السبت، 19 نوفمبر 2016

سيد أمين يكتب : ماذا بعد ثورة الغلابة؟


* نقلا عن هافنجتون بوست
قد لا يحدث شيء في مصر جراء ما سمّوها "ثورة الغلابة"، ولكن في المقابل لا أحد يستطيع أن يجزم بما قد يحدث في مصر خلالالأيام القادمة وبعدَ فشل ثورة الغلابة التي لم يحضرها أحد، فالأوضاع تتقلب انهياراً بشكل سريع لا يخفى على أحد، ولا داعي لمزيد من القول فيه.

لكن ثمة حقائق صارت محسومة على الأقل شعبياً في هذه الأجواء المشحونة بالترقب والأمل والشك والخوف، مفادها أن بقاء الحال هو المحال، وأن النهاية الطبيعية لهذا الطقس إما التغيير طوعاً أو البتر من الجذور، خصوصاً أنه ما عادت أسحار الرجل الإعلامية تجدي نفعاً أو تقنع أحداً من أتباعه مجدداً بضرورة أن يعاني الفقير منهم من أجل أن يبقى الوطن.


ربما كانت تلك الأسحار مجدية حينما أقنعت بعض ضعاف النفوس منهم في لحظات مُرة من تاريخ هذا النظام بأنه يجب أن يموت غيرهم لكي يحيا الوطن، لكن حينما طالت نار الظلم ملابسهم هم كفروا بهذا المفهوم عن الوطن دون تردد.

عموماً قد لا يتحرك الناس في ثورة الغلابة، ولكن ذلك لا يعني أنهم راضون عن أداء تلك السلطة، ولا يعني أيضاً أنهم لن يتحركوا ضدها مستقبلاً، هي فقط مسألة وقت في رأيي.


ثورة الغلابة.. لماذا كنا نحتاجها؟


بالتعرض لنماذج من النقاشات الدائرة في كل ربوع مصر حول الحاجة لحراك جماعي يفرمل تغوُّلَ النظام الحاكم في دهسه للفقراء وكبحه للحريات، وبالإجابة عن التساؤلات حول مبررات اتخاذ السلطة للإجراءات الاقتصادية العنيفة قبل "ثورة الغلابة"، وليس بعدها، وهو الإجراء المنطقي للحيلولة دون خلق ذرائع الحشد الشعبي لها، يتضح أن تلك الدعوة اتفق أغلب المصريين على تأييدها، ولكنهم أيضاً شككوا في قدرتها على النجاح، خاصة مع آلة القمع المتوحشة التي قد تجابهها، بحيث جعلتهم يحددون إمكانية نزولهم لها بناء على إجابة السؤال الأهم فيها وهو: مَن دعا إليها؟ وهو السؤال الذي بناء على إجابته سيعرفون مدى القمع الذي قد يلاقونه.

وهناك أربعة تفسيرات لثورة الغلابة، تفسيران منها يؤكدان أنها حركة أطلقتها قوى الأمن، وتفسير ثالث يقول إنها حراك ثوري بحت، أما الرابع فهو تفسير السلطة لها بـ"المؤامرة".


تصحيح مسار


التفسير الأقوى يقول إنها حركة أسستها قوى من داخل السلطة مناهضة لوجود عبد الفتاح السيسي في الحكم لأسباب كثيرة، إما لفشله، وإما لتزايد الغضب الشعبي عليه، ما ينذر بثورة عارمة تقتلع كل النظام العسكري وربما للأبد، وإما لأنها جعلته يتخذ كل القرارات الاقتصادية الصعبة التي كانت تود اتخاذها وخلقت بها أمراً واقعاً، ثم جابهت حالة الرفض لها بتغييره هو وليس تغييره وإسقاط قراراته معه التي ستجد السلطة الجديدة وقتها مبررات لاستمرارها، مع تقديم حزمة من الإغراءات الشعبية في مجال الإفراج عن المعتقلين، وإسقاط حزم القوانين الجائرة التي تكبل الحريات، وتسلب حقوق المعارضين.

ويساعد هذا الفرض وقائع كثيرة تؤكد أن الجيش هو من خطط للإطاحة بمبارك في ثورة يناير/كانون الثاني، وخطط أيضاً للإطاحة بمرسي في انقلاب يوليو/تموز، وبنفس الطريقة لا مانع أيضاً من أن يخطط للإطاحة بالسيسي في نوفمبر/تشرين الثاني، فضلاً عن كلام يتحدث فيه مصريون كثر -لم أعرف مدى صحته- بشأن علاقة اغتيال العميد الشهيد عادل رجائي، قائد الوحدة المدرعة بدهشور التي سيطرت على القاهرة في ثورة يناير وانقلاب يوليو من قبل، بهذا المخطط، واستغلال الإجراءات الاقتصادية كعوامل تحفيز للثورة، ثم ظهور البرادعي مجدداً بتغريداته حول مجزرتَي رابعة والنهضة، ودعوة المصريين للتوحد، وهو الظهور الذي يسبق التغييرات الكبيرة في السلطة في مصر، وهي التغريدات التي تبعها أيضاً تقرير البرلمان البريطاني الذي برأ الإخوان من الإرهاب، ما يعني ضمنياً تكذيباً لنظام السيسي الذي وصفهم بالإرهاب، وراح يعمل فيهم السيف بناء على ذلك، وكل ذلك يتوافق مع نفور سعودي خليجي واضح من عمليات دعم السيسي التي ظهرت أنها بلا جدوى، ولن تتمكن من إنقاذه من وحلته، فضلاً عن تفاصيل أخرى يصعب أن نناقشها في هذا المجال.

استعراض للقوة

أما السيناريو العسكري الثاني فهو أن نظام السيسي نفسه هو من أطلق تلك الدعوات، وقد سبقها اتخاذه القرارات الاقتصادية وكان الهدف من ذلك إرسال رسالة للداخل والخارج وحلفائه الغربيين بأنه يقبض على زمام البلاد جيداً ولا خوف من الثورة عليه، وعليهم دعم نظامه بالمساعدات اللازمة لإنجاحه بدلاً من الندم على تفريطهم السريع فيه، وأن فكرة انهياره لأسباب تعود للداخل بعيدة المنال.

كما أن البعض الذي يروج لهذا الطرح يقول أيضاً إنه قد يتخذها ذريعة للتخلص من معارضيه جملة وتفصيلاً، ويعمل فيهم السيف والرصاص، مع تبرير نزول الجيش للميادين مجدداً حتى مرور ذكرى ثورة يناير العام المقبل، ويكبح من خلال ذلك أي رفض لارتفاع الأسعار، ويضمن أيضاً استقرار سعر صرف الدولار، وتقبل الناس لذلك.


حراك ثوري


أما ثالث التفسيرات فهو أنها حراك ثوري بحت جاء احتجاجاً على السحق غير المسبوق للفقراء، والتردي غير المسبوق أيضاً في الحريات، والاستهانة البالغة بالحياة الإنسانية للمصريين، ورغم أن تلك المبررات وجدت أصلاً منذ أن وجد الانقلاب، فإن الجديد هنا هو انضمام طوابير هائلة جديدة من المسحوقين البسطاء الذين كانوا يمثلون كنزاً استراتيجياً للثورة المضادة إلى صفوف الثورة، ويجب هنا استغلالهم للسير في المسار الصحيح، بدلاً من المسار الخطأ، بما يخدمهم ويخدم معهم الوطن.

مؤامرة


ويبقى أيضاً التفسير الرابع المعتاد الذي تطلقه كل السلطات الاستبدادية في العالم تجاه دعوات معارضيها بأنهم قلة مأجورة متآمرة تستغل عمليات التحول الديمقراطي والبناء الاقتصادي التي تمر بها البلاد لإثارة الفتن والقلاقل من أجل إعاقة نجاحاتها، وتدعمها في ذلك قوى خارجية.

وتفوق النظام الحاكم في مصر على أقرانه الدوليين بالتأكيد بأنها تأتي في إطار مؤامرة يقودها مجلس إدارة العالم "الخفي" ضد مصر وضد قيادتها الحكيمة.

عموماً مثل هذه الأكليشيهات خفت بريقها، وفقدت داعميها من هزلية تكرارها، وبسبب الانفتاح الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي.

الجمعة، 18 نوفمبر 2016

سيد أمين يكتب : الافرازات الضارة للديمقراطية


آخر تحديث : الجمعة 18 نوفمبر 2016   21:08 مكة المكرمة
فجر الزلزال المدوى الذى أفرزته الانتخابات الأمريكية ، ووصول مرشح صاحب توجهات عنصرية لا تتفق مع معاييرالديمقراطية إلى كرسي حكم العاصمة التى تقود الكون تقريبا، عبر وسائل ديمقراطية خالصة، تساؤلات مدوية في شرق العالم وغربه حول الإفرازات الضارة المحتملة للديمقراطية ونظام حكم الأغلبية.
وهذا النتاج ليس الأول من نوعه حيث يشهد التاريخ أن الزعيم القومى أدولف هتلر وحزبه النازى– اختصارا لكلمة حزب العمال الاشتراكى الوطنى- الذى تسببت قيادته لألمانيا في اندلاع ثانى الحروب العالمية ومقتل نحو مئة وخمسين مليون شخص حول العالم ، صعد للحكم بانتخابات ديمقراطية خالصة، بل وحاز فيها على نسبة 84.6% من الناخبين، لكن ذلك قد ساعده فيه الغبن القومى الذى وقع على الألمان جراء الوصاية التى فرضتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى.
كما أن اليميني الإيطالي المتطرف أندريا موسولينى زعيم الحزب الفاشي– حزب العمال والجنود – قد وصل للحكم تحت رعاية ديمقراطية واسعة ليشارك في كبريات المآسي الانسانية في ليبيا والحبشة ويكون قطبا من أقطاب الحرب العالمية الثانية.
ولكن قبل الحديث عن أخطاء الديمقراطية ينبغي بداية رثاء حالنا ، فبينما نحن في القرن الحادى والعشرين، نناضل في وطننا العربي للوصول لحالة ترسيخ تعريفها والإقناع بها، نجد أن الديمقراطية التى أسس لها نظام الحكم الأمريكى وحلفاؤه الغربيون منذ مئتى عام تقريبا أو يزيد، قد تجاوزت حالة الرسوخ في وجدان الناس لدرجة أنها لما تمكنت من افراز أسوأ منتجاتها احترموها، وعملوا أيضا على تهذيبها وتجنيب مخاطرها حتى وإن كانت شطحاتها لا تمسهم هم بالأذى، وأسقطوها بالديمقراطية وليس الانقلاب.

عيوب الديمقراطية
للديمقراطية أخطاء وعيوب لا شك، والتى من أخطرها مثلا أنه من الممكن خداع الجماهير وتضليلها تحت دعاوى زائفة وتحفيزها لاتخاذ مسارات مغايرة لتلك التى تؤمن بها أو ترغبها أو تلبي احتياجاتها فعلا، واستغلال جهلها أو حاجتها المادية أو اكراهها بالقوة أو بالحيل وبالحرب والإكراه النفسي للتصويت في صناديق الاقتراع في اتجاه معين.
ولذلك فان الديمقراطية تحتاج من ضمن أهم ما تحتاج درجة كاملة من الوعى والمعرفة والحرية ، وبدونهم ستكون كل تصرفات العمل الديمقراطى نوعا من أنواع التزوير، الذي يحرم المواطن من معرفة الحقيقة كاملة ثم يقدم له الاختيارات مشوهة ليختار من بينها.
كما أن للديمقراطية أيضا عيب أخر أكثر خطورة وهو ما يمكن أن نسميه بـ"عيوب المساواة المطلقة في الأمور المتخصصة"، فمثلا لو أجرينا استفتاءا حول اللجوء لاستخدامات الطاقة الذرية في مصر هنا يصبح من المضحك أن نساوى بين رأى الفلاح أو العامل أو الصحفي أو المدرس مع رأى عالم الفيزياء أو الكيمياء أو المهندس ، وحتى في الشأن العام بكل تنوعاته ، قد يكون من المخزى المساواة بين رأى من يملك وعيا  وبين من لا يملكه ونسوى بينهما في صندوق الانتخاب على ندرة "الواعين".
وأيضا من أبرز عيوب الديمقراطية ونظام حكم الأغلبية ما يمكن تسميتها بـ"ديكتاتورية الأغلبية " والتى تجعل الأغلبية تفرض ارادتها على الأقلية ، حتى إن قاربتها في أعدادها، وإن صحت وجهة نظر الأقلية ، وتجارب التاريخ في ذلك تشهد.

خيار لابد منه
تأول النظم المستبدة - وهى كثيرة في وطننا العربي المنكوب – مثل تلك الانتقادات وتنزعها نزعها من سياقها لتتخذها ذريعة فلسفية للانقضاض على الديمقراطية ولتسويغ استبدادها.
ومن العجب أنه في اطار الرسائل المتتالية التى تبعث بها تلك النظم إلى الغرب للتأكيد بأن شعبنا العربي يرفض الديمقراطية التى لن تأتى إلا بأعدائه ، وأنه يدافع عن الزعامات العسكرية ومقتنع بها ، استغلت السلطة العسكرية الحاكمة في مصر في خمسينيات القرن الماضى جهل الجماهير وراحت تحشدهم للنزول بالملايين للتعبير عن رفضهم للديمقراطية والهتاف ضدها بوصفها بدعة استعمارية جديدة ، يا للخجل.
كل مثل تلك الهرطقات في الواقع هى في سبيل اللغو المردود عليه بأن خطأ أفرزته حركة ديمقراطية هو خير من صواب أفرزه حكم مستبد، لأن الديمقراطية تصوب توجهاتها وتحمى مبادئها، المهم أن تتمسك الشعوب بها.
 الفلسفة الغربية ناقشت مثل تلك الاشكاليات قبلنا بمئات السنين، وبعد دمار شديد عاشته الحضارة الغربية كذلك الذى تعيشه أمتنا العربية الآن جراء الصراع بين الجديد والقديم، استقر في وجدان الناس أنه لا خلاص للبشرية سوى الاحتكام لإرادة الشعوب واحترام أفكار الناس جميعا وعقائدهم وحقهم في الحكم ، وما أن ترسخ هذا الوعى حتى قفزت أوربا من الظلام إلى النور.
جاء ذلك رغم أن الاستبداد في عصور الظلمات الغربية لم يكن تحت رعاية عسكرية فحسب كما هو حالنا، ولكن كانت سلطة الكنيسة الدينية الروحية أشد جلدا لظهور الناس من سياط الحاكم المستبد ونبلائه ونخبته، وهو ما يعنى بشكل جازم أن العبء الملقي على ظهور دعاة الديمقراطية في مصر والوطن العربي أقل بكثير من العبء الذى ألقي على كاهل المواطن الغربي في عصوره الوسطى، ما يعنى أيضا أن امكانات النجاح هنا أعلى وأكبر لكوننا نواجه فاشية واحدة لا فاشيتين.
أعتقد أنه رغم قساوة المشهد الدموى والفوضوى الذى تعيشه أمتنا العربية الأن، ورغم التعثر والإحباط، فإن المستقبل محسوم للديمقراطية بلا شك.

لقراء المقال على الجزيرة مباشر اضفط هنا

 

الأحد، 6 نوفمبر 2016

تساؤلات حول "غضبة" سامح عاشور

*نقلا عن مصر العربية
موقف محترم ذلك الذي تتخذه نقابة المحامين المصريين ونقيبها الأستاذ سامح عاشور بحق ضريبة الدمغة المضافة وتصدرها رفض المجتمع لهذا النوع من الجباية المقننة.
وفي الحقيقة هذا الموقف ليس مستغربًا بتاتًا على نقابة محامي مصر، فهي التي ناضلت دفاعًا عن سيادة القانون نضالاً شرسًا في أحلك فترات الظلام، ومنها مقاومة الاحتلال الإنجليزي والاستبداد العسكري ما بعد خمسينيات القرن الماضى.
ولعبت أدواراً بارزة في الحياة السياسية ، فكان معظم قيادات مصر من خريجي كلية الحقوق ومنتسبي تلك النقابة التي كان الانتساب إليها، وربما ما زال مدعاة للفخر والشرف، وهو ما يفسر الارتباط التاريخى بين تلك النقابة والعمل السياسي والحزبي، ولعل ذلك ما تسبب في نشوء صدام دائم بينها وبين السلطة أدى إلى قيام الأخيرة بحلها بأمر مباشر ثلاثة مرات، الأولى سنة ١٩٥٤ بسبب صدام بين المجلس وبين قادة حركة يوليو، والثانية سنة ١٩٧١ بسبب رفضها الاعتراف بما أسميت بـ"ثورة التصحيح"، والثالثة سنة ١٩٨١ بسبب رفضها توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
كما فرضت الحراسة القضائية عدة مرات عليها كان أبرزها في عام 1995 بعد نشوب أزمة بينها وبين والحكومة، على خلفية مقتل محامٍ داخل قسم شرطة، انتهي بالقبض على 3 محامين في النقابة
اندهاش مستحق
كل ذلك ليس غريبًا على نقابة المحامين قلعة الحريات الأول في مصر، ولكن المستغرب هو أن يتحول موقف نقيبها الأستاذ سامح عاشور هذا التحول الكبير من نظام الحكم القائم، خاصة أنه كان واحدًا من أهم رجالات هذا النظام، والتزم الصمت تجاه كل الانتهاكات المروعة والقضايا المصيرية التي ارتكبها هذا النظام.
الاستغراب مستحق أيضًا لأن القضية التي ثار لها الرجل لم تكن بذات الشأن من الفداحة والأهمية التي نالتها قضايا أخرى في المجتمع تستدعى الثورة اللانسانية المهدرة أو حق الإنسان الأساسي في الحياة، والتي أهدرته سلسلة المذابح الأكبر في كل تاريخ مصر والتي جرت في الأعوام الثلاثة الماضية مثل رابعة والنهضة ورمسيس1و2 والمنصة والحرس الجمهوري وغيرها.
ولم تكن أيضًا قضية تمسّ تقييد حقوق وحريات المجتمع تستدعى معارك قانونية هو ونقابته أهل لها ولكنهم صمتوا عنها، والتي مثلتها قوانين تحضّ على العنصرية والإقصاء مثل قوانين "الارهاب"، والكيانات الإرهابية، وقوانين التظاهر، وتقييد الجمعيات الأهلية ، ومنظمات المجتمع المدني، والحق في التجمع، وتبادل المعرفة، والحق في الاحتجاج والإضراب.
ولم تكن أيضًا قضية كرامة وطنية، فقد التزم الصمت في قضايا التنازل عن جزيرة "تشيوس" المصرية وحقول غاز أخرى في البحر الأبيض لليونان، وما يتردد عن سيطرتها أيضا على المناطق المقدسة في سانت كاترين بسيناء، ولم تثره أيضًا قضية تيران وصنافير، ولا بيع ملايين الكيلومترات لدول أجنبية وعربية ، ولا أفواج المفتشين الأجانب على المطارات والموانئ ، ولا التنازل عن مياه النيل التي تمثل الشريان الحيوي لمصر.
ولم تأتِ في إطار قضية الصراع العربي الاسرائيلي الذى صمت حيالها النقيب "الناصري" بينما السلام الدافئ مع إسرائيل يتسارع ويترسخ ويأخذ مشروعية، ووفود المطبعين تمتد، وحصار الشعب الفلسطيني يشتد.
ولم تكن حتى قضية نقابية، ما كان لأحد أن يلومه أبدًا لو صال وجال فيها، فهي نقابة الحقوق والحريات وهو نقيب دعاة الحقوق والحريات المخول به وبها قبل الدفاع عن حقوق المجتمع كله أن تدافع بشراسة عن حقوق أعضائها أولا، وهو ما لم يحدث للأسف، فبحسب إحصائيات منظمات حقوقية يوجد نحو 250 محاميًا معتقلاً بعضهم ينتظر الاعدام، وهناك مئات المحامين هاربون خارج البلاد وداخلها خوفا من محاكمات غير عادلة، وهناك قوانينا تسن للتضييق على العمل الحقوقي والقانوني.
وهناك محامون تعرضوا للقتل تعذيبًا في أقسام الشرطة، نرجو أن تكون تبرئة قاتل أحدهم تزامنًا مع غضبة النقابة على قانون الدمغة المضافة جاءت من قبيل الصدفة وليس السخرية والتحدي، أو حتى المساعدة في صناعة صورة ذهنية عن صدقية هذا الصراع بين النقابة والنظام.
تفسيرات منطقية
"لفت الانتباه" و"تجزئة الغضب" و"الاعتماد على الغير" هي من "تقنيات" العمل السياسي والدعائي الذى تستخدمه السلطة للسيطرة على الصراع، وحرفه عن مساراته الطبيعية، لعلّ فهمها وفهم تقنيات الدعاية الأخرى يمكن يفسر لنا ما يجري في نقابة المحامين الآن.
حيث يتيح أسلوب "لفت الانتباه" للسلطة أن تحول اهتمام الجماهير إلى مسارات بديلة تشغلهم عن القضايا الأهم، وهو أسلوب صار مبتذلاً ومفهومًا للكثيرين من العامة نظرًا لفرط استخدامه، فيما يقوم أسلوب "تجزئة الغضب" بتفريغ شحنة الغضب الجماهيري على مراحل ما يفقده قوته الكاسحة، ويأتي أسلوب "الاعتماد على الغير" من أخطر تلك الأساليب حيث يهدف إلى استثمار مناخ الخوف السائد في المجتمع والذى تمت صناعته بجدارة، إلى دفع الجماهير إلى التكاسل والاتكالية والاعتماد على حراك يقوم به غيرهم في إبراز غضبهم، دون أن يدركوا أن النوايا الحقيقية لبعض ممن يقومون بهذا الحراك "المستأنث" هي دفعهم للاعتراف بالهزيمة والتعايش مع الأمر الواقع.
في إطار نظرية المؤامرة، وهى في الحقيقة نظرية محترمة، قد يكون ذلك تفسيرًا لما يجري في نقابة المحامين، وقد يكون أيضًا تعبيرًا عن صراع بين الأجهزة، وقد يكون ذلك قفزًا من سفينة السيسي الغارقة.
كل ذلك محتملاً في تفسير تلك "الغضبة" إلا تفسيرًا واحدًا أنا شخصيا أستبعده، وهي أن تكون انتفاضة ضد ضريبة الدمغة المضافة.