ينما نشاهد نتائج الانتخابات الأميركية، تزداد القناعة داخلياً وخارجياً بأنّ كل نظريات الحكم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار - أو الشمال إن شئت - في وطننا العربي تسقط سقوطاً مدوياً أمام حقيقة أنّها نظم حكم استبدادية مستقرة. ويأتي هذا الاستقرار في صورته السلبية، بمعنى أنه لا يعبر عن استقرار رسوخ وقناعة وإيمان، ولكنه استقرار تسليم بأنه لا مخرج ولا فكاك من حالة الخضوع للاستبداد، فقط يصلح معه محاولة تهذيبه ليكو
ن أقل توحشاً ليتمكن الناس من التعايش معه والتغاضي عن خطاياه، باعتبارها فقط مجرد زلات يمكن تمريرها.وبالتالي فإن رفاهية تنوع الأفكار ومحاولة تجريبها والتنقل خلالها واختيار الأصلح بينها غير موجودة في قواميسنا السياسية العربية، لسبب بديهي وهو أنّ الأحزاب - وهي الحواضن الطبيعية للأفكار السياسية - ولدت ميتة في الأساس، وتكراراً في مجملها لحزب واحد، وهو حزب الاستبداد الأصلي، بينما يقتصر الصراع الدائر بينها حول الأشخاص وليس الأفكار.ولذلك تنعدم قدرة تلك الأحزاب على التغيير، ليس لأنها غير قادرة فقط، ولكن أيضاً لأنها غير راغبة وغير مدركة لطبيعة أدوارها الافتراضية، وقانعة بدورها الوظيفي في تزيين حزب الاستبداد وإمداده بالشرعية مع اقتناص ما يجود به من فتات كعكة الفساد.
ن أقل توحشاً ليتمكن الناس من التعايش معه والتغاضي عن خطاياه، باعتبارها فقط مجرد زلات يمكن تمريرها.وبالتالي فإن رفاهية تنوع الأفكار ومحاولة تجريبها والتنقل خلالها واختيار الأصلح بينها غير موجودة في قواميسنا السياسية العربية، لسبب بديهي وهو أنّ الأحزاب - وهي الحواضن الطبيعية للأفكار السياسية - ولدت ميتة في الأساس، وتكراراً في مجملها لحزب واحد، وهو حزب الاستبداد الأصلي، بينما يقتصر الصراع الدائر بينها حول الأشخاص وليس الأفكار.ولذلك تنعدم قدرة تلك الأحزاب على التغيير، ليس لأنها غير قادرة فقط، ولكن أيضاً لأنها غير راغبة وغير مدركة لطبيعة أدوارها الافتراضية، وقانعة بدورها الوظيفي في تزيين حزب الاستبداد وإمداده بالشرعية مع اقتناص ما يجود به من فتات كعكة الفساد.
المشكلة الحزبية في وطننا العربي أنها صنعت في حضانات السلطة وبإشرافها، وأنها شكلية وليست فرزاً لرغبة قطاعات ذات وزن من الشعب، وبالتالي أصابها ما أصاب السلطة من كونها لا تعبر في مجملها عن إرادة الجماهير.
النتائج الخطرة
هذه الحالة المزرية من العمل "الشبيه" بالسياسي، وإسناده إلى من لا يفهمه، أغلقت المجال أمام مستحقيه، ووضعت البلاد والعباد أمام مسارات خطرة، تتفق في أنها تقود إلى كارثة حقيقية تضرب السلم الاجتماعي والوطني في مقتل، حيث كفرت الجماهير بالعمل الديمقراطي، وصارت تساوي في وعيها اللاإرادي بين السياسي وبين الانتهازي أو النصاب.
وكانت نتيجة هذا أن كبرت "الأنا" لدى قطاعات من الناس، وضمُرت مساحة الولاء والانتماء في القلوب، وعلت قيمة المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية التي تحول اعتبار الاهتمام بها إلى نوع من السفه، بينما اختزلتها السلطات الرسمية ونخبها وذبابها الإلكتروني إلى مجرد أعلام ورايات وشعارات يعرف الجميع أنها جوفاء وكاذبة، خاصة أنها تأتي من أشخاص غالباً ما يعرف الناس أنهم ليسوا فوق مستوى الشبهات.
الأحزاب السياسية في وطننا العربي ولدت ميتة وتكراراً لحزب الاستبداد الأصلي، والصراع فيها يدور حول الأشخاص لا الأفكار، مما جعلها عاجزة عن أي تغييركانت النتيجة حالة الانهيار الاجتماعي والفكري والوطني في كثير من المجتمعات العربية، والتي سبَّبت استسهال البعض انتهاك كل الموبقات التي كانت حتى وقت قريب من المقدسات، عبر تجارة الآثار والمخدرات والدعارة وتجارة الأعضاء، انتهاء بالعمالة لعدو الأمة الأصلي والتقليدي، بل ترويجه بوصفه انفتاحاً حضارياً.
هذا مسار من المسارات التي يستسهل البعض مردوداتها الوطنية ويغض عنها الطرف رغم بالغ خطورتها، بينما يبقى هناك مسار آخر أشد خطورة، وهو مسار التغيير بالعنف المنظم الذي يلجأ إليه من لا يستطيع التعبير عن نفسه.نحن هنا لا نقصد العصابات المسلحة التي تعتمد العنف لممارسة أعمال النهب والسرقة والاغتيالات والجريمة المنظمة، ولكن نقصد تلك المجموعات الفكرية التي تنزع عنها الوطنية، وتحرم قسراً من حقها السياسي في أوطانها من دون مسوغات مقبولة، فتلجأ إلى تشكيل قوة مسلحة تحمي شعبها، كما هو الحال في كثير من الدول العربية.
هذه النتيجة كان يمكن الاستغناء عنها بسهولة من خلال عملية يستفيد منها الجميع اسمها الديمقراطية.
حكم الأغلبية
حكم الأغلبية أحد أهم مظاهر التعبير عن الديمقراطية، يضمن في حد ذاته حل كل المشكلات التي تواجه الأوطان بما توفره طريقة الإدارة الجماعية من تعزيز مشاعر الولاء والانتماء والأمان، وما يخلفه ذلك من إبداع وإيثار وتضحية، فضلاً عن أنه يعالج حتى تلك التي تتعلق بالأقليات العرقية والدينية؛ وذلك لأن الديمقراطية كما تضمن للأغلبية الحق في قيادة الوطن، فإنها لا تحرم الأقليات من المشاركة فيه طبقاً لمعايير المواطنة والكفاءة والخبرة والعمل الديمقراطي، ويضمن أيضاً لها التعبير عن هويتها بوصفها عملاً من أعمال الحريات المكفولة لكل أبناء الوطن.
معلوم أن حزب الاستبداد الحاكم في معظم الدول العربية لا يعنيه تمثيل الأغلبية أو الأقلية؛ لأن منهجيته قائمة في الواقع على استقطاب الفاسدين من كل التيارات والتجمعات والاستفادة منهم، وبالتالي حقق معياراً شكلياً للديمقراطية، ولكن بطريقة سلبية تم من خلالها التنكيل بالمجتمع أغلبيته وأقليته وخرج الجميع بسببه خاسرين.
قضية العدالة
نظرياً تبدو قضية الاستبداد في مجملها لصيقة بالنظم الوراثية، وأن الدواء الأنجع للشفاء منها في النظم الجمهورية، لكن عملياً الأمر اختلف تماماً، حيث قام حزب الاستبداد في هذه النظم في وطننا العربي بتخريب مسألة تداول السلطة، وتخريب مسألة الديمقراطية على النحو السالف ذكره، منتجاً حياة سياسية مزيفة، تبدو صحيحة شكلاً، ولكنها تفتقد أي قيمة ديمقراطية روحاً ومضموناً، وهدف الحزب من ذلك إدامة سيطرته على البلاد ومقدراتها، مع نهبه ما يمكنه نهبه استعداداً لساعة الرحيل.
في حين أن النظم الوراثية، وهي نظم مستقرة يمكنها تحقيق الديمقراطية باتباع النظام الدستوري الفعلي، الذي يقوم فيه الحاكم بضمان ديمقراطية الحياة السياسية لتصبح معبرة عن الشعب وليس عن إرادته هو، بينما يقرر الشعب إرادته السياسية كاملة في كل المواقف كما في الممالك الأوروبية وأهمها بريطانيا.
نحن في حاجة ماسة إلى بلورة حكم سياسي رشيد يخرج شعوبنا من دوامة القهر والعبودية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق