سيد أمين يكتب: التأصيل الفكري والنظري للاستعمار بالوكالة

 الاستعمار بالوكالة هو الطريقة الحديثة التي اتبعتها القوى الاستعمارية عقب انسحابها الظاهري من مستعمراتها القديمة، وتقوم فكرتها على الحكم من خلال العملاء المحليين، بعد توصيلهم إلى أعلى درجات السلطة، ومن ثمّ يخدّمون على مصالحهم ويأتمرون بأمرهم.
 هذه الطريقة ليست مُبتكرة كليًا وقد فعلها كثير من الإمبراطوريات القديمة، حيث كانت تحافظ على وجود ممالك تبدو مستقلة، تنتهج نهجها أو تعترف بعرقيتها في مناطق التماس بينها وبين الإمبراطوريات المنافسة، تكون في الغالب كبش فداء أو قوة متقدمة تعرقل العدو.
 أما ما جرى أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ومع تنامي قوة الاتحاد السوفييتي والصين ودخولهما معترك التوسع الخارجي، واعتمادهما طريقة كسب الحلفاء عبر تبني دعوات الثورة والتحرر، كان من الضروري التخلص من نظام الاستعمار القديم واللجوء للاستعمار بالوكالة.


تأصيل فكري


هذه الطريقة أشار إليها المفكر الإيطالي نيقولا ميكافيلي في الطريقة الثالثة للسيطرة على المستعمرات، حيث نصح ميكافيلي أميره في كتابه "الأمير" بأنه طالما كان يريد من غزو الإمارة المعادية النفوذ والثروة، فإنه يمكنه الحصول على ذلك مع تجنب الخسائر، عبر دعم التمرد فيها عسكريًا، ومن ثمّ غزوها والتنكيل بالأغلبية والشخصيات الأكثر مهابة واحترامًا فيها وكسر هيبتهم، ثم تنصيب الفئات الأكثر دونية منها حكامًا عليها، وبالتالي فإن هؤلاء الحكام الجدد سيحتمون به من شعبهم، ويقمعون شعوبهم بدلاً منه، ويقدمون له ثروات بلادهم ويأتمرون بأمره، لأنه لولا دعمه لهم ما تمكنوا واستمروا في الحكم. 

ويشير مراقبون إلى أن اتفاقية برنز- تمبلر التي وُقعت في حزيران/ يونيو 1951، والتي قيل إنها اتفاقيات أمنية وعسكرية نظمت تبادل المعلومات العسكرية السرية، وحددت آليات حمايتها، ومنعت الكشف عنها لأي طرف ثالث، تضمنت اتفاقًا أهم وهو تنازل بريطانيا عن مستعمراتها القديمة للولايات المتحدة متجنبة المواجهة فيها مع طموحات التمدد السوفييتية والصينية، ما يفسر سر الجلاء البريطاني الوديع من مستعمراتها في العالم، وما ترافق معها أو سبقها أو لحقها من انقلابات عسكرية في العالم منتصف القرن الماضي.

 قامت الولايات المتحدة بالتوسع في هذه الطريقة، لاسيما أنها صاحبة وعد ويلسون عام 1918 الذي وعد فيه الرئيس الأميركي بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولعل الممارسات الأميركية التالية أكدت أنها رأتها الأنسب للوجاهة التي تريد تقديم نفسها بها للعالم بعد الانتصار في الحرب العالمية الأولى. 

وكان جاك فوكار أشهر الشخصيات التي اعتمدت عليها فرنسا في تنفيذ المخطط واللحاق بالركب البريطاني والأميركي، حيث قام الرجل وهو سياسي ورجل أعمال فرنسي شهير بتأسيس جهاز الشؤون الأفريقية في أروقة المخابرات الفرنسية ومن خلاله أدارت فرنسا مستعمراتها التي جلت عنها شكليًا، ووصفته صحيفة نيويورك تايمز في يوم وفاته في 19 آذار/ مارس 1997 بأنه العقل المدبر للنظرية ومن خلال طريقته تمكنت فرنسا من حكم أفريقيا دون عودة للقتال المباشر.


طرق الحكم بالوكالة


رغم أن الحكم بالوراثة والحكم العسكري هما النموذجان الشائعان لتنفيذ هذا النوع من الاستعمار، إلا أن الحكم العسكري هو الأكثر إخلاصًا لتنفيذه، وذلك أن حكام الوراثة أكثر استقرارًا وأمانًا، ولا يخشى رجاله الإزاحة من الحكم بسبب عملية انتخابية يتحكم فيها المستعمر، وقد أزالوا القلاقل مع طول فترة الحكم، وكسبوا بعد عناء البطانة الشعبية التي تلتف حولهم، وبالتالي فهم الأكثر ضجرًا من أن يشاركهم فيه آخرون، وقد يتذمرون في أي لحظة عن تنفيذ الإملاءات اعتمادًا على شعبيتهم، هنا تظهر أدوار “الحاميات” أو ما يُعرف حاليًا بالقواعد العسكرية، وهي في الواقع عوامل تهديد لهذه النظم أكثر بكثير من كونها عوامل حماية، ورغم ذلك يمكن التمرد عليها.

 أما الحكم العسكري، فإن رجاله مؤقتون، متصارعون في ما بينهم حتى وإن بدا الأمر غير ذلك، ويخشى بعضهم بعضًا، وبالتالي فهم لا يملكون إمكانية التمرد وتحمل تكلفته من أرواحهم وثرواتهم، وعلى طريقة الجزرة والعصا لذلك يكتفون بالتنعم بالثروة والنفوذ لهم ولأسرهم ويقضمون الجزرة. ولعل الأكثر تأثيرًا في هذا النظام هو الأكثر ولاءً للمستعمر، وغالبًا ما يكون تم إعداده للحكم قبل سنوات طويلة من تقلده إياه رسميًا، بناءً على مواصفات فكرية وثقافية ودينية معينة.


طرق الإعداد


تصعيد المسطحين والجهلة في العملية السياسية، هو أهم طرق إعداد من يخدمون نظام الاستعمار بالوكالة نظرًا لكونها تنتج القاعدة الشعبية العريضة التي تحمي نخبة هذا الحكم، وهم في كثير من الأحيان لا يعلمون أنهم يخدمون التبعية، حيث تحركهم مشاعرهم الصادقة والدعايات الوطنية لسلوك مسالكهم، لكن هؤلاء لا يمكن تصعيدهم للمراحل المؤثرة في الحكم خوفًا من استفاقتهم فيمثلون شوكة في ظهر النظام الاستعماري الجديد.

 يلي ذلك فئة الانتهازيين وأصحاب المطامع الشخصية، وهم الفئة الأكثر انتشارًا، واستطاعوا بذكائهم الوصول لكثير من حقيقة النظام، ومع ذلك لا يمكن أيضًا الوثوق بهم للوصول إلى المراحل النهائية، وذلك لأن المستعمر قد يخشى أن ينقلبوا عليه متى وجدوا من يدفع أكثر.

 ثم المحور، وهم الفئة الأضيق والأكثر إخلاصًا لخدمة النظام، وهم يعلمون حقيقته تمامًا، لكن لهم دوافع أخرى لحمايته والانخراط فيه بجانب المكاسب المادية والنفوذ الأوسع الذي يتمتعون به فعلاً، وغالبًا ما يكونون في حالة ميل للقمع الشديد نظرًا لمعرفتهم أنهم محور المؤامرة، وبالتالي فهم محور الانتقام أو المقاومة، ويتفشى بين هؤلاء الخوف من بعضهم البعض لاعتقاد كل منهم أنه قد يكون قربانًا لتهدئة الرأي العام، أو أن يُستبدل بشخصيات جديدة تخدع الرأي العام متى انكشف جزء من أمرهم. 

ويتم استغلال حالة الفساد في المجتمع- والتي تتم صناعتها باعتناء من أجل شغل الشعب في ذاته- في صناعة أعداد هائلة من قاعدة النظام الجديد، هؤلاء الذين يضطرهم سوء الظروف المادية أو الاجتماعية للتغاضي عن الفساد وأحيانًا اعتباره الملجأ الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

 ومن خلال هؤلاء الموظفين الصغار الذين اضطرتهم ظروفهم للتكيف مع الفساد، تغرس نبتة كبار العملاء، ويسمح لهم بالتجذر في الجهاز الإداري للدولة، من ثم تصعيد صفوتهم المختارين والأكثر ولاءً للمستعمر من الصفر حتى القمة. لذلك يمكننا اعتبار أن الفساد الصغير ينجم عنه خيانة كبيرة، وأن النظم الفاسدة هي بلا شك من تطرح ثمارًا رعاها ويقطفها الأعداء. 

التبعية لا تنمو إلا في الأرض البور.

نقلا عن العربي الجديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق