما عن نموذج إقامة الأمير بنفسه في المستعمرة، فهو نموذج واضح في سياسة إسرائيل وسعيها الدؤوب لتهويد القدس من ثم احتلالها ونقل الحكومة إليها، يقول تيودور هرتزل مفكر الصهيونية: «إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت ما أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل ما هو غير مقدس لدى اليهود فيها وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها القرون»، ويقول شلومو جورين حاخام الجيش الإسرائيلي: «إن حلم الأجيال اليهودية قد تحقق فالقدس لليهود ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية» «21».
ولا ننسى دأب إسرائيل من أجل نقل حكومتها إلى القدس واعتزام أمريكا نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس مما يعتبر اعترافاً أمريكياً لكون القدس عاصمة لإسرائيل.
والمعروف أن العاصمة هي مقر الحكومة وبالتالي الحاكم.
وأما النموذج الثالث وهو الخاص بتولية حكومات عميلة في المستعمرات فحدث ولا حرج، فلم يكد ينتصف القرن العشرون حتى قامت بريطانيا بالجلاء عن معظم المستعمرات وتولية نظم حكم عميلة لها في هذه البلدان.
في الخمسينيات جلت بريطانيا عن العراق ولكنها نصبت الحكم في عبد الكريم قاسم، وهو أحد حلفائها، ولذلك تصدى جمال عبد الناصر له حينما أراد غزو الكويت 1961، بوصف أن ضم الكويت للعراق هو زيادة لنفوذ المستعمر. وقد تكرر ذات الأمر بعد احتلالها للعراق وأفغانستان.
يقول كوامي نكروما: «وحقيقة الوضع أن معظم دولنا الأفريقية الجديدة تجد نفسها وقد ولدت من رحم الاستعمار مذعورة من عالم الفقر والجهل والمرض والافتقار إلى الموارد المالية والتقنية التي خلفها الاستعمار فترة، وفي قطع الشعرة الباقية التي تشدها إلى الأم الإمبريالية التي ولدتها» «22».
والواقع أن هناك نموذجاً عربياً بالغ الوضوح على هذه القاعدة الثالثة في نظرية مكيافيللي، فالشريف حسين الذي فر من هجمات آل سعود من منطقة الحجاز في أعقاب قيام الدولة السعودية الثالثة مطلع القرن العشرين، تلقته القوات البريطانية قرابة نهر الأردن وعرضت عليه عدم التعرض لليهود في فلسطين مقابل حمايته من هجمات آل سعود وإقامة حكم محدود له في منطقة شرق نهر الأردن، فوافق الشريف حسين وقدم لبريطانيا خدمات جليلة أثناء الحرب العالمية الأولى حتى ساعد الجنرال اللنبي في طرد العثمانيين من شبه الجزيرة العربية والشام 1916، بل إنه ساهم في قمع مظاهرات الفلسطينيين بعد صدور وعد بلفور 1917 طمعاً في أن يعطيه الإنجليز لقب أمير، وحدث له ذلك بعد الحرب. ولما توفي خلفه ابنه عبد الله الذي سار على نهج والده في دعم الإنجليز طمعاً في رفع درجته من أمير إلى ملك، وحدث له ذلك إثر مؤامرات مكشوفة ضد الفلسطينيين مما حدا بالفلسطينيين إلى الانتقام منه بعد تكفيره وقتله في الحرم القدسي عام 1951.
وخلفه ابنه طلال الذي لم يلبث أن توفي عام 1952، ويتولى ابنه الملك حسين الذي قاد مذبحة بشعة ضد الفلسطينيين فيما عرف بحادث أيلول الأسود 1970.
أما أمريكا، فقد وصل ولاء بعض الأمراء الذين تسبغ عليهم حمايتها أن قال علي المؤمن رئيس أركان القوات المسلحة الكويتية: «إن الكويت يستطيع الاعتماد على حزم أشقاء السلاح الغربيين وخصوصاً الأمريكيين»، بينما قال بندر بن سلطان سفير السعودية في واشنطن عنهم: «إن عائلة الصباح عائلة تجارة، وليست لهم هوية سياسية محددة، والكويت كلها أقرب إلى أن تكون شركة منها إلى أن تكون دولة» «23».
ولا أدل على وضوح النظرية الخاصة بالشق الثالث هو أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب حينما زار الكويت عقب الحرب تلقى هدايا ثمينة تزن عشرات الأطنان أو بحجم بناية كبيرة كما وصفها كاتب أمريكي.
نعم، الولايات المتحدة سواء أو بريطانيا لا يريدون سوى أتباع، يديرونهم بالريموت ويحصلون منهم على ما يشاءون.
إن الأمراء الذين جاءوا للحكم نتيجة تزكية مستعمرهم بالتأكيد مستعمرون، سيكونون دائماً في خدمة الاستعمارية الأم، وسيكونون مستعدين لحرق بلادهم، بل بلاد الدنيا مقابل عروشهم ليدوموا ويستمروا ويتحالفوا في ذلك مع من يحميهم حتى لو كان عدواً لشعبه هو نفسه.
(6) في الولايات التي قد اكتسبت بأسلحة الأمير الخاصة وقدراته
في هذا الباب الذي سماه مكيافيللي يقول: (وسوف يصنع المرء صنع الرماة العارفين الذين يصوبون إلى نقطة أعلى من تلك التي يرغبون في إصابتها عندما تكون بعيدة جداً، ويعرفون مدى إطلاقهم للسهم، لا لكي يصيبوا بسهمهم هذا الارتفاع، ولكن ليصيبوا بواسطته الهدف المرغوب فيه).
ويتحدث عن انتهاز أوضاع الشعب وتسخيرها لإقامة إمارة جديدة ويقول: (وهكذا كان من الضروري أن يجد موسى شعب إسرائيل عبيداً في مصر يضيمهم المصريون حتى يصبحوا على استعداد للسير خلفه لكي يتخلصوا من العبودية)، ويضيف: (وكان لابد من أن يجد قورش ـ ملك فارس ـ الفرس ساخطين على إمبراطورية الميديين، وأن يجدوا هؤلاء منحلين ومخنثين من جراء السلم الطويل). ويشرح ميكافيلي أن من ينشئ إمارة بصعوبة بالغة يؤمنها بسهولة والعكس صحيح أيضاً، ويشرح أن الأمير يجب أن يعتمد على قدراته الخاصة وقوته لتأمين حب الناس له حيث يقول: (ومن هنا لزم ترتيب الأمور بحيث يمكننا استخدام القوة لنكرههم على الإيمان بما ارتدوا عنه، ولو كان موسى وقورش وتيسيوس ورمولوس عزلاً لما استطاعوا أن يجعلوا غيرهم يراعون دساتيرهم أمداً طويلاً)، كما يدعو مكيافيللي الأمير إلى مهاجمة خصومه بحماس شديد في كل فرصة.
ويقرر حقيقة ثابتة بأن الناس لا يؤمنون بأي جديد إيماناً صادقاً حتى يجربوه، تعرف بريطانيا وأمريكا أنها لكي تصيب الهدف يجب أن توسع دائرة الاشتباه.
ولا ننسى تاريخياً أن أزمة الطاقة التي تفجرت ما بين عامي 1971 و 1973 كانت مجرد ذريعة أمريكية لم تكن مقصودة لذاتها، ولكن كانت (من أجل إعداد المواطن الأمريكي بوجه خاص والأوروبي الغربي بوجه عام إعداداً نفسياً لتقبل أية مخططات عدوانية ضد البلدان المنتجة للبترول وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتصفية حركات التحرر بهذه الحجة، والاستعانة بالأمم المتحدة ـ إذا لزم الأمر ـ في محاولة لتدويل البترول وتحويله من سلعة محلية إلى سلعة دولية استراتيجية بحيث تدخل الأمم المتحدة طرفاً بين المنتج والمستهلك، كما تستغل الولايات المتحدة الحاجة المتزايدة إلى الطاقة في أوروبا لفرض زعامتها وسيطرتها على القارة الأوروبية مع ربط منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول ربطاً وثيقاً بها) «24».
فلماذا «ثم تنفجر أزمة الطاقة فيما بين عامي 1971 ــ 1973 في أوروبا واليابان بالصورة المفاجئة والمدبرة التي تفجرت بها في الولايات المتحدة، برغم أن الولايات المتحدة دولة غنية بترولياً ولديها فائض تدفنه تحت الأرض، في حين أن بلدان أوروبا تستورده لحاجتها الماسة له» «25».
إذن، حينما أرادت الولايات المتحدة فرض سيطرتها على الخليج العربي قامت بإثارة أزمة عالمية أسمتها بالطاقة.
وليس ببعيد نفس الأسلوب الذي فعلته أمريكا بإثارة أزمة عالمية عن الإرهاب عام 2001 ليس إلا لكي تتخذها ذريعة إنسانية مهذبة وتحظى بدعم دولي بضرب كل الدول الإسلامية الخارجة عن الدوران في فلكها العالمي، مع القيام بتصفية الحركات الإسلامية تحت نفس المسمى وهو حرب الإرهاب، بل تصفية أية حركات للمقاومة ضد المصالح الغربية الإمبريالية.
ولا يفوتنا أن الحكومة الفرنسية حتى تستطيع أن تكسب معركتها ضد قوى التحرر في الجزائر ترأى لها أن ضرب مصر يساعدها كثيراً في كسب المعركة، بل إن رئيس وزرائها صرح عام 1956 وأثناء العدوان الثلاثي على مصر بأن «فرنسا تضرب مصر لكي تكسب الجزائر»، وذلك لأن مصر هي الدولة العاصمة الداعمة في قضايا التحرر لكل البلدان العربية والأفريقية.
أما فيما يخص قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتسخير الشعوب لتحقيق أهدافها، فهو يتضح من نموذجين: الأول داخلياً وهو تسخير شعبها نفسه كما حدث في أزمة الطاقة العالمية عامي 1971 ــ 1973، وخارجياً وهو الخاص بتسخير شعوب الدول المستعمرة ذاتها للوصول منها إلى دعم إضافي.
وذلك عن طريق نسبة كل سيء إلى هذه البلدان ونسبة كل حسن إليها.
ولا يخفى دور الإعلام وتأثيره كسلاح فتاك في يد الاستعمار العالمي الذي تتزعمه الولايات المتحدة بما تحتله من امتلاكها لـ 70% من أصول الطيف الإذاعي والتلفزيوني والمطبوع عالمياً.
«ولكن الأخطر والأقسى وطأة في العمل الإعلامي الاستعماري هو الوصول بأبناء البلدان النامية إلى كراهية بلدانهم، ومن ثم يمكن إيجاد المناخ الملائم للاستغلال أمام الاحتكارات العالمية، إن الصعوبات والأخطاء التي تقابل عملية التنمية تفرض مضايقات شتى لشباب هذه البلدان الذي يصاب بخيبة أمل كبيرة في قياداته السياسية، ويصاب بإرهاق نفسي ومادي من سوء الإدارة يومياً، ومن هذا الوضع يستغل الإعلام الاستعماري فرصة نادرة لتضخيم النقد والبعد تماماً عن ذكر الإيجابيات حتى يصل المواطن النامي بنفسه إلى كراهية وطنه» «26».
ولا يتوقف الأمر عند هذا المستوى، بل إنها تستغل الظروف الخاصة لبلدان تستعمرها بالفعل ضد بلدان تطمح في استعمارها.
فالذي يغذي الأكراد في شمال العراق بالسلاح هو أمريكا، بينما التي تآمرت للقبض على زعيمهم «عبد الله أوجلان» وسلمته لتركيا ليتم إعدامه هو الموساد والـ «سي.آي.إيه» كما كشفت التحقيقات وقتها.
وكما يقول وزير الدولة الأمريكي «وان كون» بشأن دعم تايوان في انفصالها عن الصين: (إذا كانت سياستنا تتشكل من آمال بالاحتفاظ بـ «تايوان» فإنها يجب أن تخفي بعناية رغبتها في فصل الجزيرة عن القارة الأم، وإذا تحتم علينا أن نتدخل عسكرياً فليكن ذلك بمساعدة الأمم المتحدة مع إظهار النية في أننا نساند الطلب الشرعي لـ «التايواني» للحصول على الحكم الذاتي) «27».
إن الولايات المتحدة تبرع عادة في استعمال التقنية الدعائية الخاصة باستثارة روح الكراهية والسخط لدى الجميع ومن الجميع وضد الجميع عداها.
إن الدعاية الأمريكية هي التي صورت لحكام الخليج العربي أن النظام البعثي في العراق ــ إن عاجلاً أو آجلاً ــ سوف يطيح بعروشهم، مما دفع هؤلاء الحكام للتضحية بكل غال ونفيس من أجل إزالة نظام بغداد حتى لو كان الثمن مليوني طفل وشهيد عراقي.
يقول «ماكي أوكين» في صحيفة «الجارديان» 16 ديسمبر 1995: (لأنني عرفت سوء ما فعلنا بالحرب والحقيقة والدم، إنها حكاية الأكاذيب في سبيل النصر، حكاية تسخيرنا نحن العاملين في وسائل الإعلام كما تساق الحمير لكي لا نرى سوى ما يريد عسكريو أمريكا وبريطانيا حرباً لطيفة، نظيفة، إنها حكاية الأكاذيب).
والدعاية الأمريكية التي صورت ذلك تساندها المخابرات الأمريكية والحليفة كانت في حقيقة الأمر تطمح لكسب أراض جديدة، وبكلفة خليجية!! ولا أدل أن الحصار المفروض على العراق قد أقره مجلس النواب الأمريكي طبقاً للائحة 4585 من اللائحة التشريعية بتاريخ 27/7/1990 ــ أي قبيل الغزو أصلاً الذي حدث في 2/8/1990.
ولا يتوقف مبدأ «التسخير» عند حد الأعداء، بل للأصدقاء، بل للشعب الأمريكي ذاته.
كتب الصحفي الأمريكي «جايمي روستون» تحت عنوان «مأساة واشنطن الرسمية»: (تتمسك بالأشياء الباطلة، وترمي جانباً العناصر الثابتة، تصرح بالإيمان ولكنها لا تؤمن) «28». وكما يقول الشاعر المكسيكي الكبير أوكتافيو باث: «لم تفتقد أمريكا أبداً للقوة، ولكنها دائماً تفتقد الحكمة والرحمة».
فأمريكا علمانية إذا أدان الأمر أمريكياً، وأمريكا دينية إذا خدم مصالحها، فريجان كان دوماً يردد ومنذ أن كان حاكماً لولاية كاليفورنيا: هل نحن الجيل الذي سيشهد هرمجدون نووية؟
وهرمجدون بالعبرية تعني السهل الذي يقع إلى الشرق من عكا في شمال فلسطين، وذكرت في نبوءة حزقيال في رؤيا يوحنا بأنها ستشهد نهاية الزمان وانتصار قوة الخير اليهودية على قوى الشر العربية، ويبنى بعدها هيكل سليمان المزعوم، وبداية الألفية السعيدة.
ويبدو أن كل قرارات ريجان كانت متأثرة بهذا التساؤل، حيث اختار عدداً من نشطاء الإنجيليين لمراكز مهمة في إدارته، بل إنهم كانوا سبباً قوياً في إحراز الفوز على منافسه جيمي كارتر في انتخابات الرئاسة عبر قوتهم التصويتية.
وتكونت في أمريكا عبر التاريخ عشرات الجمعيات التي تتبنى وجهة نظر الصهيو-مسيحية السابقة، منها «اللجنة الفلسطينية ـ الأمريكية» التي ضمت 260 عضواً من مجلس النواب والشيوخ، وكذلك «المجلس المسيحي ـ الفلسطيني» عام 1942، و«لجنة فلسطين المسيحية ـ الأمريكية»، ولجنة «الاتحاد الوطني للأصولية الإنجيلية» عام 1942 أيضاً.
وتلك الجمعيات وغيرها كانت مجرد واجهات لتهيئة الشعب الأمريكي لأي عدوان على العرب ــ أعداء الرب «29».
ويرجع مكيافيللي هزيمة قورش للميديين إلى تخنثهم جراء السلم الطويل، هو معناه أن حالة السلام الطويلة للشعوب تجعلها غير قادرة على الحرب، وهو الأمر ذاته الذي نرصده بسهولة من ذلك التدخل الأمريكي الصارخ في شؤون العالم.
يقول «جون كيلي» وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق: «لا حل إلا نشر الجثث الإقليمية في كل مكان في العالم حتى لا تتآكل الإمبراطورية الأمريكية بفعل الزمان، لتلحق بما سبقها من إمبراطوريات».
ويلاحظ لفظ «إمبراطورية» وكأنه يدعم فرضيتنا السابقة بشأن أمريكا.
ومن غرب العالم إلى شرقه نلحظ ميل الولايات المتحدة للعدوان ــبناءً على طلبك، تم تطبيق نفس الإجراءات بدقة؛ حيث جرى استبدال علامتي النقطتين المتتاليتين .. والفاصلة الأجنبية , بالفاصلة العربية ،. كما جرى ضبط تنسيق النص، وتعديل السنوات والتواريخ التي تعرضت للقلب الرقمي نتيجة النقل (مثل تحويل الأعوام المقلوبة كـ 1002 إلى 2001 أو 2002 سياقياً)، لتصبح القراءة سلسة ومنظمة مع الحفاظ الكامل على النص الأصلي ومضمونه:
________________________________________
ـ في العراق ـ في ليبيا ـ في السودان، في كل البلاد التي تحاربها إسرائيل، في صربيا ـ في نيكاراجوا ـ في اليابان ـ في فيتنام ـ في كوريا ـ في كولومبيا ـ في بنما، والكثير.
إنها نظرية «الوقاية بالهجوم» لكسب الأراضي الجديدة وبث الرعب في قلوب كل الناس.
ولعلها ولذات السبب، ولكي تكره الخصوم على السلم والإيمان بقدرتها النووية، فالولايات المتحدة الأمريكية حينما ألقت بقنبلتيها النوويتين على هيروشيما وناجازاكي في 6 و9 أغسطس عام 1945 كانت تهدف لتأكيد قاعدة مكيافيللي السابقة الخاصة بالتنكيل بالخصم وقاعدته الخاصة بإكراه الأعداء بالإذعان والحب، وهو ما نلاحظه الآن بعد مضي أكثر من نصف قرن، حيث تتميز اليابان بعلاقة حميمية مع أمريكا، وكأن إذعانها مكرهة عام 1945 تحول الآن إلى حب حقيقي!!
ويلاحظ مدى التعاون الذي أبداه رئيس وزراء اليابان عام 2001 تجاه ضربات 11 سبتمبر الذي هدم التوأم الأمريكي ـ برجي التجارة العالميين، حيث بدت اليابان كلها متعاطفة مع أمريكا والضربات اللاإنسانية التي تعرضت لها!!
وقصدت الولايات المتحدة من ضربتيها النوويتين لليابان التأكيد للعالم أن السلاح النووي الذي بحوزتها قادر على حسم أي معركة، حتى يرى هذا العالم ويجرب حجم المرارة التي يخلقها هذا السلاح الرادع الفتاك.
هنري ستيمسون وزير الحرب الأمريكي في عصري روزفلت وترومان، والذي أعطى أوامر إلقاء القنبلتين قال: «كانت القنبلة أكثر من سلاح تدميري قوي، إذ كان لها تأثير سيكولوجي شديد» (30).
والإشارة واضحة إلى أهمية تلك الضربة القوية في تأثيرها النفسي على الشعوب، سواء الياباني أو غيره.
ولعبة التأثير النفسي هي فن قديم يقوم على تكنيك دعائي هدفه الأساسي «تحطيم الخصم باستخدام كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وذلك للقضاء على التماسك الفكري لفهم الخصم ومعتقداته، ولإشاعة الرعب والخوف والبلبلة وبذر بذور الفرقة في إرادته وإكراهه على الاستسلام» (31).
واستخدمت إسرائيل ترسانتها النووية ــ ربما حتى الآن ــ لمجرد الردع السيكولوجي الذي يجعل العرب يقبلون بأي حلول تفرضها علينا، ناهيك عن كون تلك الحلول قد تحمل مزيداً من الغطرسة مثل الدعوات الإسرائيلية المتواترة «السلام مقابل السلام» وليس «الأرض مقابل السلام»، وهي الدعوة العربية المضادة والتي فقدت احترامها بسبب التفوق النووي الانفرادي لإسرائيل والتي أنتجت ما بين 80 ـ 200 قنبلة نووية، قال الأكاديمي الإسرائيلي شاي فيلدمان بأن 30 أو 40 واجبة منها عيار 20 أو 60 كيلو تكفي لإعادة 6 دول عربية كبرى إلى القرون الوسطى (32).
فالقدرة النووية الإسرائيلية كما يشير د. شلومو أهرونسون «هي التي جلبت السلام مع مصر وكبحت جماح سوريا والعراق» (33).
إن إسرائيل ـ استكمالاً لمنهج حليفتها أمريكا ـ تقوم بالترسانة النووية لاستخدامها كقوة إرهاب وقت السلم وقوة تدمير وقت الحرب، وبما يمكنها من إملائه من شروطها كاملة وإجبار العرب على القبول بها.
إن في الإصرار الإسرائيلي المتزايد على التطبيع مع البلدان العربية التي عقدت معها اتفاق سلام، مع التلويح بالتفوق النووي وإمكانية استخدامه، هو تعبير بشكل أو بآخر عن القاعدة المكيافيلية بإجبار العدو على الإيمان بك أو تخويفه حتى يحبك.. لكن كيف الحب؟!
في مؤتمر القمة العربي المنعقد في مارس 2001 بشأن الانتفاضة الفلسطينية، كشف العقيد معمر القذافي رئيس الجماهيرية العربية الليبية أثناء خطابه في الجلسة الختامية السرية، والتي تسرب منها الكثير للصحفيين، عن أن الحكومات العربية في معظمها تسعى لكسب ود إسرائيل، وأن الحج إلى تل أبيب أصبح سراً وعلانية لدى حكام العرب.
إن التفوق النووي الإسرائيلي أشاع شعوراً عربياً عاماً بالإحباط وأنه لا مفر من تقبل وضعية إسرائيل والإيمان بها والسعي لنيل رضاها، بل وحبها، وخاصة بعد خمسة حروب تقليدية معها لم يكسب منها العرب غير واحدة.
أننا نستطيع أن نقرر أن إسرائيل بسبب طول فترة صراعها العربي تطورت عسكرياً، والعرب بسبب سعيهم للسلام تأخروا.
أن السلم الطويل قد تسبب في التفوق التسليحي كماً ونوعاً لإسرائيل عن التسلح المصري، فرغم أن مصر عقدت سلاماً مع إسرائيل، لكن إسرائيل لم تعقد سلاماً إلا مع مصر في المنطقة العربية، وإن كان هو نفسه سلاماً مشكوكاً في جديته.
لقد آمنت روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وكل قوى الإمبريالية العالمية منذ بدء الخليقة بأن القوة هي أكبر تأمين للنفوذ، بل للأفكار، بل لإقناع الخصم بسحق أفكاره وقوته واستبدالها بالبدائل الجديدة.
إن الفاشية وكما يقول د. مصطفى النحاس: (هي نزعة قومية عدوانية تعمل على خلق أمة متحدة في عداء عدواني للعالم خارج حدودها معتمدة على القوة) (34).
والنازية ما كان لها إقناع حلفائها بأهمية نقاء العرق الآري لولا اطمئنان هؤلاء الحلفاء إلى قوة ألمانيا، وهو ما دفع إقليم رينانيا بالولاء للألمان، وكذلك المجر والنمسا والتشيك وعدة مدن ودويلات تنتمي إلى العرق الآري.
حتى الثورة البلشفية في روسيا الاتحادية ما كان لها أن تنتشر لولا استخدام القوة لنشر أفكارها، بل إن ستالين حينما تقدم لغزو أوروبا الشرقية استخدم القوة الشديدة لتأمين أفكاره، وظلت القوة هي الأداة المسيطرة على أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي حتى حدوث انهيار الاتحاد السوفيتي ـ القوة المركزية ـ فانهار باقي الحلف المسمى بحلف وارسو والذي يشكل كل دول أوروبا الشرقية.
وربما نعزي عدم قدرة الاتحاد السوفيتي على تأمين وجوده في هذه الدول إلى أن الاحتلال كان سريعاً دون تهيئة التربة فكرياً مسبقاً، ولذلك فالانهيار جاء سريعاً أيضاً، لم تكن مهيأة من قبل.
أن هناك قاعدة قضائية مهمة معروفة لدينا وهي أنه لا عدل بدون وجود قوة تحميه.
وثمة قاعدة عقلية أخرى أن من يبني بيتاً يستغرق في تخطيطه وتقوية أساساته سنين طويلة فإن هذا البيت لا يتهدم بسهولة، ولكن من يبني بيتاً في يوم ينهدم هذا البيت في أقل من يوم، إن الانتصارات الصهيونية البطيئة ضد العرب جعلتها أكثر ثباتاً كما لو كانت حقيقة لا يمكن إنكارها أو تغييرها، فقبل عام 1948 كان العرب يحاربون من أجل طرد الصهيونية من كافة الأراضي العربية نهائياً رافضين أية حلول وسط، ولكن عقب نكسة 1967 ـ بعد مرور 19 سنة من المناوشات والمعونات العسكرية لجانب إسرائيل من قبل أوروبا وأمريكا ـ صار العرب يناضلون من أجل جلاء إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وعقب 1973 صاروا يناضلون من أجل جلائها من سيناء والجولان، وفي عام 1978 صار العرب يناضلون من أجل جلاء إسرائيل من لبنان الجنوبي، وبعد مرور 50 سنة من الاحتلال تلخص كل نضال العرب في جلاء إسرائيل من القدس!! وربما يناضلون من أجل حي أو اثنين فيها!!
إن الانتصار الإسرائيلي البطيء مهد لها الوجود والبقاء، فهي عمدت إلى تأمين وجودها باحتلال أراض عربية كثيرة أكبر من الحجم الحقيقي المراد، إنها نظرية نقل المعارك لأراضي الخصم ـ أي إننا لكي نحقق الهدف المراد لابد من توسيع منطقة النزاع حتى توضع بؤرة الارتكاز في مأمن من أي انتصار أو هزيمة ـ وبؤرة الارتكاز هنا فلسطين، كل فلسطين. إن إسرائيل باحتلالها أراضي تزيد على الحجم المطلوب استلابه فهي تعمل بقاعدة مكيافيللي الخاصة بتوسيع منطقة الارتكاز، وتعمل أيضاً بمنطق القوة الغاشمة الذي يجعل الخصم يهرول مستسلماً عبر امتلاكها أسلحة الدمار الشامل، وأعطتنا رغبة نفسية صادقة في الاستكانة للسلام، وظهرت جمعيات ومنظمات في طول الوطن العربي وعرضه تدعو بشكل أو بآخر للاستسلام تحت دعاوي السلام والحق في الحياة مبررة قيام إسرائيل بقتل أطفالنا وتشريد شبابنا واغتصاب نسائنا ومصادرة بيوتنا بأنها مجرد حق الدفاع عن النفس، إن النصر الإسرائيلي الحثيث هو الذي وثق بنيانها على النحو الذي نراه الآن، على خلاف ما حدث مع الاتحاد السوفيتي المنهار.
ومن الضروري التأكيد على أنه لا نصر على إسرائيل سوى باستخدام القوة المفرطة، فسياستها تقوم على الأرض من أجل الأرض والسلام من أجل الأرض، ودعونا نتذكر مقولة موشيه ديان: «شرم الشيخ بدون سلام خير لإسرائيل من سلام بدون شرم الشيخ».
(7) في الإمارة الجديدة التي استولي عليها بقوات غيرنا وخطه
يقول مكيافيللي: (إن أولئك الذين يرقون من أفراد عاديين ليصبحوا أمراء لمجرد الحظ، لا يعانون عناء كبيراً في الصعود، لكنهم يقاسون كثيراً في توطيد ولايتهم، هم لا يقابلون في الطريق إلى الإمارة أية عقبات لأنهم يطيرون فوقها) ويضيف: (وهؤلاء يعتمدون اعتماداً مطلقاً على حظ أولئك الذين يرفعونهم وإرادتهم الخيرة) ويعلل: (وهم غير قادرين على المحافظة على أنفسهم لأنهم لا يملكون قوات صديقة وموالية لهم).
(وفضلاً عن ذلك فإن الدول التي ترمي شباكها وقواعدها سريعاً لجميع الأشياء الأخرى ذات البدايات والنمو السريع لا تستطيع أن تتجذر بعمق، هي تتشعب في أماكن رحبة حتى أن أول عاصفة تهب تدمرها) ويشرح نيقولا مكيافيللي أن الحظ قد يساعد في الوصول للسلطة والثبات لبعض الوقت، لكن الأمير لن يدوم في السلطة من غير عبقرية مفرطة تتملكه تجعله يحافظ على ما ألقاه الحظ في حجره، كما أن الحظ المفرط في التعاسة ـ على حد تعبيره ـ قد يعوق أعمال أعظم الناس عبقرية. ويقصد مكيافيللي باعتماد الأمير على الحظ، أي اعتماد الأمير على أسلحة غير أسلحته وجنود غير جنوده، ويرى أن هذا خطأ فادح، ما لم يتدبر الأمير الأمر بعدما استعان بجيوش غيره بأن يتخلص منهم، أو يكوّن جنداً موالين له، ويستطرد مكيافيللي بسرد قصص بأن الأمير لكي يستجلب محبة الناس يولي عليهم قائداً فظاً، ولما يجأرون من بطشه يقوم بالقبض عليه ويقسمه بالسيف نصفين ويعلقه في الميدان.
وأشار في معرض حديثه لمثال دوق ميلانو وذكر أنه كيلا يعاديه وريث جديد لولايات الكنيسة قام باتخاذ أربعة إجراءات وقائية بأن قتل كل من يجري فيهم دم العائلة الحاكمة التي اغتصب ملكها، وكسب جميع النبلاء في صفه لكبح جماح البابا ـ الذي يمنح الإمارات ويمنعها ـ والسيطرة على مجلس الكرادلة، وحصل من البابا على سلطات واسعة تمكنه من التحرك بتلك السلطات حتى بعد وفاة البابا.
ويطرح مكيافيللي عدة نقاط لكي يراعيها الأمير الذي يصل للحكم بالحظ أو بأسلحة غيره: 1 ـ تأمين نفسه ضد الأعداء. 2 ـ استعمال القوة أو الخديعة. 3 ـ أن يكون محبوباً ومهيباً للشعب. 4 ـ التخلص من كل مكامن الخطر. 5 ـ يقوم بتجديد كل ما هو قديم. 6 ـ يجمع بين القسوة والشفقة. 7 ـ نبيل الخصال. 8 ـ رحب التفكير. 9 ـ يبقى على علاقة بين الملوك والأمراء تفرحهم إذا نفعوه ويخافونه إذا أضروه.
ويقرر مكيافيللي في نهاية الباب بأن المنفعة الحديثة لا يمكن أن تمحو أثر الإساءة القديمة من نفوس العظماء. ولعلنا في هذا الباب قصدنا الإطالة لمأثورات مكيافيللي نظراً لما تراءى لنا من أهمية تلك الملحوظات في عصرنا الحالي، وما يمكن أن نلاحظه يومياً في حياتنا على أي مستوى من مستويات السلطة.
إن نشأة الولايات المتحدة تؤكد مدى الصعوبات التي لاقاها الأنجلوساكسون في عصر المستعمرات في أمريكا، وخاصة ضد اللاتينية، بين ثقافة الوافدين من بريطانيا وبين الوافدين من أجزاء أخرى في أوروبا وخاصة إسبانيا وفرنسا التي كان يحلو دائماً للأنجلوساكسون اعتبارها حرباً من أجل الديمقراطية.
فتسنى (أن يحرز البريطانيون انتصاراً لثلاثة أسباب رئيسية: أولاً: لأن سكان المستعمرات البريطانية وعددهم مليون ونصف المليون في عام 1745 كانوا كتلة سريعة التكاثر، متماسكة متضامنة واسعة الموارد، في حين أن فرنسا الجديدة أوتيت عدداً من السكان دون المائة ألف. ثانياً: ولأن البريطانيين كانوا في وضع استراتيجي أفضل كما أنهم أوتوا أسطولاً أفضل، فكان بوسعهم أن يعززوا قواتهم ويمدوها بسرعة، وقد أثبتوا أخيراً مقدرة الظفر بقادة أفضل فما لبثوا أن وجدوا تشاتهام زعيماً سياسياً وفي وولف وأمهيرست ولورد هاو قادة عسكريين لم يضارعهم الفرنسيون، وكانت الأعوام السبعون التي دامها النزاع وقد بلغ أوجه في سنة 1763 مليئة بالأحداث المثيرة، مع إغارات بشعة من الهنود على مدن الحدود، وكانت إبادة الفرنسيين والهنود لبرادوك وجيشه في سنة 1755 نكبة مهينة، ولكنه بمقتضى معاهدة الصلح في سنة 1763 أخذت إنجلترا كندا بأكملها من فرنسا وفلوريدا من إسبانيا التي كانت قد دخلت الحرب ضد الإمبراطورية البريطانية) (35)، وخلال 70 عاماً من الحرب الضروس والمطاردات بين البريطانيين وبين الفرنسيين والإسبان والهنود ليست بالقليلة ثبت دعائم الدولة الناشئة. إنها حرب (لم تقتصر على الشعوب، بل شملت الأفكار والثقافات كانت حرباً بين الاستبدادية والديمقراطية، بين حكم مطلق يتسم بنظام صارم وبين الديمقراطية، إنها الحرب بين اللاتينية وبين الأنجلوساكسونيين) (36).
ثالثاً: إن البريطانيين في الولايات المتحدة في مرحلة قبل الثورة 1755، بعدما تسنى لهم بشكل أو بآخر تأمين وجودهم ضد الفرنسيين والإسبان والهنود، وبعدما حققوا انتصارات باهرة في ذلك عليهم عبر استخدام الحيلة تارة والقوة تارة أخرى باحثين أيضاً عن شخصية قيادية، فوجد تشاتهام سياسياً، وجون آدامز وصمويل آدامز وألكسندر هاملتون وتوماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين وجون ديكنسون وغيرهم مرجعية فكرية وفلسفية، ولم يكن أمامهم بعد اكتساب الانتصارات وإيجاد الزعامات السابقة إلا الثورة على الإمبراطورية الأم التي يدينون جميعاً لها بالفضل، وكان معنى ذلك رغبتهم في الخلاص من الديون الضخمة التي يدينون بها لبريطانيا والتي قدرها جيفرسون في مطلع الثورة بمليوني جنيه لولاية فرجينيا وحدها، رغم أن حجم الأموال المتداولة في تلك الولايات لا تزيد عن واحد من ثلاثين أو عشرين في أحسن الأحوال عن هذا المبلغ.
إن الفلسفة الأمريكية في عصر ارتأت الخلاص من العائق الإمبراطوري البريطاني بعدما انتهت من حروبها الاستعمارية ضد الفرنسيين والإسبان والهنود بالانتصار والغلبة، واستغلت أوضاع الناس الاقتصادية كمفجر عوامل الثورة ضد التاج البريطاني رغم أن جون آدامز اعترف بأن نصف البريطانيين كانوا يتفادون حدوث طلاق سياسي مع الإمبراطورية البريطانية الأم، وأن ثلث السكان يرفضون الانفصال تماماً والآخر يؤيده والثلث الوسيط لم يكن مكترثاً.
إلا أن دعاة الانفصال كانوا أكثر منعة وقوة (فجون لوك كتب في ثاني كتبه «رسالتان في الحكم» ما يحتوي على بذور إعلان الاستقلال الأمريكي، فقد كان لوك يرى أن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الحياة والحرية والثروة، وهي الحماية التي لكل إنسان الحق فيها، وقد أكد لوك أن العلاج الحق للقوة بدون سلطة هو معارضتها بالقوة) (37).
لقد أرسى جون لوك مبدأً مهماً في تأسيس أمريكا وسياستها المستقبلية وليس في زمن الثورة فقط، وهو أن القوة هي أعلى الأساليب لمواجهة القوة. حتى أنه لما سمع قعقعة البنادق في صباح ذات يوم صاح يقول: «يا لهذا الصباح من صباح مجيد».
وتولى جورج واشنطن قيادة الانفصاليين عسكرياً، ولهذا فقد كانت سيرته مثالاً لشخصية الأمير، فحينما لاحظ في جنوده أنهم لا يحترمون ضباطهم حينما يكتشف الواحد منهم أن جاره هو الضابط، سعى واشنطن لاستصدار قرار من الكونجرس بإطالة مدة التجنيد مع جلد المخالفين للأوامر خمسمائة جلدة، وتحقق له ذلك 1776، ولما وجد أنه بحاجة للأموال للإنفاق على الجيش استبعد فرض ضرائب ـ حتى لا يذكر الأمريكان بأنه سيفرض عليهم ما هو سبب رئيسي في ثورتهم ضد الإمبراطورية البريطانية ـ واستبدل ذلك بطرح سندات لقرض كبير.
ورغم أن الأمريكيين البريطانيين كان عدوهم الرئيسي الفرنسيين والإسبان فيما قبل الثورة، إلا أنهم لم يجدوا بديلاً من التحالف معهم «أو مع فلولهم على تعبير أدق» في حربهم ضد الإمبراطورية البريطانية، ذلك عام 1778، بل إنهم عقدوا اتفاقات أمنية مشتركة.
غير أن الميزة التي توجت ميزات الأمريكيين هي القيادة، فلقد أوتي الأمريكيون جورج واشنطن، فمع أن الكونجرس اختاره دون دراية تذكر بقدراته فإنه أثبت أنه خير مرشد ومعين للقضية الوطنية، وهو قد يتعرض للنقد على نطاق عسكري محدود.
فما سبق له أن تولى جيشاً يزيد على فرقة واحدة من الفرق الحديثة، فأخطأ في كثير من الخطوات وهزم مرة تلو مرة، ومع ذلك فإنه أصبح إذ تولى القيادة في سن الثالثة والأربعين روح الحرب، كان هذا المزارع الفرجيني وضابط الحدود برتبة كولونيل هو الروح الهادية للحرب، بسبب وطنيته التي لا تتذبذب، وحكمته الهادئة وشجاعته المعنوية الرصينة، ولأنه في أحلك الساعات لم يفقد مهابته ولا اتزانه ولا قدرته على البت، ولأن نزاهته وترفعه وسمو تفكيره لم تتخل عنه لحظة ولا اهتزت صلابته وجلده. وكان يعرف كيف ينتظر الساعة المناسبة ليوجه ضربته حتى إن يقظته المتسمة بالصبر والأناة أكسبته لقب فابيوس.
وكان من الممكن أن يفقد أعصابه فيثور بضراوة إذا استثير فوق طاقته، كما تبين الخائن تشارلز لي في معركة مونماوث، بيد أنه كان يتسم بوجه عام بسيطرة فولاذية على نفسه بلغ من كمالها أنه عندما حملت إليه في سنوات لاحقة أنباء هزيمة واين الشنيعة على أيدي الهنود وكان في مأدبة عشاء في قصر الرئاسة لم يكشف عن أية اختلاجة أمام ضيوفه، ونظراً لأنه لم يكن يطمئن إلى شيء فقد قاد جنوده بشدة وقسا في عقاب المخالفين للنظام في الجيش، بيد أن حبه لرجاله وعدالته معهم أكسباه الولاء التام منهم، ولقد ذرف الكثيرون الدمع عندما بدأ خطابه في الجنود الذين لم يتقاضوا رواتبهم فأعلنوا التذمر في نيوبيرج بهذه الكلمات: «أيها السادة، اسمحوا لي بأن أستعمل نظارتي، لأنني لم أزدد شيباً فحسب، بل أوشكت أن أصبح أعمى في خدمة أبناء وطني») (38).
إن ثمة تطابقاً مثالياً بين خصائص الأمير المثالي التي حددها نيقولا مكيافيللي وبين مقومات شخصية جورج واشنطن واضع حجر أساس أمريكا، وما ألقاه الحظ في حجره من فرصة عظيمة وتاريخية لتأسيس أعظم حكومة.
ولعل من حسن الحظ أيضاً ـ بجوار الموقع والزعامة ـ هو الدستور الأمريكي الذي تم إعداده ليخالف كل دساتير العالم القديم ويجسد الأفكار إلى أفعال وحقائق.
وقد ساعد حسن الحظ للسير نحو هذا الدستور أن (مواد الاتحاد الكونفدرالي الذي انتهجته الولايات قرابة نهاية الثورة كانت ناقصة إلى حد كبير، فلو أنها نصت على إطار للحكم أفضل لكان من المحتمل أن يقنع الأمريكيون برتقها لإصلاح عيوبها، ولكان من المحتمل أن تشقى البلاد عشرات كثيرة من السنين بدستور ضعيف) (وكان من حسن الطالع أيضاً أن انهيار المواد صادف كساداً تجارياً في سنتي 1785 و1786، وما كان لغير أزمة ظاهرة أن يفضي بكثير من الأمريكيين المشككين لقبو ل حكومة مركزية جديدة قوية) (39).
وفي 1786 كانت الولايات الثلاث عشرة أصبحت من الاضطراب والتنافر بحيث جعلت الناس يتحدثون عن قيام حرب بينها، مما دفع الحاجة إلى وضع جهاز حكم حقيقي وقوي.
ولما شعر واشنطن بالحاجة إلى دستور مكتوب، دعا كافة الولايات لإرسال مندوبيهم ولهم حق تحديد عدد الوفود طبقاً لرغبة كل ولاية، وأرسلت الولايات شخصيات تمثلها، وأذكر هنا أن فرانكلين قص في المؤتمر خرافة قديمة فحواها أن أفعى ذات رأسين ماتت جوعاً لأن الرأسين أبيا أن يتفقا على أي فرعي الشجرة يمرا.
وحدث أنه بعدما تم وضع الدستور نشبت مشكلة وهي: ماذا يحدث للولاية التي تخترقه؟! يستخدمون القوة؟! إذن هي حرب أهلية، وقد اهتدوا إلى حل وهو تجاهل حكومات الولايات وتوجيه المصلحة نحو الشعوب، وتم التصديق على الدستور واختير جورج واشنطن بالإجماع رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية عام 1789.
وما كان للحكومة الجديدة غنى عن قيادة واشنطن الحكيمة، إنه لم يكن واسع الخيال ولا أوتي روح المبادرة الذكية من الناحية السياسية، بل كان كاتباً جامد الأسلوب وخطيباً غير مقنع ولم يكن على إلمام يذكر بمبادئ الإدارة، بيد أنه كان يفرض على سواه طاعته بلا ونوعاً من التهيب، كان طرازاً يمثل الاتحاد كما لم يكن أحد سواه يملك أن يمثله، فكان المسؤولون في كل حزب وقطاع يثقون في إنصافه وسعة رأيه وحججه، ولوقاره الدائم كان البلاط الجمهوري في عهده يتسم بالطابع الرسمي الرصين، فكان في الاستقبالات يدخل في زي من المخمل والحرير اللامع الأسودين، ذي مشبكتين ماسيتين عند الركبتين وقبعته العسكرية تحت إبطه وإلى جانبه سيفه للزينة في غمد أخضر، وكان في علاقته بالكونجرس أو الموظفين العموميين ينأى عن أي حزب أو فريق محاولة منه ألا يمثل سوى الرأي القومي وحده) (40).
إن ثمة عوامل مهمة أنتجت جورج واشنطن لأمريكا، وأنتجت دستوراً قوياً وفريداً، وحروباً عديدة للاستقلال وأمة تشكل خليطاً من مغامري أوروبا، لكن ما كان لكل ذلك أن يحدث لولا الحظ الطيب وحسن الطالع.
(8) فيمن وصل إلى الإمارة بالجريمة
تحت هذا العنوان كتب نيقولا مكيافيللي: (يصل الفرد إلى الإمارة بوسائل إما خاصة خبيثة وشريرة، أو حينما يصبح مواطناً عادياً أمير بلده بموافقة أقرانه المواطنين).
ويقول إنه هناك فرقاً بين «القدرة» وبين «الجريمة» (فلا يمكننا أن ندخل في باب القدرة ذبح أقران المرء من المواطنين، أو الغدر بالأصدقاء أو عدم الوفاء أو التجرد من الشفقة والتدين) وذلك في معرض حديثه عن أجاثوكليس الصقلي الذي وصل إلى الإمارة وهو ابن صانع فخار عبر استخدام الجريمة والذبح، ويضيف إن الجريمة قد توصل للسلطة لكنها لا تكسب صاحبها مجداً.
ويؤكد أن الشدة الصالحة ـ لو أمكن استبدال الشر خيراً ـ لا يجب أن تستعمل سوى مرة واحدة لتأمين مصير الأمير، كما لا يجب استخدام الشدة في تلك الحالات التي سوف تتلاشى مع الزمن تلقائياً.
ويشير إلى أن الفاتح الذي يستولي على ولاية جديدة عليه أن يهيئ الأمر لكي يقترف ضروب قسوته مرة واحدة حتى لا يضطر إلى أن يمارسها كل يوم) ويعلل ذلك بأنه (سيضطر دائماً أن يقف والخنجر في يده ولا يستطيع أن يركن إلى رعاياه بتاتاً لأنهم لا يستطيعون أن يطمئنوا إليه بسبب أذاه الذي يتجدد، لأن الإساءة يجب أن تكون جميعها دفعة واحدة حتى أنه كلما قل حدوثها قل ضررها).
في البداية ليس أبلغ من قول جون كيندي رئيس الولايات المتحدة حول مستقبل أمريكا: «إننا نواجه أزمة خلقية لا سبيل للتصدي لها بعمل بوليسي، ولا سبيل لمعالجتها بالمظاهرات المتزايدة في الشوارع، ولا سبيل لتهدئتها بخطوات رمزية أو بالكلام» (14).
والهدف من إبراز هذه المقولة لكيندي إيضاح أن السياسة اعتمدت على الجريمة أيضاً، رغم ما تحاول الإدارة الأمريكية إكسابه لسياستها الداخلية والخارجية من مبررات تحت دعاوي الحق والخير والفضيلة.
في النصف الثاني من القرن العشرين بدأت سلسلة طويلة من الأخطاء في تقرير الحسابات والتذبذب والهفوات تدفع مسار السياسة الخارجية الأمريكية ناحية الخزي داخل الوطن وخارجه، فهناك التدخل الأهوج في جواتيمالا وجمهورية الدومنيكان وكوبا، ثم تدخل المخابرات الأمريكية في الشؤون الداخلية لعديد من أمم الأرض واستخدام المساعدات الخارجية من أجل أغراض سياسية والعداء لجمهورية الصين الشعبية، ثم الإصرار العنيد لمدة تزيد على العشرين عاماً على أن الصين الحقيقية هي تايوان، وإيغار حدة الحرب الباردة مع روسيا، ثم القضية التي فاقت كل القضايا وهي حرب السنوات العشر المأساوية البشعة على فيتنام وكمبوديا، ومع نهاية السبعينيات قرر بعض دارسي السياسة الأمريكية بتفهم كامل أن السياسة الخارجية الأمريكية كانت بمثابة المجزرة وأنها فقدت الاحترام في الداخل والخارج.
أي أن أمريكا في سبيل تأمين مصالحها الخارجية وسيادتها العالمية فعلت ما يفعله الأمير الذي يصعد للحكم بالجريمة، ولا أدل على الجريمة التي ارتكبتها الولايات المتحدة والتي لم يسبقها إليها حتى التتار، من إلقائها القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي في اليابان لحسم الحرب العالمية الثانية لصالحها عام 1945.
وكذلك استخدامها استراتيجية الأرض المحترقة ـ وهي استراتيجية عسكرية مجرمة دولياً ـ في فيتنام وكمبوديا والعراق وأفغانستان في عام 2001.
وتعتمد تلك النظرية على إلقاء قنابل عالية الحرارة على مساحة محددة من الأرض بحيث تحرقها بشكل كامل فينتج عن ذلك مصرع المدنيين والعسكريين وحتى الحيوانات، بل إنها تقضي على كل مظاهر البيئة، وهو الأمر الذي تورع عن استخدامه التتار إبان حروبهم في العالم الإسلامي ولم يستهدفوا سوى العسكريين ومن يعلن المقاومة فقط.
إن الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعي احترام حقوق الإنسان هي أكبر من ينتهكه، وهي التي تدعي الديمقراطية في حين أنها أكبر دولة تحمي الديكتاتوريات وهو الأمر الواضح في دعمها لجميع الديكتاتوريات العربية وخاصة النظم الملكية، وهي التي تدعم حكومة برويز مشرف في باكستان والذي لاقى معارضة حاسمة وشديدة إبان الحرب الأمريكية ضد حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان عام 2001، وكذا حكومة سوهارتو في إندونيسيا والذي أطيح به، ومن بعده رعايتها لحكومة ميجاواتي التي قمعت بشكل حاسمة مظاهرات الشعب ضد الحرب على أفغانستان، وكذلك عشرات الحكومات من أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أما ثورة إيران فقد قامت كرد فعل للسياسة الأمريكية، فقد جاءت مفاجأة للجميع، فالولايات المتحدة كانت المعين الحقيقي لاسترداد الشاه لعرشه في 1953، ومنذ ذلك الحين ظلت هي أخلص معاون للشاه، فاعتمدت على بترول إيران واعتبرت أن السعودية وإيران هما المعادل للنفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، ولذلك كان من الضروري التغاضي عن الاستبداد والتعذيب اللذين تميز بهما حكم الشاه.
والمتتبع للتاريخ يكتشف أن بريطانيا هي التي حرضت الشيخ مبارك الصباح عام 1899 ليقتل شقيقيه محمداً وجراحاً وذلك ليتاح له توقيع اتفاقية حماية معها ضد العراق.
وهنا دعونا نتذكر الحوار الذي أجراه الدكتور فيصل القاسم في برنامجه الأشهر «الاتجاه المعاكس» بقناة الجزيرة بين صحفي مصري وآخر كويتي حيث قال الصحفي الكويتي والذي يشارك في إدارة جريدة الرأي العام الكويتية: «طظ في العرب وطظ في القومية العربية وطظ في كل الدول العربية بلا استثناء، وتحيا أمريكا وبريطانيا، وتاتشر أهم لدينا من فاطمة، وبوش الأب أهم لنا من محمد» استغفر الله.
وعودة إلى أمريكا التي استخدمت «الجريمة» في العراق حتى يتسنى لها احتلالها في 9 أبريل 2003، وأقول «الجريمة» وليست «القدرة»، وذلك لأن عشرين يوماً من القصف المتواصل الوحشي بكل أسلحة القتل لم توقع الهزيمة بالعراق، بل إن الجيش العراقي كبد الغزاة خسائر فادحة أذهلت العالم الذي كان يراقب الأمر باندهاش شديد، ولكن ما أوقع الهزيمة بالعراق هو استخدام أسلوب «الجريمة» بالمعنى الذي أشار إليه مكيافيللي حيث قامت الولايات المتحدة برشوة بعض قادة الجيش العراقي على حد ما أعلنه تومي فرانكس قائد قوات الغزو.
وارتكبت الجريمة أيضاً في رشوتها العلنية لدول الجوار خاصة «تركيا» ودول متعددة في العالم العربي والعالم كله.
كما ارتكبت الولايات المتحدة الجريمة في تلفيق معلومات مزيفة تضخم من الخطر العراقي ومحاولته شراء يورانيوم من النيجر، حيث شرح جوزيف ويلسون سفير واشنطن في الجابون منذ عام 1992 ـ 1995 والمكلف بالتحقيق من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بشأن سعي العراق شراء يورانيوم من النيجر عام 2002 بأنه تحقق من كذب الاتهام ورفع به تقريراً، إلا أن إدارة بوش أعادت تكرار الاتهام الذي ثبت كذبه لتتخذ منه ذريعة لضرب العراق واحتلاله.
ولم تتوقف سلسلة الفضائح عند ما قاله ويلسون على صفحات «نيويورك تايمز»، بل امتدت ليكتشف العالم أن الأساس الذي ادعت الولايات المتحدة إقدامها بسببه على ضرب العراق وقتل شعبه هو أساس هاوٍ ملفق عن عمد.
إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة في العراق هو نزع للشفقة التي قصدها مكيافيللي والتحلل من الوفاء والدين.
ونذكر أن الجريمة لم تقتصر على استخدامها في العراق المحتل، ولكن سبق أن ارتكبت الولايات المتحدة الأمريكية جرائم أخرى أهمها قتل مئات الألوف من اليابانيين وما حدث في فيتنام وخطف رئيس بنما وقتل الأسرى في أفغانستان والعراق والمتاجرة في أعضائهم البشرية.
ولكن مكيافيللي يقول: إن الجريمة قد تحقق لصاحبها النصر ولكن لا تكسبه مجداً، وهو ما ينطبق على الولايات المتحدة التي استخدمت الجريمة في معركتها ضد أعدائها ـ أو كما تصنفهم ـ فانتصرت عليهم ولكنها لم تحقق وراء ذلك المجد، ذلك المجد الذي يجعلنا مأسورين بعبقرية أمريكا وحضارتها.
والمدهش أن نرى كما شاهد العالم الجندي الأمريكي يعطي الطفل العراقي قطعة من البسكويت في مشهد صناعي عجيب، وكأن هذا الطفل الذي قتل الأمريكيون جميع أهله سوف ينسى ذلك ويتذكر قطعة البسكويت.
لقد اعتمدت الحملة الأمريكية على النظرية الخاصة بأن يستعمل الأمير قوته الشديدة مرة واحدة ليحقق ما يريد وعقب ذلك يبدي جانباً من الرحمة!!
ويأتي في نفس السياق ما تردده الولايات المتحدة بعدما حاربت العراق ودمرته تدميراً شديداً بأنها قادمة لنقل المدنية إليه!!
أي أنها أبدت أولاً يدها الحديدية حتى استقر لها الأمر، وبعد ذلك قدمت يدها الأخرى المصنوعة من الحرير!!
ولكن هل تفيد الجريمة؟!
لا، الجريمة لا تفيد، هذه قاعدة اجتماعية ثابتة. فمن كثرة ما اقترفت أمريكا من جرائم في حق هذا الكون كان لزاماً عليها ألا يغمض لها جفن وأن تنام ـ إن نامت ـ والخنجر في يدها.
فالأذى الأمريكي للعالم ليس دفعة واحدة، بل إنه متكرر، ففي كل عقد من عقود الزمان يصحو العالم على جريمة أمريكية شنيعة بدءاً من جرائمها في حق الهنود الحمر حتى جرائمها في العراق وما تلاها.
وهو الأمر الذي يفسر سبب توجس أمريكا للعالم وتوجس العالم لها، حتى صار الهاجس الأمريكي الأول هو الأمن.
لقد أخطأت الولايات المتحدة النصيحة المكيافيلية القائلة: بأن تستخدم القوة دفعة واحدة، لأنها كلما طبقت هذا الأسلوب باعتباره الجرم الأخير تفتحت شهيتها على مطالب أخرى فتقوم بارتكاب جرائم أخرى وهكذا بلا نهاية، وخاصة بسبب زهوها ـ الذي أثر على ضميرها وعقلها ـ بقوتها كوسيلة جديدة ومضمونة للوصول للغايات.
الجميع يدرك كم تعاني أمريكا أمنياً في الداخل والخارج، وكم يستلزم التيقظ الأمني من جهد ومصروفات وأرواح!!
إن تجاهل الولايات المتحدة للقاعدة الخاصة بعدم الإسراف في استخدام القوة ربما هو الآن سبب الذعر الأمريكي.
وربما تجاهلت الولايات المتحدة هذا الجانب نظراً لإيمانها الشديد بقوتها من جانب، ولتقليلها من شأن الأعداء من جانب آخر.
كما أن العالم من أقصاه إلى أقصاه ما عاد يطمئن إلى تصرفات الولايات المتحدة، وحالة عدم الاطمئنان تلك هي درجة من درجات الصراع، والصراع هو درجة من درجات العدوان.
بناءً على طلبك، تم تطبيق نفس الإجراءات بدقة؛ حيث جرى استبدال علامتي النقطتين المتتاليتين .. والفاصلة الأجنبية , بالفاصلة العربية ،. كما جرى ضبط تنسيق النص، وتعديل السنوات والتواريخ التي تعرضت للقلب الرقمي نتيجة النقل (مثل تحويل الأعوام المقلوبة كـ 6381 إلى 1836، والقرن 91 إلى القرن 19 سياقياً)، لتصبح القراءة سلسة ومنظمة مع الحفاظ الكامل على النص الأصلي ومضمونه:
________________________________________
«9» في الإمارات المدنية
تحت هذا العنوان كتب: «وبلوغ هذه الولاية لا يتوقف بتاتاً على الجدارة أو الحظ، ولكنه يعتمد بالأحرى على المكر يعينه الحظ، لأن الأمير يبلغها برغبة الشعب أو بإرادة الطبقة الأرستقراطية» ويشير إلى أن في كل مدينة توجد هاتان الإرادتان المتعارضتان لأن الشعب يخشى اعتساف طبقة الأرستقراط، وهذا التعارض بين الإرادتين إما يخلق حكماً «مطلقاً أو حراً أو فوضى»، والحكم المطلق يخلقه الشعب حينما يريد مقاومة اعتساف الأرستقراط فيقوم بخلق أمير يحتمون به، والأرستقراط أيضاً يخلقون الحكم المطلق لأنهم يخشون سيطرة الشعب فيتحدون ويضعون أميراً منهم مطلق الحكم. ويشير مكيافيللي إلى أن الأمير الذي يضعه الشعب له فرصة أفضل من ذلك الذي يضعه الأرستقراط لأنهم أصلاً يعتبرون أنفسهم أنداداً له على عكس من يجعله الشعب أميراً فيجد التفرد بينهم والولاء، كما أن تطبيقه للعدل سيرضي الشعب ولكنه لن يرضي النبلاء.
مع ملاحظة أن الأمير لو عادى الشعب فسوف يتخلون عنه، أما لو عادى النبلاء فإنهم سيحملون ضده السلاح مع ملاحظة أنهم أكثر مكراً من الشعب.
وعن أسلوب تعامل الأمير مع النبلاء يقول مكيافيللي: إن هناك أسلوبين مختلفين: 1ـ إما أن يحكموا حكماً يجعلهم يعتمدون على خط الأمير، وهؤلاء لا يعرفون الجشع ويجب على الأمير أن يكرمهم ويحبهم. 2ـ وإما ـ وهو الأسلوب الثاني ـ لمن يقفون بعيداً عن الأمير، وذلك إما لجبن فيهم وهؤلاء يجب تقريبهم والاستفادة من رأيهم فهم يشرفون في السراء وغير مخيفين في الضراء، وإما أنهم يحجمون لغرض في نفوسهم أو لأنهم طموحون وهذا دليل على حبهم لأنفسهم وسوف يتآمرون عليه وقت الشدة وعليه الاحتراس منهم.
والحكم المطلق يضعه عادة النبلاء والحكم الحر يضعه عادة الشعب، وإن كان يمكن أن يتحول الأمير الذي اختاره الشعب إلى حاكم وهذا أمر خطير جداً لأنه سيلجأ للحكم عبر ولاة سوف يزداد نفوذهم وقد يفقد السيطرة عليهم وقت الطوارئ، ومع ذلك لن يقف الشعب معه بل ربما سيتبع الولاة الذين يصدرون له الأوامر ويخشاهم أكثر منه.
ويقرر مكيافيللي قاعدتين مهمتين: الأولى: أن الارتكان إلى الشعب خير حماية لوجود الأمير. والثانية: أن على الأمير أن يجد كل الوسائل التي تجعل الشعب في حاجة إليه دائماً. وحتى نكون محايدين في التطبيق، فإن الحكم الذي اتبع في الولايات المتحدة ومنذ نشأتها هو ذلك الحكم الذي ينتمي إلى الحكم الحر، الحكم الذي يختاره الشعب والأمير الذي يختاره الشعب.
والمثال واضح في نموذج جورج واشنطن المؤسس، والذي تم اختياره بناءً على رغبة الشعب، فبدلاً من أن كان ضابطاً على الحدود نجده ترقى ليصبح زعيماً للولايات المتحدة الأمريكية كلها يعينه في ذلك مكره والحظ الطيب.
وكذلك أندرو جاكسون (1767–1845) الذي ولد في فقر مدقع، وكان والده بائع ثلج - لم تثبت صحته - فقيراً وقاطع أشجار حتى أنه لما مات لم تجد الأسرة مالاً لوضع شاهد حجري على قبره، وكان أندرو جاكسون ـ زعيم ديمقراطية أمريكا ـ مصاباً بصرع نتيجة ما أصابه من مواقف، ولكنه ـ وهو المحامي ـ عمل في تجارة العبيد والخيول وباع أرضه ليسدد ديونه الباهظة.
وكان جاكسون ـ الذي أسس الحزب الديمقراطي ـ يعتمد في الأساس على أصوات الناخبين المرتبطين بالزراعة والرواد الأوائل وأصحاب الحوانيت، وقد عمل على إلغاء القيود الموضوعة بشأن الحقوق الانتخابية وهو ما عارضه بشدة الجمهوريون المحافظون، كذلك دعا جاكسون إلى تعيين الرئيس طبقاً لسلطة شعبية وليس لمؤتمر أعضاء الكونجرس عام 1836.
لقد اتبع حكام الولايات المتحدة أساليب عدة وتفاصيل مفرطة عبر تأمين مدنية الدولة وإن كان الاقتصاد هو العامل المميز لكل منهم، وإن كانت تلك الأساليب هي التي يرجع لها الفضل في اجتياز محنهم والعبور بهم في المشكلات الرهيبة.
والواقع أن النموذج الذي طرحه مكيافيللي عن الحاكم الذي يصفه الشعب هو النموذج المعتمد في الولايات المتحدة، ولكن لأننا استبدلنا كلمة «أمير» بكلمة «حاكم»، فإننا يمكننا أن نستبدل كلمة «نبيل» بكلمة «مراكز اقتصادية مؤثرة»، وعندئذ يتضح لنا بسهولة أن التطوير الذي أحدثته الولايات المتحدة هو خلق نموذج أشار إليه مكيافيللي وهو الأمير الذي يصنعه الشعب بمباركة من النبلاء، ولولا رضاهم عن الأمير لأمكنهم منعه من الوصول للحكم.
حيث لم يعد خافياً على أحد أن دعم «المراكز الاقتصادية المؤثرة» لبوش أو أي حاكم أمريكي هي أهم أسباب نجاحه.
حيث تقوم تلك المراكز الاقتصادية مثل الشركات الكبرى باتباع أسلوب الثواب والعقاب الاقتصادي لمن يخالف توجهاتها السياسية الخارجية، وبالتالي التأثير على قرار الناخبين.
كما أن هناك شكلاً جديداً من الاحتكار تشهده الولايات المتحدة في مسألة اختيار الرئيس.
وذلك أن الدستور الأمريكي ـ كغيره من دساتير العالم المتقدم ـ أعطى الحرية لأي مواطن أن يرشح اسمه لمنصب الرئيس، فإن هناك عقبات جمة تحول دون ذلك لتقصرها على أصحاب المراكز الاقتصادية.
أهم تلك العقبات نحصرها في الدعاية والرشاوى، فلا يمكن أن يرشح مواطن نفسه للرئاسة وهو لا يمتلك ما يدفعه للصحف والفضائيات لنشر برامجه، بل كيف يستطيع طبع برامجه وعمل اللوحات الإعلانية وهو الأمر الذي يتكلف مئات الملايين من الدولارات، خاصة مع اتساع رقعة أمريكا الأفقية والرأسية أيضاً.
سيكون من البديهي أن ينطوي الفقراء جانباً ليتصدر القائمة من يمتلك أكثر، خاصة أن منافسيه يمتلكون أكثر.
أما العامل الثاني فهو الرشاوى، وهي الخاصة بتقديم رشاوى سياسية واجتماعية واقتصادية للتجمعات الاقتصادية والفكرية وبدون تلك الرشاوى لا يمكن أن يحصل على أصواتها، وخاصة أن الولايات المتحدة هي عبارة عن مجموعات ضخمة من انتماءات متعددة.
فهل يستطيع المواطن العادي تقديم رشوة سياسية مثلاً وهو لا يمتلك من يتبعونه؟
الواقع أيضاً أن الولايات المتحدة هي نظرياً حكم حر، ولكن عملياً هي حكم مطلق خاضع لإرادة الرئيس ومراكز رأس المال.
وربما هذا النموذج من الحكم هو الذي أعطى الولايات المتحدة المتعة والقوة التي يعرفها العالم كله الآن، وربما نفس النموذج هو الذي عمل على حمايتها من تأثير مساوئ الحكم المطلق الذي يستبد فيه الأمير برأيه دون مشورة أحد، وحماها أيضاً من تأثير مساوئ معاداة النبلاء الذين قد يستعدون أتباعهم عليه.
وإذا كان نيقولا مكيافيللي ينصح الأمير العاقل بأن (يبحث عن وسائل يكون رعاياه بها في حاجة إلى حكومته دائماً وفي كل ظرف ممكن وحينئذ سيكونون أوفياء له على الدوام).
فإن المفكر الفرنسي (إيمانويل تود) تساءل في كتابه (ما بعد الإمبراطورية) قائلاً: أليست أمريكا مرتاحة لتزايد كره الشعوب العربية للغرب؟ ألا يناسب مصالحها ذلك؟
وبعد التساؤل يستطرد الكاتب في أسئلته التقريرية وإجاباته ليؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تشعل الصراعات والحروب لكي تطيل أمدها هنا أو هناك بقدر ما تستطيع.
ويضيف أن صراع أمريكا ضد الإرهاب جعلها تبرر إعلان حرب كونية ودائمة عليه، وعلى جميع دول العالم أن تخضع لقيادتها وخططها الاستراتيجية.
«10» كيف يجب قياس قوة كافة الإمارات؟
تحت هذا العنوان كتب مكيافيللي: (أعتبر الذين في حاجة إلى غيرهم دائماً هم أولئك الذين لا يقدرون أن ينزلوا أعداءهم في الميدان ولكنهم يضطرون إلى الانسحاب داخل مدنهم ويدافعون) و(ليس ثمة قول سوى أن تستنهض هذا الأمير لتحصن مدينته تحصيناً منيعاً ويهاجم بإحجام شديد، وذلك لأن الناس يعافون دائماً المشروعات التي تنبئهم بمصاعبها، ولا يمكن أبداً أن تبدو مهاجمة أمير له مدينة منيعة ولا يناوئه شعبه أمراً هنيئاً).
وعن المصاعب التي يواجهها الأمير الذي يحاصر الأعداء إمارته ويخشى تغير ولاء رعيته نتيجة طول الحصار، ينصحه مكيافيللي بأن (يفعم القلوب بأمل الخلاص القريب، وأن يثير فيهم الخوف من قسوة العدو، وأن يستوثق بحذق من أولئك الذين يبدون له أصحاب جرأة مفرطة) وذلك لأن (من طبيعة الإنسان أن النعمة التي ينعم بها على غيره تربطه به شأن تلك التي يأخذها منه).
والحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية برعت دائماً في تحصين نفسها والتهويل من شأن هذا التحصين والمنعة من جانب، وبرعت أيضاً في إضعاف أعدائها والتقليل من شأنهم، وذلك لإدراكها أنها بحاجة دائمة إلى الدعم الدولي في حروبها مع الأعداء، مما يفسر لجوءها دائماً إلى كسب تأييد منظمة الأمم المتحدة في حروبها.
والولايات المتحدة الأمريكية تدرك تمام الإدراك أنها ليست قادرة على منازلة أعدائها في الميدان وجهاً لوجه، وأنها لابد أن تتحصن خلف تقنيتها المتطورة – كبديل للمدن – في كافة حروبها الخارجية بما يسمح لها بالتفوق والنجاة من الانكسارات.
(إن أمريكا تتبع استراتيجية مجنونة مبيتة، فهي تريد أن تخيف خصومها المحتملين وتردعهم قبل أن يفكروا في مهاجتمها، ثم تنخرط في حرب النجوم، أي في تشكيل دروع فضائية أو سماوية تحميها من أي هجوم محتمل، وإذا تم هذا المشروع فإنه سيمكنها من الهيمنة على العالم عن طريق الرعب والإرهاب. إن أمريكا تهدف من وراء كل ذلك إلى التخويف وتجييش العالم كله وراءها وبالتالي السيطرة على العالم، هذا هو هدف أمريكا، السيطرة على العالم إذا خوّفته باستمرار من خطر يتهدده) (42).
وإذا كان الزعيم الصيني ماو تسي تونغ قد وصف القوة الأمريكية بأنها مجرد (نمر من ورق)، فإن إيمانويل تود - المفكر الفرنسي - قد وصفها بأنها (أصبحت عالة على العالم، ولا يمكن أن تحافظ على مستوى معيشة مواطنيها إلا إذا نهبت العالم وأخذت منه الثروات الاقتصادية، وإنها – أمريكا – تحاول أن تخفي هذا الوضع الجديد أو تغطي عليه عن طريق القيام بحملات عسكرية في الخارج ضد دول ضعيفة كما هو الحال في أفغانستان والعراق، ولكن إذا تفحصنا وضع القوى السكانية والثقافية والصناعية والمصرفية والأيديولوجية والعسكرية الموجودة في العالم حالياً، لوجدنا أن أمريكا ليست معصومة من الوهن والضعف كما يزعم البعض، فأمريكا أكثر هشاشة مما نظن) (43).
والولايات المتحدة الأمريكية دائماً ما قللت من قوة أعدائها (الوهميين)، وكثيراً ما تمسكت بأهداب القول أن الخلاص منهم هو انتصار للعدالة وأنه قريب جداً لأن النصر عليهم هو قدر إلهي.
فبعد مرور ستة أشهر على أحداث 11 سبتمبر، وقف بوش الابن أمام حفل كبير يضم 1300 شخصية عامة أمريكية وعالمية وخطب فيهم: (أن حربه عادلة وأن الأعداء هم الذين ابتدأوا بالضرب وسوف يعاقبهم ويلاحقهم في كل مكان)، وأضاف: (أني أرى عالماً من السلام والوئام سوف ينهض بعد القضاء على الإرهاب فليبارك الله إذن تحالفنا)، متناسياً المنطق الإلهي الذي عبر عنه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ: (إن الأمم المضطهدة والطبقات المضطهدة وحدها هي التي تخوض غمار حروب عادلة) (44).
ودعونا نتساءل: ما هي العدالة التي تحدث عنها بوش في الحرب ضد العراق؟ وكيف حاول تصوير الأمر على أن العراق، وهو بلد صغير وفقير وضعيف، اعتدى على أمريكا زعيمة العالم؟
كيف شبّه الأمر على أن حربه ضد هذه الشعوب الصغيرة هي حرب الحق والخير ضد الشر؟ وكيف يتسنى لأنثى النعامة أن تفرض ظلمها على الأسد؟ إنه المنطق المعكوس وتزييف الحقائق؟
يقول الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه (محادثات ومقابلات ما بعد 11 سبتمبر): (إننا لا يمكن أن نوقف إرهاب الضعيف ضد القوي إلا إذا أوقفنا إرهاب القوي، إنهم يعتقدون أن الإرهاب يجيء من جهة واحدة، إنه يجيء من الجهتين، بل إن إرهاب القوي (أمريكا والغرب) أشد خطورة بسبب الإمكانيات الضخمة التي يمتلكها، وأن الجديد في أحداث 11 سبتمبر أنه لأول مرة يتجرأ الضعيف على ضرب القوي في عقر داره، ففي السابق كان يضربه في الهوامش وفي مناطق أخرى تزعجه ولكن لا تجرحه أبداً) ويضيف في مكان آخر: (لقد مارست الولايات المتحدة الإرهاب على أوسع نطاق، ثم لا تتفق على محاسبة الآخرين عليه، فنجدها في عام 1985 أرسلت سيارة شحن محملة بالمتفجرات ووضعتها على مقربة من أحد المساجد في ضاحية بيروت الجنوبية، وكانت لتقتل أكبر عدد من المصلين المدنيين، وبالفعل كانت الحصيلة 80 شخصاً و250 جريحاً، ولكن الشخص المستهدف من العملية نجا وهو الشيخ حسين فضل الله، أليس هذا عملاً إرهابياً؟ أليس قتلاً للمدنيين بالصدفة كما يحدث في أي عمل إرهابي؟ لماذا ندين الآخرين ولا ندين إرهاب أمريكا؟) (45).
وعودة إلى ما قاله جيمس وولسي المدير السابق للسي أي إيه والمستشار البارز لجورج بوش كأحد أبرز صقور الحرب ضد العراق في مقاله بصحيفة لوس أنجلوس تايمز (أبريل 2003) ما يلي: (إن الحرب الأخيرة ليست حرباً منا ضدهم، فهي ليست حرباً بين دول ولكنها حرب الحرية ضد الطغيان).
بينما يقول ريتشارد هاس عضو المجلس القومي الأمريكي في بحث له بعنوان (أمريكا الإمبراطورية) – لاحظ لفظ الإمبراطورية الذي تحدثنا عنه في فصل سابق – حيث يقول: (كي تنجح الولايات المتحدة الأمريكية في هدفها بتحقيق السيطرة العالمية، سيكون من الضروري على الأمريكيين إعادة التفكير في سياق قوة إمبراطورية، إن دور الولايات المتحدة يشبه دور بريطانيا العظمى في القرن 19 وهو القمع واستخدام القوة وسيكونان الملاذ الأخير، إن ما يقوله بول كينيدي حول أن الإمبراطورية الأمريكية تسير في طريق الانحدار بسبب التمدد الاستراتيجي الزائد، هو قول غير صحيح، بل هو تمدد ناقص، إن الاحتلال الهادف إلى بناء الأمة بغرض إلحاق الهزيمة الكاملة بكل معارضة محلية وتجريدها من السلاح وإقامة سلطة سياسية تتمتع وحدها بالاحتكار الكامل لشرعية استخدام القوة، وهذا قد يتطلب احتلالاً ذا أبعاد إمبراطورية لأمد غير منظور).
بينما يقول مايكل إجناتييف أستاذ حقوق الإنسان بجامعة هارفارد في مقال كتبه في نيويورك ماجازين يناير 2003 أن (الإمبراطورية الأمريكية لا تشبه الإمبراطوريات الأخرى، إنها إمبراطورية القرن 21، إنها هيمنة عالمية تستند إلى الأسواق الحرة وحقوق الإنسان والديمقراطية بحراسة قوة عسكرية مرعبة لم يعرف العالم لها مثيلاً).
بينما عبرت الكاتبة ناعومي كلاين في الجارديان أبريل 2003 أن ((العراق الحر.. سيكون أكبر بلد تم بيعه في التاريخ على سطح الأرض)) وأضافت: ((أن بوش يتبع أسلوباً جديداً في تحرير التجارة وهو (اقصف قبل أن تشتري))).
«11» في الإمارة الكنسية
تحت هذا العنوان تحدث مكيافيللي عن الإمارات الكنسية في عهده واصفاً أمراءها بأنهم هم الوحيدون الذين يملكون إمارات دون أن يدافعوا عنها، ولهم رعايا من غير أن يحكموهم، وإماراتهم لا تؤخذ منهم مع أنها غير محمية، ورعايا لا يتبرمون منها مع أنهم غير محكومين.
ورغم أن هذا الباب من كتاب مكيافيللي لا يعنينا في بحثنا إلا أننا نذكر له ما برر به الصراع بين الأورسيني والكولونا وهم البارونات الرومان دون حسم هو أن حياة الباباوات قصيرة وفي المتوسط عشر سنوات، وهي فترة غير كافية لكبح جماح طرف على آخر، حيث أن البابا يناصر أحد الطرفين ثم يموت ويأتي بابا آخر فيناصر الطرف الثاني، والنتيجة في كلٍ هي استمرار الصراع.
ونحب أن نذكر هنا أن النظام الرئاسي الأمريكي ومدته هي السبب في تقلب الأمزجة، فتارة تناصر العراق وتارة تحاربها وتحتلها.
«12» في الأنواع المختلفة للجندية وفي الجنود المأجورين
كتب مكيافيللي: (إن الدعائم الأولى لجميع الولايات، سواء جديدة أو قديمة أو مختلطة، هي القوانين الصالحة والأسلحة الصالحة) وأضاف: (إن الأسلحة التي يدافع بها أمير عن ممتلكاته إما أن تكون خاصة أو أسلحة مأجورة أو حليفة أو أسلحة مختلطة، والأسلحة المأجورة والحليفة خطرة ولا فائدة لها، فلو أقام أحد الأمراء ولاياته على الأسلحة المأجورة لن يقف راسخاً واثقاً لأنها أسلحة مفككة ذات مطامع وبلا نظام عسكري ولا عهد لها، وذات جسارة بين الأصدقاء وجبانة أمام الأعداء، والأسلحة المأجورة تسلبك في السلم والعدو يسلبك في الحرب، وذلك لأنها لا يدفعها للدفاع عنك حب سوى الأجر الزهيد، وهذا الأجر لا يجعلهم مستعدين للموت دفاعاً عنك في الميدان، هم يرغبون أن يكونوا جندك طالما لا تقوم بحرب وحيث كانت الحرب فإما أن يفروا أو يتكاسلوا) وأضاف: (إننا لا نحرز من الملك إلا قليلاً تافهاً بالقوات المأجورة في زمن طويل).
في هذا الباب سوف نعالج الأمر على مرحلتين، الأولى خاصة برفض الولايات المتحدة الاستعانة بشكل أساسي بقوات حليفة في حروبها الخارجية ما لم يكن فقط لمجرد إشاعة إحساس خاطئ بأن حروبها الخارجية حروب دولية.
والثاني خاص بأنها تسيطر على الشعوب الأخرى عبر تأجير جيشها لخدمة الدفاع عن حكام هذه البلدان كما حدث في حرب الخليج الثانية 1991 وما تلاها.
وعن الحالة الأولى، فإذا كنا نعرف كيف سيطر اليهود على الحياة السياسية الأمريكية وكيف اقترنت الإرادة الأمريكية بالإرادة الصهيونية، رغم كل ما يقال عن أن أمريكا والصهيونية وجهان لعملة واحدة، إلا إننا باستعراض التحذير الذي أطلق المؤسس الأول والحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية في خطبة حاشدة له وجهها للشعب الأمريكي عام 1779 حيث قال بنجامين فرانكلين: (انتبهوا جيداً للفكر اليهودي، فإذا استمروا على هذا النحو فسوف يقودون الشعب الأمريكي من خلف مقاعدهم).
ومن الواضح أن فرانكلين كان يعمل بالنصيحة المكيافيللية الخاصة بعدم الاستعانة بالآخرين رغم مسيس حاجة الولايات المتحدة في هذا الوقت لكسب الأنصار والحلفاء للحصول على الاستقلال وتثبيته والتأمين ضد الأعداء الآخرين مثل الهنود الحمر الذين لم تكن بعد قد كسرت شوكتهم، أو ضد الفرنسيين في الجنوب والشمال وكذا الإسبان، وكذلك رغم ما هو معروف من دعم اليهود لاستقلال أمريكا التي وصفوها حينئذ بأرض الميعاد.
وحتى في العصر الحديث، فرغم أن الولايات المتحدة سعت لكسب حلفاء خارجيين في حربها ضد العراق، إلا أن هذا المسعى الأمريكي لم يكن من أجل نيل القوة منهم ولكن من أجل نيل الشرعية، فمثلاً حينما تحالفت أمريكا مع بريطانيا لاحتلال العراق وتزايد الضغط الشعبي على حكومة بلير رافضة لهذه الحرب، ظهر بوش أمام شاشات التلفزة ليعلن أن الولايات المتحدة ستخوض الحرب منفردة!!
وحينما وقف المسؤولون في الإدارة الأمريكية ليعلنوا أن هناك 19 دولة في العالم تحالفت مع أمريكا لخوض غمار الحرب ضد العراق، فوجئنا بأن الدول المقصودة مجتمعين لا يشكلون سكانياً حجم ولاية من ولايات أمريكا، وأنهم جميعاً لا يملكون جيشاً مسلحاً بتسليح تمتلكه فرقة واحدة من فرق الجيش الأمريكي!!
إذن، الولايات المتحدة لم تسع لنيل القوة العسكرية في تحالفاتها العسكرية ولكن تسعى فقط لاستكمال الديكور الدعائي لصبغ حربها ضد الشعوب الحرة بصبغة الحرب ضد الإرهاب وكأنه مطلب دولي وتطبيق للعدالة الحقة والشرعية، كحيلة من حيل خداع الشعب الأمريكي في إنسانيته وكذا شعوب العالم الحر.
وتكرر نفس المشهد في الحرب ضد أفغانستان وضد فيتنام ونيكاراجوا وغير ذلك من الشعوب الفقيرة والضعيفة التي تعرضت للتنمر الأمريكي في عالمنا المشحون بالمتناقضات والذي تستساغ فيه دماء الشعوب.
ودعونا نتذكر مقولة جيفرسون حينما خطب في حشد من الأمريكيين يقول شارحاً سياسة أمريكا الخارجية: (يجب أن تحافظ على صداقة صادقة مع كافة أمم الأرض، ولكن لا ترتبط بتحالف مع أي منها) (46).
ولأن الولايات المتحدة تدرك خطورة الاعتماد على قوة الآخرين، فإنها عمدت لأن تذيق العالم هذا الخطر حتى تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أكبر نظام عسكري لتأجير المرتزقة في العالم.
هذه حقيقة، الولايات المتحدة ليست سوى سوق ضخم للمرتزقة العسكريين في العالم، تؤجرهم لمن يشاء ولمن يدفع أكثر نفطاً سواء أو أموالاً سائلة.
وتجربة الخليج الثانية نموذج لا يحتاج لبس، فالولايات المتحدة التي دعمت ـ وعبر وسطاء عرب ـ العراق في حربه ضد إيران، حينما غزا العراق الكويت وقام النظام الحاكم في الكويت والذي فر إلى السعودية بمخاطبة أمريكا للدفاع عنه وعن دويلته مقابل امتيازات ضخمة بعد نجاح التحرير من قواعد عسكرية دائمة وعقود إعمار وأموال سائلة، أليس في هذا المشهد يكون الأمريكيون مجرد مرتزقة؟! وهل سيأمن أمير الكويت فيما بعد من صدق نوايا هؤلاء المحررين المرتزقة؟ ألم تتحول الكويت إلى دويلة مسلوبة الإرادة في قراراتها القومية فيما بعد، ولكي يتفادى المسؤولون في الكويت انتقادهم لذلك ولعدم قدرتهم على اتخاذ مواقف شجاعة تصون القومية العربية وتدمج الكويت مع قوميتها وعروبتها – بعكس ما يريده الجنود المرتزقة الأمريكان والذين يمثلون الحاكم الفعلي للبلاد – قاموا بالادعاء بأن الانجراف وراء التيار الأمريكي الصهيوني البريطاني هو هدف قومي وخيار استراتيجي صائب خططت له الإرادة الوطنية الكويتية!
ويقولون ذلك كيلا ينتقدوا بأنهم طردوا المحتل العربي ليجلبوا المحتل الأمريكي البريطاني الإسرائيلي؟!!!
ألم يقع حكام الكويت في الشرك؟! ووقع معهم حكام الخليج؟ الذين رغم انجرافهم الشديد نحو تحويل بلدانهم إلى قواعد عسكرية أمريكية ضخمة، هم يدركون تمام الإدراك أنهم باستعانتهم بالأجنبي فقدوا سلطتهم الوطنية الاستراتيجية على بلادهم!!
(هناك العديد من الأحداث المهمة التي جرت بعد اجتياح العراق للكويت بأسابيع، عندما جمع جورج بوش مساعديه وسألهم عما إذا كان انسحاب صدام حسين من الكويت يشكل حلاً مرضياً بالنسبة للأمريكيين، فقال لبرنت سكوكروفت رئيس مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض والرئيس بوش يهز رأسه موافقاً: ألا ترون بأنه إذا انسحب فسيكون الوضع صعباً جداً بالنسبة لنا، فسوف لن نستطيع الإبقاء على نصف مليون جندي باستمرار في المنطقة، فأضاف بوش: هذا صحيح وينبغي أن تتوافر لقوات التحالف الدولي الوسائل لتدمير جيش صدام حسين في المستقبل القريب) (47).
ولذلك تعسفت الولايات المتحدة الأمريكية في قبول مبادرات العراق بالانسحاب، حيث طلبت منه ذلك ولكن بدون أن يأخذ معه المعدات الحربية والعسكرية التي جلبها معه، وكذلك بدون ضمانات لتأمين الانسحاب على حد الوثائق الخاصة بحرب 1991 والتي أفرجت عنها الكويت سهواً لتنشرها هيئة الاستعلامات الكويتية في كتاب حمل عنوان (العدوان العراقي الغاشم على الكويت عام 1991) وسرعان ما تم سحبه ثانية من الأسواق لخطورته الشديدة في إجلاء الحقائق.
إذن القوات الأمريكية التي ذهبت لتحرير الكويت كانت تهدف إلى احتلالها، إنها أمريكا الانتهازية.
تمت متابعة نفس الإجراء بدقة؛ حيث جرى استبدال علامتي النقطتين المتتاليتين .. والفاصلة الأجنبية , بالفاصلة العربية ، مع ضبط التنسيق العام ليكون scannable ومريحاً للقراءة، وتعديل بعض الأرقام والتواريخ والرموز التي تعرضت للتشويه أو القَلب الرقمي أثناء النقل (مثل تعديل الاختصارات والصفحات والرموز الزائدة في الهوامش والمصادر)، ليخرج النص متناسقاً وبأعلى درجات التنقيح مع الحفاظ الكامل على الأمانة العلمية للنص والمضمون:
________________________________________
(13) في القوات المأجورة والمختلطة والوطنية
امتداداً للفصل السابق وتحت هذا العنوان قال: (إن قوات أحد الجيران الأقوياء التي يطلب أمير مجيئها لنجدته والدفاع عنه هي قوات مساعدة، وهي عديمة الفائدة كالقوات المأجورة) وذلك (لأن الهزيمة لك إن انكسرت، وإن انتصرت ظللت أسيراً لها).
واستعرض مثالاً لإمبراطور القسطنطينية الذي حشد في بلاد اليونان عشرة آلاف تركي لكي يقاوم جيرانه، وبعد النصر رفضوا العودة وكان ذلك بداية استعباد من كفروا بالأمانة والولاء لبلاد اليونان – على حد تعبيره – وأضاف: (أن أشد أخطار القوات المأجورة في جبنها وإحجامها عن القتال، ولكن أشد أخطار القوات المساعدة في شجاعتها)، وأضاف: (أن الأمير العاقل أفضل له أن ينكسر بقوات وطنه على أن ينكسر بقوات غيره)، ثم روى ما ذهب إليه الحكماء قديماً حينما قالوا: (لا شيء عند البشر مزعزع ولا يدوم مثل ولايات دعامتها الشهرة وليست قوتها الخاصة).
(وقديماً – كما جاء في التوراة – قدم داود – عليه السلام – نفسه لشاول لكي يذهب وينازل جولياث – بطل فلسطيني – فدججه بالسلاح الخاص، إلا أن داود بعدما جربه رفضه وقال له إنه لا يعرف كيف يحارب به، مفضلاً خنجره ومقلاعه الخاص).
ويعد هذا القول امتداداً لما قلناه في الباب السابق من خطورة أن تستعين الكويت بالقوات الأجنبية التي بفضل قوتها استطاعت هزيمة جيش العراق واحتلال أرضه، وكيف أن القوة الأمريكية صارت هاجساً يقض مضاجع أمراء الخليج؟ وكيف تقلصت سلطات أمير الكويت على شؤون بلاده الاستراتيجية بشكل لم يعد يحتمل سوى إعلان الاحتلال الأمريكي الطوعي للكويت.
إنها خطيئة التآمر على الأصدقاء، وعقوبتها احتلال الغرباء، والنموذج لا يحتاج إلى توضيح.
________________________________________
(14) واجبات الأمير فيما يتعلق بموضوع فن الحرب
تحت هذا العنوان كتب مكيافيللي يقول: (ينبغي على الأمير ألا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب وتنظيمها ونظامها، لأن هذا الفن الوحيد اللازم لمن يقود).
وقوله: (إن الأمراء يفقدون ولايتهم حينما يفكرون في الترف أكثر من الأسلحة) و(ليس معقولاً أن نتوهم أن رجلاً مسلحاً يطيع راغباً رجلاً أعزلاً، أو أي رجل أعزل يسلم بين أتباع مسلحين، ومن المستحيل أن يعمل الاثنان سوياً في وئام).
ويشير إلى أن الأمير يجب أن يكون قارئاً للتاريخ وسيرة العظماء، وأن يتدرب على فنون القتال في السلم أكثر من وقت الحرب.
________________________________________
المصادر والمراجع:
• «1» راجع: دراسات في الفكر الأوروبي - د. عبد الرازق حجاج، ص 35.
• «2» راجع: مقدمة كتاب الأمير، بقلم: كريستيان غاوس.
• «3» راجع: البلدان النامية وتجديد الفكر الاشتراكي - بهيج نصار - دار العالم الثالث، ص 162.
• «4» راجع: مصدر رقم «1».
• «5» أمريكا والعراق والتحدي الذهبي - دار الموقف العربي - عبد العظيم مناف، ص 507.
• «6» موجز تاريخ الولايات المتحدة - ألان نيفينز، هنري ستيل كوماجر - مطابع المكتب المصري الحديث، ص 36.
• «7» نفس المصدر، ص 41.
• «8» المصدر الثالث، ص 200.
• «9» المصدر السابق، ص 328.
• «10» المصدر السابق، ص 329.
• «11» لوكيربي ومحاكمة الأمريكيين - خالد غانم - دار الوفاء، ص 58.
• «12» الدعاية السياسية في العصر الأموي - محمد منير حجاب - دار سعيد، ص 242.
• «13» المرجع السابق، ص 244.
• «14» البرنامج النووي الإسرائيلي والأمن القومي العربي - الهيئة العامة للكتاب - ممدوح حامد، ص 169.
• «15» المرجع الخامس، ص 338.
• «16» المرجع السابق.
• «17» الديمقراطية طبيعتها وقيمتها - هانز كلسن - ترجمة: علي الحمامصي، ص 37.
• «18» المرجع السابق، ص 91.
• «19» المرجع الخامس، ص 99.
• «20» نفس المرجع، ص 121.
• «21» حتى لا تضيع القدس - مجدي شندي.
• «22» الإعلام والتنمية - دار الفكر العربي - محمد سيد أحمد، ص 161.
• «23» المرجع الخامس، ص 215.
• «24» المرجع العشرون، ص 224.
• «25» نفس المصدر، ص 222.
• «26» نفس المصدر، ص 270.
• «27» المرجع الخامس، ص 38.
• «28» المرجع الخامس نفسه.
• «29» على أعتاب الألفية الثالثة - حمدان حمدان - نقلاً عن سان دييجو.
• «30» المرجع الرابع عشر، ص 227.
• «31» المرجع العاشر، ص 228.
• «32» راجع المرجع رقم «22».
• «33» نفس المصدر، ص 198.
• «34» تاريخ أوروبا المعاصرة - مصطفى النحاس.
• «35» موجز تاريخ الولايات المتحدة - مصدر سابق، من ص 37 إلى ص 76 (بتصرف).
• «36» نفس المصدر، ص 46.
• «37» المصدر السابق، ص 48.
• «38» المصدر السابق، ص 201.
• «39» المصدر السابق، ص 811.
• «40» المصدر السابق، ص 140.
• «41» المصدر السابق، ص 696.
• «42» المصدر السابق، ص 702.
• «43» المصدر السابق، ص 702.
• «44» الإمبراطورية الشريرة - مركز يافا للدراسات – خالد السيد وهدان، ص 54.
• «45» نفس المصدر.
• «46» مؤلفات ماو تسي تونغ المختارة – المجلد الأول – دار الشعب – بكين، ص 249.
• «47» المصدر قبل السابق، ص 33.
• «48» موجز تاريخ أمريكا - مصدر سابق، ص 158.
• «49» موجز تاريخ أمريكا – مصدر سابق، ص 35.
مشاركة مميزة
حينما تملكتني عقدة الكومباوندات - سيد أمين
رغم أن روح القانون والدستور المصري ترفض التمييز بين الناس فرادى أو مجموعات على أساس ديني أو عرقي أو اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل التمييز، ...
-
الأصعب من تداعيات النكسة غير المسبوقة التي تعرّضت لها الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 13 يونيو/حزيران الجاري، واغتيال إسرائيل معظم قادة ا...
-
تعاني المجتمعات العربية، ومنها بالطبع المجتمع المصري، ما يشبه الصدمة الاجتماعية الحادة جرّاء عوامل عدة، أبرزها الانتقال المفاجئ من حالة “ال...
-
المصدر: الجزيرة مباشر https://ajm.news/grh97r او على مدونتي الاحتياطية
