فلسفة التوحش.. هل تضمن لإسرائيل الانتصار؟- سيد أمين

 

الطريقة المتوحشة التي تنفذ بها إسرائيل هجماتها غير المتناسبة ضد الشعوب العربية في فلسطين ولبنان وسوريا، بخلاف أنها تطبيق لرؤية عقائدية، هي أيضا تطبيق عملي لرؤية انتهازية قائلة بوجوب أن تعاقب خصمك بطريقة تجعلك في مأمن تام من خشية انتقامه، وأنه بقدر قوة الضربة التي توجهها له سيتغير ولاؤه لصالحك حتى يصير ميتا أو تابعا مخلصا لك.

قد تكون هذه الرؤية الميكافيلية صحيحة جدا، عوقبت بها الدول والإمبراطوريات التي هزمت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولكن هذا النجاح ليس مضمونا على طول الخط، فتجارب التاريخ ذاتها أثبتت أنها قد تصبح ناجعة دائما في التجارب الفردية، مع أولئك الساعين خلف المكاسب المادية، لكنها مع الحشود المؤدلجة ستقود حتما لنتيجة عسكية تماما.

المغول والعرب

خذ مثلا المغول، كانت لهم قوة لا تقهر بمعايير زمانهم، استخدموا أبشع أدوات القمع والتنكيل تجاه حكام وأهالي البلدان التي اجتاحوها، ونجحوا من خلالها في السيطرة على جزء كبير من العالم القديم في سنوات معدودة، لكن مع ذلك لم تدم امبراطوريتهم سوى بضعة عقود من الزمن بما لا يتوازى مع هذا الجبروت والقوة التي أبدوها، وتلك القناعة بأنهم يمتلكون مفاتيح الشرق والغرب.

حدث هذا هناك في حين أن الفاتحين العرب لمصر لم يسفكوا الدماء، أو لم يسرفوا في سفكها بما يتماشى مع الحروب الكبيرة، حتى دماء أولئك المحتلين الرومان الذين طلبوا الأمان، سمح لهم أن يفروا دون قتال مع أمتعتهم وثرواتهم، مع أن العرب المنتصرين كان بمقدورهم إبادتهم وسلب ثرواتها كغنائم حرب لتغطية نفقات الجيش كما تفعل أكثر الجيوش.

أيضا لم يحمل العرب الفاتحون أحدا على الدخول في الإسلام من السكان الأقباط، بدليل أن كنائسهم القديمة لا زالت قائمة كما هي ولم تنقطع عنها العبادة بعد ذلك قط، تلك العبادة التي انقطعت في عهد المحتلين الرومان الكاثوليك بسبب اختلافات مذهبية، فشردوا الكهنة  وحاولوا اجبارهم قهرا على اعتناق مذهبهم.

والدليل الأهم أن الإخوة المسيحيين لا زالوا موجودون في مصر رغم مرور 14 قرنا على فتح العرب لها، العرب الذين جاءوا بكل هذا السلام وبقوا وسيبقون إلى قيام الساعة.

وفي المقابل سقطت إمبراطورية المغول وذهبت هيبتهم ومهابتهم ولم يبق لهم ولا لشعبهم شأن يذكر في العالم بعدها.

الحكمة في ذلك يقولها لنا ميكافيللي نفسه وهي أن من يسيطرون على الأرض سريعا يفقدونها سريعا لأنهم يهرولون فوقها ولا يتجذرون فيها.

هذا المثال من ثلة أمثلة أخرى يجري ضربها في التاريخ يؤكد خطأ السياسة الصهيونية القائمة على منطق القوة، وهو المنطق الذي ينذر في النهاية بانقلاب السحر على الساحر والانتهاء لنفس نهاية المغول، رغم أن المغول كانوا يمتازون بمميزات غير موجودة لدى الصهاينة أهمها أنهم الأكثر عددا وجسارة، وأنهم كانوا حينما يهاجمون الحصون يهاجمون بأنفسهم ولا يختبئون خلف دباباتهم ومدرعاتهم الحصينة.

وما سرى على المغول أيضا يسري على الفرنسيين في الجزائر، والطليان في ليبيا، والبرتغال والإسبان في غرب إفريقيا وشرق أسيا.

كما أن تلك النظريات فشلت أيضا في الحالات الفردية، فقد أعدم عمر المختار وأعدم بعده موسوليني، وأعدم جيفارا أيضا، ولكن هذا الاعدام صنع منه بطلا عالميا يطارد مُعدٍميه حتى الأن.

تجارب الأرض المقدسة

ولماذا نذهب بعيدا، وتاريخ فلسطين نفسه فيه ما يكفي على التدليل والبرهنة؟

ففي لحظة من لحظات الضعف الشديد للخلافة الفاطمية الحاكمة لمدينة القدس شن الصليبيون عام 1099م حملة عسكرية موسعة ضدها وضد أجزاء كبيرة من الشريط الساحلي لفلسطين والشام، وانهار الفاطميون بعد حصار استمر قرابة شهر، فدخلها الصليبيون وذبحوا غالبية سكانها المسلمين ذبحا وسبوا نساءها، وأقاموا على أنقاضها مملكة القدس التي ضمت جميع أراضي فلسطين ولبنان الآن، لكن رغم كل هذا لم تدم تلك المملكة إلا قرابة 85 عاما حتى فتحها الفاتح صلاح الدين الأيوبي.

وعقب وفاة الفاتح الكبير دب صراع بين أبنائه وأحفاده نجم عنه ضعف قبضتهم، فعاود الصليبيون مجددا غزو الساحل الفلسطيني فأقاموا مملكة عكا التي ضمت معظم الشريط الساحلي لفلسطين ولبنان الحالية عدا مدينة القدس، ومع ذلك لم تدم هذه المملكة سوى نفس المدة التي قضتها المملكة السابقة واندحرت تماما على يد الظاهر بيبرس ومن تلاه من المماليك.

حتى استيلاء المغول على بلاد فلسطين كان أيضا عابرا وانجلى سريعا رغم ما ارتكبوه من مجازر وذلك لأنهم كان يهرولون فوق الأرض لا يمشون فوقها، ما حال دون بقائهم فيها.

ولو نظرنا إلى الحملة الفرنسية والتي يمكن اعتبارها حملة صليبية ذات شعارات مختلفة، سنجد ذات المعنى أن القوة وحدها لا تصنع انتصارا، وأن القوة المفرطة مهلكة لصاحبها كما هي مهلكة للخصم، فالجرائم التي ارتكبها نابليون في غزة واستيلاؤه على خيراتها لم تحمِ قواته من الجوع والطاعون، وخيانته لحامية يافا التي استسلمت بعدما أعطاها الأمان فأعدمهم جميعا، لم يحقق له الاستقرار، وحداثة أدواته ومعداته وأسلحته لم تضمن له النصر أمام استبسال أبطال عكا، وانسحب يجر أذيال الخيبة تطارده المقاومة، وما عاناه في فلسطين عاناه أيضا في مصر.

….

العرب مكثوا في البلدان التي فتحوها لأنهم لم يكونوا أهل قوة وغدر، بل معين رحمة ورسالة سلام وتعايش، وحينما تخلوا عن الرحمة حتى فيما بينهم وأمنوا للعدو عن الصديق استبدلهم الله كما حدث في الأندلس.

أما الصهاينة فما كانوا أبدا أهل تعايش ولا رحمة ولا سلام، فهم معين لا ينضب من الغدر والخيانة والعنصرية والوحشية، وسيكونون في التاريخ مجرد سحابة سوداء عابرة سرعان ما تبددها ريح عاتية.

سيُسقط أبطال غزة نظريات ميكافيللي ضمن ما أسقطوه من أوهام.

المصدر : الجزيرة مباشر

https://ajm.news/8o3m59

الحريديم.. وجع في قلب الكيان - سيد أمين

 

فرضت سلطات الكيان خدمات إضافية للمجندين النظاميين في الجيش بسبب النقص الحاد في أعداد المجندين، وذلك على خلفية استمرار تداعيات الأزمة العاصفة بشأن مسألة تجنيد الحريديم، وهي الأزمة التي كشفت أن الحرب الصهيونية على غزة خلَّفت معها صراعًا داخليًّا قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تفكك الكيان.

لقد فتحت الأزمة الأبواب لبروز حقيقتين، إحداهما أن سكان الكيان ليسوا على قلب رجل واحد، وأنه تسود بينهم الكثير من التناقضات الفكرية والعقدية، والأخرى بشأن الاستخدام السياسي للجماعات المتدينة في المجتمع الإسرائيلي.

ويشكّل الحريديم نحو 14% من سكان الكيان، وهم لا يمثلون جنسًا أو قومية معيَّنة مثل السفارديم والأشكناز، ويمكنك تسميتهم “السلفية اليهودية”، ولكن بشكل أكثر انغلاقًا، حتى أنهم يعيشون في مجتمعات مغلقة، تنتقب بينهم النساء بشكل أكثر صرامة من نظرائهم في الدين الإسلامي، ويسمّونهن في المجتمع الصهيوني “أمهات طالبان إسرائيل”، ويرفض الحريديم الحداثة واستخدام وسائل التواصل الحديثة بشكل صارم أيضًا.


خطورة الحريديم

وخطورة ملف الحريديم، الذي هو مصطلح يعني بالعبرية “الأنقياء”، أنهم أساسًا لا يؤمنون بالصهيونية التي تقوم عليها فكرة الكيان، بل إنهم لا يتحدثون فيما بينهم اللغة العبرية وهي اللغة الرسمية للدولة، ولكن لهم لغتهم الخاصة التي تُسمى اليديشية، وهي مزيج مكوَّن معظمه من الألمانية مع قليل من الآرامية والإيطالية والفرنسية والأقل من العبرية، والأمر الأهم أنهم ينحدرون في معظمهم من الأشكناز أو الأوروبيين، وهو ما يعني عدم قدرة السلطة الصهيونية للدولة على تجاهل مظالمهم، كما تفعل مع اليهود السفارديم ذوي الأعراق العربية والجنوبية.

فضلًا عن أن الحريديم يمثلون أساسًا قوة ضغط كبيرة على الحكومة الإسرائيلية، لأنهم ممثلون في حزبين رئيسيين؛ حزب “شاس” ويمثل الحريديم الشرقيين، وحزب “يهوديت هتوراه” لليهود الغربيين، والحزبان ممثلان في الائتلاف الحكومي الحاكم بقيادة نتنياهو بـ18 مقعدًا من أصل 64 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا يشكلون الكنيست (البرلمان)، وهو ما يعني أن انسحابهم سيؤدي مباشرة إلى إسقاط الحكومة.

والأكثر خطورة في ملف الحريديم رفضهم التجنيد في الجيش بوصفه جيشًا ملحدًا ومنحرفًا عن اليهودية الحقة، وأن وجوده لا يخدم شريعة موسى، ودخول أبنائهم الجيش يعني تعرُّضهم لمحو عقيدتهم اليهودية وانحرافهم لخدمة العلمانية، ومِن ثَم محو “السلفية اليهودية”.

ولعل ملف الحريديم يمثل طرفًا قويًّا من حقيقة التناقضات الفكرية والعقدية بين سكان الكيان من جملة تناقضات أخرى تكاد تعصف به، مثل حركتَي “ناطوري كارتا” و”صوت يهودي للسلام”، وجمعية “زوخروت”، وهي كلها حركات لا تؤمن أساسًا بالصهيونية ولا بإسرائيل ذاتها.


دولة دينية

لم تكن إسرائيل دولة دينية فقط عبر القوانين التي صدرت عن الكنيست في السنوات العشر الأخيرة بوصفها كيانًا وطنيًّا لليهود، لكنها دولة دينية منذ الساعات الأولى لتأسيسها بالنار والدم على أرض فلسطين التاريخية.

وتمثل نشأة الحريديم في هذا الكيان دليلًا قاطعًا على أنها دولة دينية لا علمانية كما كان يروّج الإعلام الغربي عنها، ففي بدايات نشأة إسرائيل عام 1948 فرضت العصابات العسكرية التجنيد الإجباري على اليهود، لكنها استثنت من أولئك نحو 400 أو 500 شابًّا ليتفرغوا لدراسة التوراة في المعاهد الدينية بسبب فقدهم لأغلبية الكوادر الدينية في الحرب العالمية الثانية، وخاصة ما ينسبونه إلى “الهولوكوست”.

أولئك الشبان كانوا النواة الأولى لطائفة الحريديم المنغلقة، وصاروا يمثلون نحو مليون و250 ألف شخص الآن، وهم المصدر الرئيسي للمعلومات الدينية عند اليهود في إسرائيل.

وظل الكثير من ساسة إسرائيل يَعُدونهم الطاقة الروحية الهائلة التي تساند وجود إسرائيل بما يؤدونه من أدعية وطقوس روحية يمكن اعتبارها دربًا من دروب السحر، وتجذرت هذه الرؤية لدى أبناء الحريديم حتى صاروا يعتقدون أن طقوسهم وأدعيتهم سبب بقاء الدولة، ولا تقل أهمية في بث الرعب في قلوب أعدائهم عن الطائرات والصواريخ والقنابل، لذا فهم جنود، ولكن بطريقة أخرى أكثر أهمية.

ولعل احتفاء الدولة الصهيونية بهم طيلة 75 عامًا هو دليل على الاستخدام الديني والروحي للحريديم في السياسة، بل والنشاط العسكري، وإن شئت فقل السحر.


تململ اجتماعي

بالطبع كان وجود آلاف من شباب الحريديم خارج التجنيد بينما غيرهم يموتون في العدوان على غزة ولبنان سيثير الكثير من التململ في المجتمع الصهيوني، خاصة أنهم يحصلون على رواتب كبيرة دون عمل، وكذلك يحصلون على امتيازات وتخفيضات خاصة في السلع والخدمات والمرافق والضرائب.

التململ بلغ ذروته حينما طالب وزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتجنيد الحريديم في الحرب على غزة، لكن نتنياهو هاجمه حتى قدَّم استقالته، ولحق به رئيس أركان الجيش هرتسي هاليفي بعد تصريحات مشابهة، ثم تلتهما تصريحات زعيم المعارضة يائير لابيد بضرورة تجنيدهم أو حرمانهم من امتيازاتهم.

وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير في قرار المحكمة العليا بوجوب تجنيد الحريديم في الجيش، وتوقيع سابق لوزير الدفاع بتجنيد 7 آلاف منهم، وهنا بدأت اعتراضات الحريديم في مظاهرات يومية لا تنقطع.

هنا بدأت حكومة إسرائيل -عبر الكنيست- بشن حرب على السلطة القضائية، ومنحت نفسها الحق في تعيين القضاة بما يسمّونه قانون السلطة القضائية، فتفجرت مظاهرات أخرى تندد بهذا القانون.

الشارع الإسرائيلي يتفسخ بين مظاهرات الحريديم، ومظاهرات ضد قانون السلطة القضائية، ومظاهرات عائلات الأسرى لدى المقاومة وقتلى الحرب ومصابيها.

الحريديم وجع في قلب الكيان المؤقت.

المصدر : الجزيرة مباشر

https://ajm.news/00nn6v

غزو العراق.. ذكرى سقوط النظام العربي- سيد أمين

  

تمر هذه الأيام الذكرى الثانية والعشرون للاحتلال الأمريكي للعراق، وهي الحرب التي شنتها أمريكا وخلفها قطيع كبير من الدول الغربية يصل إلى نحو 30 دولة، شارك بعضهم مشاركة فعالة، والأغلبية بمشاركات رمزية أو لوجستية وذلك في الفترة من 19 مارس/آذار حتى 10 إبريل/نيسان 2003م، وانتهت باحتلال العراق رغم البسالة التي أبداها الجيش العراقي، والتي استطاع فيها إيلام الغزاة إيلاما شديدا ولا سيما في معركة المطار، مما اضطره إلى استخدام قنابل بي 52 شبه النووية.

ومثلت هذه الحرب ثاني أعظم سقوط للنظام الرسمي العربي في العصر الحديث بعد احتلال فلسطين، بسبب عجزه عن وقف العدوان، وعدم تقديمه الدعم والمساندة للجارة الشقيقة التي تواجه هذه القوى العظمى بمفردها، ومما زاد الجرح إيلاما النتائج المرعبة وأعمال القتل التي مارستها قوات الاحتلال مخلفة ثالث أكبر كارثة عاشتها عاصمة الرشيد على مدار تاريخها بعد غزو المغول لها والاحتلال الإنجليزي، حيث تشير الكثير من الإحصاءات إلى أن نحو مليوني قتيل عراقي سقطوا في هذا الغزو وما تبعه من حرب طائفية تفنن الاحتلال في تصنيعها.

كراهية الكاريزما

أحداث الحرب ونتائجها ليست هي محل النقاش هنا فهي معلومة التفاصيل، ولكن المعتقد أن سياسات الرئيس صدام حسين الداخلية والخارجية كانت عاملا مؤثرا في التعجيل بها.

فالأمريكان والصهاينة يكنون كراهية شديدة له نظرا إلى كونه الزعيم العربي الذي استطاع قصف تل أبيب بقرابة ٣٩ صاروخا من نوع “سكود”، وهو العدد الموازي لعدد أسفار العهد القديم، مع سابق تبنيه دعوات عدة إلى تشكيل جبهة عربية تسارع بفتح الحدود للجيوش العربية من أجل تحرير فلسطين المحتلة يكون جيش بلاده في مقدمتها، وتبنيه برنامجا اقتصاديا يقضي بتعويض أسر الشهداء الفلسطينيين بمبالغ مالية مجزية فور استشهاد ذويهم لإعانتهم على تكاليف الحياة.

وكان أخطر سياساته وأهمها سعيه لتحديث جيش العراق وتسليحه بالأسلحة الحديثة انطلاقا من إيمانه بمبدأ بعثي رئيسي بضرورة امتلاك كافة أدوات القوة والردع.

وحقق صدام حسين بهذه الممارسات شعبية عربية وإسلامية عارمة بسبب نجاحه في كسر حاجز مهابتها التي صنعته عبر توالي تكبيدها لجيرانها العرب الخسائر الموجعة دون رد يذكر منهم، مما دفعها إلى التعجيل بإنشاء حائط ردع القبة الصاروخية.

ولعل تلك الكراهية بدت واضحة من خلال التلاسن الذي جرى مؤخرا بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير دفاع الكيان الصهيوني بالتزامن مع مرور الذكرى الخامسة والثلاثين لتولي صدام حسين، الذي حذر الأخير فيه الأول من نفس العاقبة.

وازدادت تلك الشعبية عربيا وإسلاميا مع أحداث الغزو الأمريكي والغربي لبلاده عام 2003، خاصة بعد الحرب الكلامية بينه وبين الرئيس الأمريكي المتطرف جورج دبليو بوش التي سخر فيها من الحضارة العربية والإسلامية بوصفها حضارة رعاة “الإبل” وسكن “الخيام”، هنا عبر صدام عن اعتزازه بتلك الحضارة، مؤكدا أن راعي الإبل وساكن الخيام هو أفضل ممن سكنوا الكهوف ورعوا الخنازير.

ثم جاءت مشاهد استشهاد ولديه دفاعا عن بغداد أثناء الغزو، ومحاكمته الصورية من قبل محكمة عراقية خاضعة لسلطة الاحتلال، وتلاها إعدامه في أقدس أيام المسلمين عيد الأضحى، وما حمله هذا من رمزية كبيرة، لتضعه بطلا قوميا رفض الخنوع للهيمنة الأمريكية، ورفض قبيل إعدامه طلب بوش الابن تقديم الاعتذار لأمريكا مقابل العفو عن روحه، وأثبت عمليا أن كل ما كان يردده من قيم فكرية كان مؤمنا به حتى النخاع دون النظر إلى التضحيات الباهظة التي دفعها شخصيا.

 سياسات ناجعة

ورغم القبضة الفولاذية التي أمسك بها صدام حسين العراق؛ فإن أبرز ما ميز سياساته الاجتماعية هو اعتماده مبدأ عدالة التوزيع بحيث حرص على وصول الدعم والخدمات إلى المواطنين دون تمييز عرقي أو مذهبي، منطلقا من اقتناعات فكرية بأن البطون الجائعة لا تنتج عقلا يفكر.

وكان لزياراته المفاجئة لبيوت العراقيين والجاليات العربية في البلاد للاطمئنان على أحوالهم المعيشية تأثير كبير، خاصة أنها كانت تتم دون كاميرات ولا حتى مرافقين.

وحارب الفساد لدرجة جعلت الكثيرين من العسكريين المقربين منه ومنهم حراسه الشخصيين لا تزيد أحوالهم المادية والاجتماعية عن أحوال باقي مجندي الجيش، فضلا عن أنه اعتنى كثيرا بتحسين منظومات الصحة والتعليم ومؤسسات الخدمات لدرجة جعلت العراق من أبرز دول العالم في هذا المجال حينها.

تجريم العروبة

وينظر الغرب والصهاينة في مقدمتهم بريبة شديدة إلى أي نظام حكم عربي ذي نزعة عروبية خشية أن يؤدي ذلك إلى دفع الشعوب العربية إلى تحقيق الوحدة الشاملة، مما ينسف جذريا كل الأوضاع الاستعمارية التي نشأت جراء تقسيمات “سايكس بيكو” التي طبقت بعد الحرب العالمية الأولى 1917، وخاصة عقب انهيار الدولة العثمانية 1923، وهي الأوضاع التي ضمنت دوام تبعية هذه المنطقة للغرب وضمنت تخلفها العلمي والحضاري والعسكري.

ولما كان صدام حسين من أكثر الشخصيات العربية في العصر الحديث إيمانا بفكرة القومية العربية، وضرورة تحقيق الوحدة الشاملة، وتوجيه أموال العرب إلى العرب لدرجة دفعته إلى استقدام ملايين العمال من كافة أرجاء الوطن العربي ولا سيما تلك البلدان التي تعاني شعوبها من أوضاع مادية متعثرة كمصر والسودان وموريتانيا واليمن، مقدما لهم المحفزات المالية المغرية فيما يشبه الرواتب الشهرية؛ كان من أكثر الشخصيات تموضعا في محطة استهداف القناصة الصهاينة والأمريكيين.

……..

لقد حاولوا من غزوهم للعراق حينها إسقاط رموز التحرر سواء أكانت في العاصمة أم القيادة، واعتقدوا أنهم أسقطوه، ولكنهم فوجئوا بأن هناك أرضا عربية لم تنبت إلا الرموز.. فكانت غزة.

المصدر : الجزبرة مباشر

https://ajm.news/qitl9w

حينما تكون الدراما هدفًا وطنيًا- سيد أمين

 

لا شك أن الرأسمالية الوطنية في الوطن العربي -إن كانت لا تزال موجودة- لا سيما تلك القادرة على البذل والعطاء وإدارة المشروعات الوطنية الكبرى دون انتظار ربح سوى خدمة قضية بناء الإنسان العربي، تأخرت كثيرًا في هذا الملف، وتركت البسطاء ممن لا يتابعون الأخبار السياسية والمطحنة الجبارة التي لا تتوقف رحاها لحظة بين هم عام وخاص، نهبًا لأنواع أخرى من وسائل الإعلام أو قل الاستقطاب.

فتلك الشاشات التي يتحلق حولها هؤلاء الناس لمشاهدة الدراما بأنواعها تكاد تكون هي المصدر الوحيد لمعلوماتهم الفكرية والتاريخية والسياسية، ما أوقعهم بسهولة ضحايا لعملية احترافية لتشكيل

ما الذي يضير ساويرس من “مصر العربية”؟- سيد أمين

 

منذ عدة سنوات حذرت في مقال لي بعنوان “ليتها معركة حول هوية كليوباترا فقط” على تلك المنصة القيمة، من أنه قد تكون هناك توجهات أو قل “أمنيات” لدى البعض لإلغاء وصف “العربية” من المسمى الرسمي لجمهورية مصر العربية، وهو ما دعا إليه رجل الأعمال نجيب ساويرس في تغريدات له مؤخرا على أكس.

قلت نصا في المقال “أظن أن هناك من ينبش لأن يتم نزع توصيف

الرساليون لا يستسلمون.. ينتصرون أو يستشهدون - سيد أمين

 

لست أدري من أين أتى هؤلاء بقناع واق من الخجل كي يسخروا إمكاناتهم الشريرة لإدانة المقاومة الفلسطينية والافتراء عليها لحرفها عن معركتها ومعركة الأمة المصيرية في أشد أوقاتها حرجا؟

وكيف تجرأوا على الظهور بهذا التعري القبيح الساعي لتجريدها من سلاحها وهي التي ضحت بالغالي

هكذا تحول الغرب من اضطهاد اليهود إلى تقديسهم - سيد أمين

 

مثَّل عام١٤٨٣ ميلاديا عاما فارقا في مكانة اليهود السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأثر تأثيرا كبيرا في مستقبل أجزاء كبيرة في العالم، لاسيما في الوطن العربي والإسلامي، لكونه العام الذي انتقل فيه الغرب المسيحي انتقالا مثيرا من اضطهاد اليهود واستعبادهم وإجبارهم على الدخول في المسيحية، إلى الولاء لهم لدرجة وصلت حدَّ تقديسهم.

وفي المقابل، هو أيضا العام الذي انتقل فيه مسلمو العالم من مكافحة الحملات الصليبية التي ما توقفت أبدا عن استهداف بلادهم وارتكاب أبشع المجازر بحقهم، إلى مكافحة الصهيونية التي مارست نفس هذا الدور بأقل كلفة يدفعها الغرب، وبوسيلة أكثر تزييفا لحقائق التاريخ وتبطينا لها.

قفازات الغرب الجديدة

يمكننا القول إن الغرب ارتدى قفازاته الجديدة حينما أسس مارتن لوثر حركة البروتستانت والتي تعني "المحتجون" والتي تطالب بإصلاح الكنيسة الكاثوليكية، وتضمنت تلك الإصلاحات إجراءات ثورية من شأنها إلغاء سلطة الكنيسة، بل وإلغاء الكنيسة ذاتها، وإعطاء دور أكبر للعهد القديم (التوراة) في تفسير المسيحية، بدلا من أن يكون العهد الجديد هو المفسر لها.

 وتضمن المذهب الجديد اعتقادا بأن عودة المسيح مرهونة بوجود دولة قوية لليهود في فلسطين، وإعادة بناء هيكل داود، وهي الرؤية المنبثقة من رؤية إنجيلية تتحدث عن وقوع معركة عظيمة سيتم فيها القضاء على كل من لم يؤمنوا بألوهية المسيح، بما فيهم اليهود أنفسهم، من ثم تبدأ بعدها البشرية الألفية السعيدة بعودة المسيح مجددا على الأرض.

ولقد تسببت قسوة سيطرة الكنيسة الغربية على الحياة العامة في أوروبا في تذمر قطاع عليها، ومن ثم التفافهم حول دعوة لوثر كينج التي وجدت ضالتها في الأراضي المكتشفة الجديدة، لاسيما أن الواصلين إليها اتسمت شخصياتهم بالتمرد بشكل عام على كل شيء، بما فيها السلطة الكنسية.

تطورات دموية

هذه التطورات أعطت الفرصة للماسونية لإيجاد الثغرات التي تتغلغل من خلالها لتحقيق أهدافها الخاصة، والماسونية كما نعلم هي حركة علمانية انتهازية استعمارية لا تؤمن بدين ولا إنسانية، رغم أنها تنكرت في رداء ديني مختلف على صحته، ظاهره يعني "البناؤون" الجدد للهيكل، وباطنه معني بالقضاء على روح الجماعة والمجتمع، وكافة معايير الإنسانية الأخلاقية، وتأجيج الصراعات والحروب ونشر الأمراض، وصولا للمليار الذهبي.

وبناء على ذلك رتبت الصهيونية خطتها على الاستفادة لأقصى مدى من هذا الوضع، بحيث إنها نجحت في تجنيب اليهود ويلات الاستبداد في الغرب، ووجهت قوته وغضبته نحو أعداء مشتركين، هم المسلمون والعرب، ليتحقق لها ما تعجز عن تحقيقه بمفردها، مع استمرار اعتقادها بأن النبوءات الغربية لن تتحقق أبدا، وإذا تحققت لن تكون إلا لعودة ملك داود، لا المسيح.

هذا الامتزاج لم يكن في الحقيقة بين اليهودية والمسيحية كدينين (أطلق الإسلام على أتباعهما وصف الكتابيين، تمييزا لهم عن بقية أتباع الديانات التي سمى أتباعها المشركين) ولكن كان بين حركتين متطرفتين انبثقتا منهما الصهيونية والماسونية، ووجدت كل واحدة منهما ضالتها في الأخرى لتحقق بها أهدافها الشريرة.

وإذا كانت الحرب الآن ضد المجتمعات الإسلامية، فهذا لأن الإسلام بتكوينه العقدي والفقهي استطاع الصمود أمام هذا الطوفان، وأخر نموه، رغم وقوعه الكامل تحت الاستعمار الغربي، فيما انسحقت أمامه من قبل المجتمعات الغربية بشكل كامل، فرأينا انتشار الإلحاد والشذوذ والتطرف والتعري، وتبرير إبادة المخالفين أو سبيهم واستعبادهم، رغم أن ذلك كله يخالف روح المسيحية جملة وتفصيلا.

المسيحية التقليدية

ولعل التاريخ القريب يشير الى أن المجتمعات الغربية قبل قرن أو قرنين من الآن كانت أكثر تمسكا بعقيدتها التقليدية، وكانت تنتشر فيها معاني الاحتشام والتدين بصورة قريبة من تلك التي نشاهدها اليوم في التجمعات المسيحية داخل مجتمعاتنا الإسلامية، لكن لأن تدمير المجتمعات هو أول خطوات التمكين للماسونية، فقد كان تدمير المجتمعات الغربية وسحبها بعيدا عن عقيدتها الدينية أينما كانت هو أول خطوات التمكن منها واقتيادها.

ولذلك فإن الصهيونية التي هي حليف مكين ومكير للماسونية ليستا شرا مطلقا على الإسلام فقط، بل إنهما شر مطلق على المسيحية ذاتها بنفس القدر.

كما أن انكشاف حقيقة فكرة الصهيونية الاستعلائية والاستئصالية والوحشية كما ظهرت عليها في غزة ولبنان دمر الهالة الروحية التي كانت تتسم بها اليهودية في الخلفيات الذهنية لقطاع كبير من سكان المعمورة، وألحق بها ضررا لا يمكن ترميمه.

حروب صليبية

بعد ما حدث من أعمال إبادة في غزة وتواطؤ غربي واضح مع إسرائيل، ازداد الاعتقاد أن تمكين الصهيونية بشكلها الإجرامي الحالي من فلسطين المسلمة هو امتداد جديد للحروب الصليبية.

وانكشف أن هدف الغرب في هذا الامتداد هو وضع العالم العربي (الذي هو لب العالم الإسلامي) في حالة انشغال دائم مع حرب الوكلاء، عسكريا وفكريا، وقد نجح نسبيا في ذلك، حيث تسبب في إضعاف قوته وأهدر وزنه بين الأمم.

وكانت أكبر الصفعات هي نجاح الصهيونية والماسونية عبر وسائل متعددة للنيل من بنية الإنسان المسلم الفكرية والسلوكية، فيما استطاعت السياسات الاستعمارية الغربية تغريبه داخل وطنه عبر تنصيب حكومات موالية لها.

......

الغرب يريد أن يسقينا من نفس كأس السم الذي تجرعه هو قبلنا طواعية.. ومع ذلك هو مندهش من رفضنا الشراب!

أقرأ المقال على مجلة المجتمع الكويتية

https://bit.ly/3Ey8CuF

مشاركة مميزة

حينما تملكتني عقدة الكومباوندات - سيد أمين

 رغم أن روح القانون والدستور المصري ترفض التمييز بين الناس فرادى أو مجموعات على أساس ديني أو عرقي أو اجتماعي أو بأي وسيلة من وسائل التمييز، ...