بزوغ نجم إفريقي جديد في بوركينا فاسو- سيد أمين

 


رغم أنه لم يمضِ على تسلُّمه السلطة سوى عامين وأشهُر، فقد استطاع الجنرال الشاب إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو، البالغ من العمر 37 عامًا، أن يلهب مشاعر التحرر والنهضة، ليس لدى شعبه فقط، بل لدى شعوب القارة السمراء التي لطالما رزحت تحت نير الاستكانة والعبودية قرونًا، وكأنها ارتأت فيه زعامة يمكن لها أن تصطف مع شوامخ أبنائها المخلصين مثل جنوب إفريقيا مانديلا، والغاني نكروما، والأنغولية الملكة نزينغا، والليبي القذافي، والمصري عبد الناصر، خاصة مع اتخاذه الخطوات نفسها، من مطلب الاستقلال حتى مساعي التنمية وإعادة ثروات البلاد إلى شعبها، وهو اللبنة الأساسية لخطط الإصلاح الاقتصادي.
يعزز ذلك سلوكيات ينظر إليها الشباب بإجلال، مثل بساطته وعدم تكلُّفه، وحفظه للقرآن الكريم، وبلاغته السياسية، إضافة إلى قوة خطابه وشعاراته واستجابته السريعة لمطالب الجماهير.
وقد بدأت مسيرته السياسية حينما وصل إلى السلطة إثر قيادته انقلابًا عسكريًّا عام 2022 ضد سلطة عسكرية جاءت هي الأخرى بانقلاب عام 2021، في بلد أو قُل في قارة تمثل الانقلابات العسكرية فيها وسيلة تداول الحكم الوحيدة. وقد أحبط محاولات عدة للانقلاب عليه رغم قِصر مدة حكمه.
استغل فشل السلطة العسكرية السابقة وإغراقها البلاد في حالة من الفساد والفوضى وضعف السلطة المركزية لينفذ انقلابه وسط ترحيب شعبي كبير، وبعد ذلك بدأ برنامجه بسياسات تتخذ من الاستقلال والعدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي خطوطها العريضة.


معركة الاستقلال

ما إن استقر حكم هذا الشاب المتشبع بالثقافة الإسلامية حتى قرر طرد القواعد العسكرية الفرنسية من البلاد، وكانت تلك القواعد تمثل مركز الحكم الاستعماري الحقيقي، وكان مَن سبقوه من الجنرالات يرون كسب ثقتها صكًّا للبقاء طويلًا في الحكم دون منازع. فكشف هذا القرار عن شخصيته القوية لدى شباب بلاده الذين كانت تراودهم أحلام التحرير من الهيمنة الفرنسية، فتعلقوا به لدرجة أنهم نظموا حركات شعبية لتأمين جولاته الميدانية خوفًا عليه من الاغتيال.
ثم قام في أغسطس/آب الماضي بطرد مشروع “تارجت ملاريا” الذي أطلقته شركة “بيل وماليندا” التابعة للملياردير الأمريكي بيل غيتس عام 2019، وهو المشروع المعني بإجراء التجارب لتعديل إناث البعوض وراثيًّا بهدف محاربة الملاريا، الذي حذرت جهات بحثية وبرلمانية من أنه -حال فشله- قد يعرّض أمن البلاد الصحي لأخطار جسيمة، بخلاف تحويلها إلى مختبر لتجارب بيولوجية غربية.
وخطا تراوري خطوة أخرى نحو تفكيك الإرث الاستعماري الفرنسي عبر الجنوح ببلاده بعيدًا عن مجموعة الفرنك الإفريقي، التي تضم 12 دولة إفريقية، والتي أنشأتها فرنسا في الحقبة الاستعمارية بما يعود بالنفع الاقتصادي لها على حساب الشعوب الإفريقية، وذلك من خلال قيامه العام الماضي بافتتاح بنك وطني برأس مال 15 مليار فرنك إفريقي.
ومن القرارات اللافتة لتوجهاته المحافظة على التراث الإفريقي، قيامه بخلع الثوب الاستعماري بمعناه الحرفي، إذ أمر بإلغاء نظام فرضه الاستعمار الفرنسي على البلاد يحتّم على الماثلين أمام المحاكم ارتداء ملابس أوروبية، ويُلزم القضاة والمحامين بارتداء أغطية رأس ذات شعر مستعار، فسمح بارتداء الأزياء الوطنية للجميع، وعمَّم هذا القرار على المدارس والمصالح الحكومية.


الاستقلال الاقتصادي

وفي خلال عامين فقط من حكمه، نفذ خططًا للسيطرة الوطنية على موارد الدولة المعدنية عبر افتتاح مصفاة ذهب وتأميم منجمَين آخرَين وتحريرهما من السيطرة الغربية، خاصة أن الذهب يمثّل أحد أهم صادرات البلاد، ويعمل في تكريره وتعدينه عشرات الآلاف من الشباب.
يتصدر


وعلى هذا المنوال اهتم تراوري بمناحي الحياة الاقتصادية كافة، فاهتم بالفلاحة ودعم الفلاحين وتحديث أدوات الزراعة وإنشاء مراكز أبحاث زراعية، مع التركيز على إستراتيجية تَحُد من جعل بلاده موردًا للمواد الخام شأنها شأن كثير من الدول الإفريقية، فوضع سياسات تقوم على التصنيع الزراعي المحلي.
ومن المهم أن نذكر أن مثل تلك التطورات قد تبدو عادية، لكن الوصول إليها في بلد من بلدان الصحراء الإفريقية الكبرى، التي يضربها التصحر والفقر المائي والفساد الإداري والصراعات الدينية والقبلية والاقتصادية، يُعَد إنجازًا كبيرًا لم تعهده مثل هذه الدول.


تحديات جسيمة

من أكبر التحديات التي دفعت تراوري إلى عقد اتفاقات أمنية مع روسيا، أن الولاء لفرنسا لا يزال متجذرًا لدى بعض النخب القريبة من الجيش من قادة وضباط سابقين، ومن ثَم وجد نفسه بحاجة ماسّة إلى ظهير قوي يسنده سواء بالخبرات العسكرية أو الاستخبارية أو السياسية، في حال حدوث أي صراع عسكري في معركة التخلص من التبعية لفرنسا.
وتبقى أمامه معركة حاسمة هي أيضًا من مخلفات الحقبة الاستعمارية، ويُعتقد أنها من إنتاجها، هي الحرب على الميليشيات المسلحة المتطرفة وتجار المخدرات وعصابات الرقيق، ومن ثَم بسط السيادة على التراب الوطني كافة.
وكان تراوري قد أجَّل العام الماضي إجراء الانتخابات الرئاسية الديمقراطية مدة خمسة أعوام قادمة، وذلك حتى يتمكن الجيش من بسط سيطرته على أنحاء البلاد كافة، والقضاء على مظاهر الضعف والانقسام في الدولة.
والسؤال: هل ستستمر نجاحات تراوري في انتشال بوركينا فاسو من الفوضى إلى الاستقرار؟

https://ajm.news/9vyv0v

المقاومة العربية والإسلامية.. تاريخ من التجرد - سيد أمين

مرّ عامان على الطوفان المبارك الذي تفجّر من أجل تحرير الأرض المسلوبة، تتالت فيهما المذابح الإسرائيلية اليومية ضد شعب غزة المحاصر منذ عقود، وشاهدنا فيهما نسخةً مكثفة ومعمقة من أعمال الإبادة التي كانت تجري ببطء وفي صمت طيلة ثمانية عقود مضت، ولولا استبسال المقاومة الفلسطينية ما وصلنا إلى نسخة هذا السلام الهش.

عامان قدّمت فيهما الحكومات الغربية صورةً واضحة أيضًا لانحيازها الأعمى واللاإنساني ضد شعب هذه البقعة الحرة، فيما قدّم العرب صورة أخرى مشوّهة مليئة بالخذلان والعمالة.

والسؤال يأتي وقد انتهت المعركة، فيما أن الحرب لم تنته بعد: كيف «صمد» هؤلاء؟ وما عذر «صمت» أولئك؟

للحقيقة، إن الأمر يعود  لاعتقاد غربي عنصري، سايرته بعض النظم العربية، يرى أن السمت الإسلامي لأي شخص يدينه، وقتله حينئذ لا يحتاج لتبرير أو تحرٍّ للعدالة، فيما أن ينبوع صمود هذه الشخصية هو وازعها الديني وتربيتها الروحية.

وغني عن البيان أيضًا أن هناك «اعتراضًا» غربيًا ثابتًا منذ الاستقلال الوهمي في منتصف القرن الفائت على وصول التيارات الراديكالية للحكم في بلداننا العربية، ولكن هذا الحظر يأتي بدرجات متفاوتة، فيكون مشددًا وباتًّا وخشنًا لو كان يخص تيارًا إسلاميًا فيُمنَع من ممارسة السلطة إجمالًا، وتقل شدته قليلًا لو كان قوميًّا بحيث يمكن السماح له بالتمكُّن من السلطة لكن يُمنَع من النهوض والارتقاء، ثم الدرجة الثالثة وهي أن يكون اشتراكيًا وطنيًا، وهنا يتم وضع العراقيل أمامه حتى يفشل ويُنبَذ جماهيريًا. ونحن هنا سنخص حديثنا عن الحظر الإسلامي.


يزرع ولا يحصد

إذا كانت القاعدة المنطقية تقول إن من زرع حصد، وإن من قاد النضال من أجل استقلال بلاده يحظى بعد استقلالها بالحفاوة والتقدير والتكريم الواجب، وينبغي أن يُكافأ ويُترك له – أو للتيار السياسي المنتمي له – دفة القيادة ليسهم بقدر كبير في التشريع للعهد الجديد، وذلك كمكافأة واجبة له نظير ما بذله دون سواه من ضريبة في النفس والمال والثكل والأمن والطمأنينة وراحة البال، إلا أن الأمر في بلداننا الإسلامية والعربية يقع على النقيض تمامًا؛ حيث ينال أمثال هؤلاء الفدائيين الثائرين، والتيار الفكري الذي ينتمون له، كثيرًا من التجاهل والإقصاء، والتنكيل والتخوين والتشكيك في النوايا، وربما القتل.

لا أقصد بالقطع أفرادًا، فأغلب قادة الاستقلال في بلادنا العربية قضوا قبل أن تطرق الحرية أبواب بلادهم، فيما ظلت هي بعدهم تنتظر طويلًا عند تلك الأبواب منذ عقود، ولم يجنِ أحفادهم أي ثمار كتلك التي جناها من نافقوا المستعمر القديم وأشكاله الجديدة، ولكنني أقصد الحواضن الحزبية والفكرية التي أنجبت هؤلاء الأبطال، والتي غالبًا ما يتم إقصاؤها أيضًا.


الأزهر الشريف

وكما أن المدارس الإسلامية في الهند وأفغانستان وباكستان وكل دول العالم الإسلامي هي من ينتسب لها معظم المقاومين في هذه البلدان، فإن الأزهر الشريف كان تاريخيًا واحدًا من تلك الحواضن الكبرى لهم في جميع ربوع الوطن العربي أيضًا، ما يفسر السر وراء استهدافه ومنتسبيه بصورة عنيفة في كل الحملات التي استهدفت أمتنا قديمًا وحديثًا.

ويحكي التاريخ أنه رغم ضعف أدواتهم القتالية وهزالتها، كان مشايخ الأزهر الشريف هم من يقودون النضال ضد الحملة الفرنسية، وكانوا هم وأسرهم أكثر من عانوا التنكيل من قبل المستعمر، فيما طال التنكيل مسجد الأزهر نفسه الذي قُصف بـ«القنابر» ودنسته خيول الغزاة، وقتل بين أروقته الأبرياء المحتمون به.

وكان سليمان الحلبي الذي قتل القائد الفرنسي كليبر طالبًا أزهريًا، وتربى في أكنافه التاجر مصطفى البشتيلي مفجر ثورة القاهرة الأولى إبان الحملة الفرنسية الذي ضحى بجاهه وثروته.

وكان إبراهيم الورداني الصيدلي الذي قتل الخائن بطرس غالي باشا 1910 من أتباع الحزب الوطني ذا التوجهات الإسلامية آنذاك، ومنتميًا لجمعية «التضامن الأخوي» السرية التي اغتالت السير لي ستاك سردار الجيش المصري في السودان، وحاولت قتل المعتمد البريطاني اللورد كيتشنر.


المقاومون الأوائل

كما كان ممن تلقوا التعاليم الدينية وحفظوا القرآن الكريم القاضي وابن القاضي محمد بن عبد الكريم الخطابي، حيث قاد المقاومة المغربية ضد الاحتلالين الفرنسي والإسباني طيلة عقود، وعانى السجن والنفي حتى مات في مصر. وبالجوار قاد الأمير بكار ولد أاسويد الجهاد ضد الفرنسيين في موريتانيا، وقد عرف عنه حفظه للقرآن ودعوته الإسلامية.

وفي الجزائر، كان العشرة الكبار المهندسون للثورة هناك ينتمون في أغلبهم للتيار الإسلامي؛ فكان العقيد محمد شعباني الذي تشبع بروح جمعية العلماء المسلمين «وكان نصيبه الإعدام بعد الاستقلال»، وكان أحمد زبانة والعربي بن مهيدي وحسيبة بن بوعلي أعضاء في حركة الكشافة الإسلامية الجزائرية، وأيضًا دغين بن علي المعروف بالعقيد لطفي خريج مدرسة إسلامية، وكان «امحمد بوقرة» وجبارة بشير من حفظة القرآن، وهكذا.

ويكفي أن نقول إن أول أعمال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي بتونس انطلقت في 15 يونيو 1881 من مسجد عقبة بمدينة القيروان، وفي 1908 أسس «علي باشا حامبة» حركة وحزب «تونس الفتاة» ذا التوجهات الإسلامية. وقد أزعجت هذه الحركة فرنسا بشدة فحلّت الحزب سنة 1911م وشتّتت شمل القائمين به.

وبالقطع نعرف عظمة مقاومة عمر المختار ورفاقه، والحركة السنوسية في ليبيا ضد الاحتلال الإيطالي، ونعرف طبيعة توجهاتهم الفكرية والدينية، وكذا الثورة المهدية في السودان وتوجهاتها الإسلامية، وقوات الدراويش الصوفية التي قاومت الاحتلال البريطاني للصومال بقيادة محمد نور المعروف بـ«الملا المجنون».

وما سرى في المغرب سرى أيضًا في المشرق، حيث شهد جامع الحيدر خانة ببغداد بداية ثورة العشرين في العراق، بعد أن تحالفت طبقة الأفندية التي كانت عماد فئة موظفي الدولة العثمانية مع طبقة الملالي وشيوخ القبائل لطرد المستعمر البريطاني ونجحوا نجاحًا مبهرًا، لولا الخيانات.

المصدر: الجزيرة مباشر

https://ajm.news/f4y7qp

مشاركة مميزة

قصف أفغانستان وتناقضات المشهد الباكستاني - سيد أمين

رئيس وزراء باكستان وقائد جيشها في حضرة ترامب نقلا عن عربي 21 حالة إحباط تسود المراقبين في العالم الإسلامي والدول المناهضة لسياسات الهيمنة ال...