بزوغ نجم إفريقي جديد في بوركينا فاسو- سيد أمين

 


رغم أنه لم يمضِ على تسلُّمه السلطة سوى عامين وأشهُر، فقد استطاع الجنرال الشاب إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو، البالغ من العمر 37 عامًا، أن يلهب مشاعر التحرر والنهضة، ليس لدى شعبه فقط، بل لدى شعوب القارة السمراء التي لطالما رزحت تحت نير الاستكانة والعبودية قرونًا، وكأنها ارتأت فيه زعامة يمكن لها أن تصطف مع شوامخ أبنائها المخلصين مثل جنوب إفريقيا مانديلا، والغاني نكروما، والأنغولية الملكة نزينغا، والليبي القذافي، والمصري عبد الناصر، خاصة مع اتخاذه الخطوات نفسها، من مطلب الاستقلال حتى مساعي التنمية وإعادة ثروات البلاد إلى شعبها، وهو اللبنة الأساسية لخطط الإصلاح الاقتصادي.
يعزز ذلك سلوكيات ينظر إليها الشباب بإجلال، مثل بساطته وعدم تكلُّفه، وحفظه للقرآن الكريم، وبلاغته السياسية، إضافة إلى قوة خطابه وشعاراته واستجابته السريعة لمطالب الجماهير.
وقد بدأت مسيرته السياسية حينما وصل إلى السلطة إثر قيادته انقلابًا عسكريًّا عام 2022 ضد سلطة عسكرية جاءت هي الأخرى بانقلاب عام 2021، في بلد أو قُل في قارة تمثل الانقلابات العسكرية فيها وسيلة تداول الحكم الوحيدة. وقد أحبط محاولات عدة للانقلاب عليه رغم قِصر مدة حكمه.
استغل فشل السلطة العسكرية السابقة وإغراقها البلاد في حالة من الفساد والفوضى وضعف السلطة المركزية لينفذ انقلابه وسط ترحيب شعبي كبير، وبعد ذلك بدأ برنامجه بسياسات تتخذ من الاستقلال والعدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي خطوطها العريضة.


معركة الاستقلال

ما إن استقر حكم هذا الشاب المتشبع بالثقافة الإسلامية حتى قرر طرد القواعد العسكرية الفرنسية من البلاد، وكانت تلك القواعد تمثل مركز الحكم الاستعماري الحقيقي، وكان مَن سبقوه من الجنرالات يرون كسب ثقتها صكًّا للبقاء طويلًا في الحكم دون منازع. فكشف هذا القرار عن شخصيته القوية لدى شباب بلاده الذين كانت تراودهم أحلام التحرير من الهيمنة الفرنسية، فتعلقوا به لدرجة أنهم نظموا حركات شعبية لتأمين جولاته الميدانية خوفًا عليه من الاغتيال.
ثم قام في أغسطس/آب الماضي بطرد مشروع “تارجت ملاريا” الذي أطلقته شركة “بيل وماليندا” التابعة للملياردير الأمريكي بيل غيتس عام 2019، وهو المشروع المعني بإجراء التجارب لتعديل إناث البعوض وراثيًّا بهدف محاربة الملاريا، الذي حذرت جهات بحثية وبرلمانية من أنه -حال فشله- قد يعرّض أمن البلاد الصحي لأخطار جسيمة، بخلاف تحويلها إلى مختبر لتجارب بيولوجية غربية.
وخطا تراوري خطوة أخرى نحو تفكيك الإرث الاستعماري الفرنسي عبر الجنوح ببلاده بعيدًا عن مجموعة الفرنك الإفريقي، التي تضم 12 دولة إفريقية، والتي أنشأتها فرنسا في الحقبة الاستعمارية بما يعود بالنفع الاقتصادي لها على حساب الشعوب الإفريقية، وذلك من خلال قيامه العام الماضي بافتتاح بنك وطني برأس مال 15 مليار فرنك إفريقي.
ومن القرارات اللافتة لتوجهاته المحافظة على التراث الإفريقي، قيامه بخلع الثوب الاستعماري بمعناه الحرفي، إذ أمر بإلغاء نظام فرضه الاستعمار الفرنسي على البلاد يحتّم على الماثلين أمام المحاكم ارتداء ملابس أوروبية، ويُلزم القضاة والمحامين بارتداء أغطية رأس ذات شعر مستعار، فسمح بارتداء الأزياء الوطنية للجميع، وعمَّم هذا القرار على المدارس والمصالح الحكومية.


الاستقلال الاقتصادي

وفي خلال عامين فقط من حكمه، نفذ خططًا للسيطرة الوطنية على موارد الدولة المعدنية عبر افتتاح مصفاة ذهب وتأميم منجمَين آخرَين وتحريرهما من السيطرة الغربية، خاصة أن الذهب يمثّل أحد أهم صادرات البلاد، ويعمل في تكريره وتعدينه عشرات الآلاف من الشباب.
يتصدر


وعلى هذا المنوال اهتم تراوري بمناحي الحياة الاقتصادية كافة، فاهتم بالفلاحة ودعم الفلاحين وتحديث أدوات الزراعة وإنشاء مراكز أبحاث زراعية، مع التركيز على إستراتيجية تَحُد من جعل بلاده موردًا للمواد الخام شأنها شأن كثير من الدول الإفريقية، فوضع سياسات تقوم على التصنيع الزراعي المحلي.
ومن المهم أن نذكر أن مثل تلك التطورات قد تبدو عادية، لكن الوصول إليها في بلد من بلدان الصحراء الإفريقية الكبرى، التي يضربها التصحر والفقر المائي والفساد الإداري والصراعات الدينية والقبلية والاقتصادية، يُعَد إنجازًا كبيرًا لم تعهده مثل هذه الدول.


تحديات جسيمة

من أكبر التحديات التي دفعت تراوري إلى عقد اتفاقات أمنية مع روسيا، أن الولاء لفرنسا لا يزال متجذرًا لدى بعض النخب القريبة من الجيش من قادة وضباط سابقين، ومن ثَم وجد نفسه بحاجة ماسّة إلى ظهير قوي يسنده سواء بالخبرات العسكرية أو الاستخبارية أو السياسية، في حال حدوث أي صراع عسكري في معركة التخلص من التبعية لفرنسا.
وتبقى أمامه معركة حاسمة هي أيضًا من مخلفات الحقبة الاستعمارية، ويُعتقد أنها من إنتاجها، هي الحرب على الميليشيات المسلحة المتطرفة وتجار المخدرات وعصابات الرقيق، ومن ثَم بسط السيادة على التراب الوطني كافة.
وكان تراوري قد أجَّل العام الماضي إجراء الانتخابات الرئاسية الديمقراطية مدة خمسة أعوام قادمة، وذلك حتى يتمكن الجيش من بسط سيطرته على أنحاء البلاد كافة، والقضاء على مظاهر الضعف والانقسام في الدولة.
والسؤال: هل ستستمر نجاحات تراوري في انتشال بوركينا فاسو من الفوضى إلى الاستقرار؟

https://ajm.news/9vyv0v

المقاومة العربية والإسلامية.. تاريخ من التجرد - سيد أمين

مرّ عامان على الطوفان المبارك الذي تفجّر من أجل تحرير الأرض المسلوبة، تتالت فيهما المذابح الإسرائيلية اليومية ضد شعب غزة المحاصر منذ عقود، وشاهدنا فيهما نسخةً مكثفة ومعمقة من أعمال الإبادة التي كانت تجري ببطء وفي صمت طيلة ثمانية عقود مضت، ولولا استبسال المقاومة الفلسطينية ما وصلنا إلى نسخة هذا السلام الهش.

عامان قدّمت فيهما الحكومات الغربية صورةً واضحة أيضًا لانحيازها الأعمى واللاإنساني ضد شعب هذه البقعة الحرة، فيما قدّم العرب صورة أخرى مشوّهة مليئة بالخذلان والعمالة.

والسؤال يأتي وقد انتهت المعركة، فيما أن الحرب لم تنته بعد: كيف «صمد» هؤلاء؟ وما عذر «صمت» أولئك؟

للحقيقة، إن الأمر يعود  لاعتقاد غربي عنصري، سايرته بعض النظم العربية، يرى أن السمت الإسلامي لأي شخص يدينه، وقتله حينئذ لا يحتاج لتبرير أو تحرٍّ للعدالة، فيما أن ينبوع صمود هذه الشخصية هو وازعها الديني وتربيتها الروحية.

وغني عن البيان أيضًا أن هناك «اعتراضًا» غربيًا ثابتًا منذ الاستقلال الوهمي في منتصف القرن الفائت على وصول التيارات الراديكالية للحكم في بلداننا العربية، ولكن هذا الحظر يأتي بدرجات متفاوتة، فيكون مشددًا وباتًّا وخشنًا لو كان يخص تيارًا إسلاميًا فيُمنَع من ممارسة السلطة إجمالًا، وتقل شدته قليلًا لو كان قوميًّا بحيث يمكن السماح له بالتمكُّن من السلطة لكن يُمنَع من النهوض والارتقاء، ثم الدرجة الثالثة وهي أن يكون اشتراكيًا وطنيًا، وهنا يتم وضع العراقيل أمامه حتى يفشل ويُنبَذ جماهيريًا. ونحن هنا سنخص حديثنا عن الحظر الإسلامي.


يزرع ولا يحصد

إذا كانت القاعدة المنطقية تقول إن من زرع حصد، وإن من قاد النضال من أجل استقلال بلاده يحظى بعد استقلالها بالحفاوة والتقدير والتكريم الواجب، وينبغي أن يُكافأ ويُترك له – أو للتيار السياسي المنتمي له – دفة القيادة ليسهم بقدر كبير في التشريع للعهد الجديد، وذلك كمكافأة واجبة له نظير ما بذله دون سواه من ضريبة في النفس والمال والثكل والأمن والطمأنينة وراحة البال، إلا أن الأمر في بلداننا الإسلامية والعربية يقع على النقيض تمامًا؛ حيث ينال أمثال هؤلاء الفدائيين الثائرين، والتيار الفكري الذي ينتمون له، كثيرًا من التجاهل والإقصاء، والتنكيل والتخوين والتشكيك في النوايا، وربما القتل.

لا أقصد بالقطع أفرادًا، فأغلب قادة الاستقلال في بلادنا العربية قضوا قبل أن تطرق الحرية أبواب بلادهم، فيما ظلت هي بعدهم تنتظر طويلًا عند تلك الأبواب منذ عقود، ولم يجنِ أحفادهم أي ثمار كتلك التي جناها من نافقوا المستعمر القديم وأشكاله الجديدة، ولكنني أقصد الحواضن الحزبية والفكرية التي أنجبت هؤلاء الأبطال، والتي غالبًا ما يتم إقصاؤها أيضًا.


الأزهر الشريف

وكما أن المدارس الإسلامية في الهند وأفغانستان وباكستان وكل دول العالم الإسلامي هي من ينتسب لها معظم المقاومين في هذه البلدان، فإن الأزهر الشريف كان تاريخيًا واحدًا من تلك الحواضن الكبرى لهم في جميع ربوع الوطن العربي أيضًا، ما يفسر السر وراء استهدافه ومنتسبيه بصورة عنيفة في كل الحملات التي استهدفت أمتنا قديمًا وحديثًا.

ويحكي التاريخ أنه رغم ضعف أدواتهم القتالية وهزالتها، كان مشايخ الأزهر الشريف هم من يقودون النضال ضد الحملة الفرنسية، وكانوا هم وأسرهم أكثر من عانوا التنكيل من قبل المستعمر، فيما طال التنكيل مسجد الأزهر نفسه الذي قُصف بـ«القنابر» ودنسته خيول الغزاة، وقتل بين أروقته الأبرياء المحتمون به.

وكان سليمان الحلبي الذي قتل القائد الفرنسي كليبر طالبًا أزهريًا، وتربى في أكنافه التاجر مصطفى البشتيلي مفجر ثورة القاهرة الأولى إبان الحملة الفرنسية الذي ضحى بجاهه وثروته.

وكان إبراهيم الورداني الصيدلي الذي قتل الخائن بطرس غالي باشا 1910 من أتباع الحزب الوطني ذا التوجهات الإسلامية آنذاك، ومنتميًا لجمعية «التضامن الأخوي» السرية التي اغتالت السير لي ستاك سردار الجيش المصري في السودان، وحاولت قتل المعتمد البريطاني اللورد كيتشنر.


المقاومون الأوائل

كما كان ممن تلقوا التعاليم الدينية وحفظوا القرآن الكريم القاضي وابن القاضي محمد بن عبد الكريم الخطابي، حيث قاد المقاومة المغربية ضد الاحتلالين الفرنسي والإسباني طيلة عقود، وعانى السجن والنفي حتى مات في مصر. وبالجوار قاد الأمير بكار ولد أاسويد الجهاد ضد الفرنسيين في موريتانيا، وقد عرف عنه حفظه للقرآن ودعوته الإسلامية.

وفي الجزائر، كان العشرة الكبار المهندسون للثورة هناك ينتمون في أغلبهم للتيار الإسلامي؛ فكان العقيد محمد شعباني الذي تشبع بروح جمعية العلماء المسلمين «وكان نصيبه الإعدام بعد الاستقلال»، وكان أحمد زبانة والعربي بن مهيدي وحسيبة بن بوعلي أعضاء في حركة الكشافة الإسلامية الجزائرية، وأيضًا دغين بن علي المعروف بالعقيد لطفي خريج مدرسة إسلامية، وكان «امحمد بوقرة» وجبارة بشير من حفظة القرآن، وهكذا.

ويكفي أن نقول إن أول أعمال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي بتونس انطلقت في 15 يونيو 1881 من مسجد عقبة بمدينة القيروان، وفي 1908 أسس «علي باشا حامبة» حركة وحزب «تونس الفتاة» ذا التوجهات الإسلامية. وقد أزعجت هذه الحركة فرنسا بشدة فحلّت الحزب سنة 1911م وشتّتت شمل القائمين به.

وبالقطع نعرف عظمة مقاومة عمر المختار ورفاقه، والحركة السنوسية في ليبيا ضد الاحتلال الإيطالي، ونعرف طبيعة توجهاتهم الفكرية والدينية، وكذا الثورة المهدية في السودان وتوجهاتها الإسلامية، وقوات الدراويش الصوفية التي قاومت الاحتلال البريطاني للصومال بقيادة محمد نور المعروف بـ«الملا المجنون».

وما سرى في المغرب سرى أيضًا في المشرق، حيث شهد جامع الحيدر خانة ببغداد بداية ثورة العشرين في العراق، بعد أن تحالفت طبقة الأفندية التي كانت عماد فئة موظفي الدولة العثمانية مع طبقة الملالي وشيوخ القبائل لطرد المستعمر البريطاني ونجحوا نجاحًا مبهرًا، لولا الخيانات.

المصدر: الجزيرة مباشر

https://ajm.news/f4y7qp

الضربات الصهيونية على الدوحة.. المغزى والمعنى - سيد أمين

 

شهادة وطنية حقيقية جديدة منحها الكيان الصهيوني اليوم إلى دولة قطر حينما استهدفت مسيَّراته أو صواريخه أحياءً في العاصمة الدوحة، قاصدًا اغتيال قادة الوفد المفاوض لحركة حماس حين كان يناقش مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكن شاءت الأقدار أن ينجو الجميع، ويبقى استهداف الدول الحرة ومدنييها وصمة عار في جبين قادة هذه الدولة المارقة المدعومة من أعتى جبابرة الأرض.

الشهادة تأتي من أن الدول العربية في نظر الكيان نوعان: نوع تمرح فيها جالياته ووفوده ومراكز أبحاثه وجواسيسه ويُستقبلون استقبال الأهل وأصحاب الدار، ودول أخرى تتسلل خلسة فيها صواريخه ومسيَّراته لتقصف مبنى هنا أو هناك وتفر هاربة أو تسقطها الدفاعات الأرضية. ونعلم أن الفرق بين هذه وتلك كالفرق بين الثري والثريا، وشاءت الأقدار أن تؤكد قطر موقعها في منطقة الثريا.

هذا التموضع لم ينشأ فقط على إثر تداعيات طوفان الأقصى، فإسرائيل فعلت بعده تمامًا كما كانت تفعل قبله، فقد اغتالت سلسلة طويلة من طواقم إعلاميي قناة الجزيرة في غزة بعده، ومنهم على سبيل المثال أنس الشريف والغول وأسرة الدحدوح، كما قتلت قبله شيرين أبو عاقلة. وكان هدفها الدائم إخراس شبكة الجزيرة القطرية التي كان لها نصيب الأسد في تعرية وجهها القبيح عالميًّا، وحطمت “السردية” التي رسختها الصهيونية لدى الغرب طيلة عقود مضت.

يُنتظر من الأشقاء العرب، خاصة في مجلس التعاون الخليجي، عدم الاكتفاء بإدانة هذه الضربات، بل القفز نحو قطع كل أشكال التعاون مع الكيان، وإثبات أن المجلس كتلة واحدة ضد استهداف مكوناته.

ولعل هذه الضربات ليست بمثابة رسالة إرهاب صهيونية إلى وفد الحركة المفاوض، ولا لدولة قطر فقط، ولكنها رسالة صهيونية إلى الأنظمة كافة في الشرق الأوسط، طبقًا لما عبَّر عنه صراحة رئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوحانا الذي نشر “فيديو” للقصف، وقال إنه بمثابة رسالة إلى الشرق الأوسط بأسره.

علاقات غير حميدة

وتدرك إسرائيل، كما يدرك أي مراقب منصف، أن العلاقات التي تربطها بقطر لا تصب أبدًا في صالحها، كما في نماذج علاقاتها السرية والمعلنة مع دول عربية وإسلامية أخرى، وذلك أن قطر تستخدمها في إطار تمثيل القضايا العربية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، والقيام بالوساطات بينه وبين فصائل المقاومة الفلسطينية، وليس في إطار مساعي طمس القضية والعبور فوق جثتها. ومن ثَم، فهذا ليس تطبيعًا حميدًا بالنسبة لها.



والحقيقة أن دور الوساطة، الذي تمارسه قطر بين وفد المقاومة الفلسطينية المفاوض والمستهدف بمحاولة الاغتيال الدنيئة والكيان الصهيوني، هو دور يهم الكيان بالقدر نفسه الذي يهم المقاومة، خاصة مع تعثره البالغ في غزة، وقيام المقاومة بتحطيم أسطورته العسكرية التي أجبر بها المنطقة العربية قاطبة زمنًا طويلًا، وصار الجميع يعلم أنه لولا الدعم الأمريكي والغربي له لكسرته المقاومة منذ زمن بعيد.

ولذلك فهذه الضربة تأتي في إطار كراهية الكيان لأدوار دولة قطر العربية بعد الطوفان وقبله. وفيما يبدو أن من أشعل نار الاختلاف بين قطر وأشقائها العرب من قبل وأثناء ولاية ترامب الأولى للبيت الأبيض، هو نفسه من أعطى الضوء الأخضر للاعتداء الصهيوني على دولة مستقلة وذات سيادة هذه المرة أيضًا، خاصة بعد ما صرَّح به المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي بأن إسرائيل أبلغتهم بالضربة.

وعمومًا، فكما استطاعت الإدارة القطرية اجتياز الاختبار الأول بحكمة، ستجتازه هذه المرة أيضًا، وسترتد آثاره على إسرائيل في المحافل الدولية.

الدور الإقليمي

الدور الإقليمي الذي تؤديه دولة قطر في المنطقة العربية والعالم دور عملاق، وكان أداؤها فيه ناجحًا لدرجة أن صارت الدوحة محط أنظار الساسة في العالم شرقًا وغربًا. فهي تقود الوساطات بين أمريكا وطالبان، وأمريكا وإيران، والمقاومة والكيان، بخلاف وساطات كثيرة قادتها لفض نزاعات بين دول إفريقية أو آسيوية متناحرة، ونجحت في كثير منها، محققة ما عجزت عن تحقيقه دول كبرى في العالم.

مع هذه الأدوار وهذا النجاح، ورفضها الانخراط في مؤامرات إقليمية، خاصة في تلك التي تمس مصير ومستقبل الشعب الفلسطيني الذي وقفت طول الوقت على معرفة بوصلته وخدمتها بوصفها قضية إنسانية محقة، لهذا تَزلقها كثير من الأنظار بشيء من الحسد تارة على صمودها في وجه الإغراءات، وتارة بالحقد عليها ومحاولة تشويهها، بينما تمتد أيادٍ أخرى لتساندها وتدعمها.

تساؤلات مهمة

السؤال الأهم: ما الذي سيفيد إسرائيل من اغتيال أفراد الوفد الفلسطيني المفاوض في الدوحة؟ وهل بعد أن تغتالهم ستكون بذلك انتصرت، أم أن مأزقها في غزة لا يزال قائمًا مع حركة فقدت كثيرًا من قادتها ومع ذلك تُلحق بالكيان الخسائر يوميًّا؟

وهل ستنجح في إعادة بناء صورة الغول بعدما حطمها مقاتلون جائعون محاصرون تتجسس عليهم معظم مخابرات الشرق والغرب؟

وهل كان ترامب مخادعًا في مقترحات السلام التي قدَّمها بينما كان يعلم في الوقت نفسه أن إسرائيل ستقصف اجتماع الوسطاء؟

الضربات كانت دليلًا عمليًّا على عدم رغبة نتنياهو في السلام ووقف العدوان على غزة، وخرقًا لقاعدة أخلاقية عرفها أعتى الظالمين في التاريخ، كالمغول مثلًا، وهي أن الوسيط مأمون في روحه وحريته.

المصدر: الجزيرة مباشر

https://ajm.news/te1gfz

ليبيا بعد الانتخابات البلدية وخطة تيتيه - سيد أمين

 في ليلة الثالث والعشرين من أغسطس/آب الماضي، وعشية إجراء انتخابات في 7 مراكز اقتراع تم تأجيلها لهذا اليوم بسبب قيام مخربين بحرقها في الجولة الأولى، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا عن نتائج متعثرة للمجموعة الثانية من الانتخابات البلدية، التي جرت في يوم 18 من ذات الشهر.

الملاحظ أنه قبل إعلان النتائج بأيام، بل وقبل بدء الانتخابات نفسها، راحت فضائيات ومواقع إخبارية عربية بعينها تغرق شبكة الإنترنت بأخبار تهلّل لما أسموه سقوط الإخوان وأنصار سيف الإسلام القذافي، فتستضيف

بسبب صدام حفتر.. تململ في المنطقة الشرقية - سيد أمين

رغم الهدوء الظاهر في المشهد الليبي، إلا أنه هدوء حذر لا ينم عن قرب أي إجراءات تعيد وحدة البلاد التي انشطرت إلى نصفين: نصف غربي تدعمه الشرعية الدولية، وآخر شرقي يصر على المضي قدمًا في حالة الانقسام لأغراض تخدم مصالح قادته العسكريين.

ومنذ أيام، نقلت وسائل إعلام ليبية عن صحيفة يونانية تدعى “فيتا دوت كوم” خبرًا مفاده قيام اليونان باحتجاز سفينة شحن تحمل علمًا بنميًا تُدعى “AYA1” في ميناء أستاكوس غربي البلاد، أواخر يوليو/تموز الماضي، وهي تحمل 350 مدرعة قتالية كانت في طريقها إلى ميناء بنغازي. وبعد تدخل الحكومة الليبية الشرعية في طرابلس تمت الموافقة على توجه السفينة إلى مصراتة الخاضعة لها.
تناقلت المنصات الإعلامية الليبية الخبر، حتى تلك التي تعتبر من بقايا إرث الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي مثل منصتي “الجماهيرية العظمى” و”أويا”، ما يعكس اتساع رقعة التململ من الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر حاكم المنطقة الشرقية، خاصة مع ثبوت علاقاته بإسرائيل، وسعيه لتكريس الحكم العائلي لأولاده، رغم عدم تمكننا من التأكد من صحة الخبر أو من وجود هذه الصحيفة اليونانية.

قصة نائب ونائبة
يدلل ليبيون على قسوة القبضة الحديدية التي يعامل بها الجنرال حفتر كل من يغضب عليهم، بما جرى لإبراهيم الدرسي النائب في البرلمان وأحد المقربين منه، وكذلك النائبة سهام سرقيوة.
فقد ظهر النائب في تسريب مصوَّر صادم وهو مكبل بالسلاسل داخل ما قيل إنه أحد سجون “لواء طارق بن زياد”، متوسلًا للحصول على عفو حفتر ونجله صدام.
وأرجعت مصادر سبب هذه العقوبة إلى ظهوره في فعالية داعمة لعملية الكرامة التي أطلقتها حكومة طرابلس.
وعادت سيرة سهام سرقيوة، عضو مجلس النواب الليبي عن مدينة بنغازي المختطفة منذ يوليو/تموز 2019، للتداول مجددًا في الأيام الماضية، بعد قيام مدونين وصحف بنشر صورتين: إحداهما زعموا أنها لها تحت التعذيب والاغتصاب على يد مسلحين تابعين لكتيبة تتبع الشرق الليبي، أما الصورة الثانية فلجثة متفحمة وعليها آثار تعذيب قالوا إنها تعود لها، وهو ما لم تؤكده أو تنفه أي جهة رسمية في شرق ليبيا حتى الآن.
وكانت سهام سرقيوة قد رفضت قبيل اختطافها بأيام قليلة من بيتها، من قبل قوة مسلحة قتلت زوجها، الحملة التي شنتها قوات حفتر على العاصمة طرابلس وطالبت بوقفها فورًا واستدعائه ومساءلته في البرلمان. كما رفضت في جلسة أخرى عسكرة الدولة، وطالبت بسن مادة تمنع صراحة من يعملون في الجهات العسكرية والأمنية من الترشح للانتخابات الرئاسية كما تفعل معظم دول العالم الحر، وإلزامهم بعدم الدخول في معترك السياسة أساسًا.
وزعم مراقبون ليبيون آنذاك أن عملية الاختطاف تمت بتخطيط من خالد نجل حفتر، وأنها اُقتيدت إلى معسكر طارق بن زياد حيث اغتصبت وعُذبت وقُتلت، فيما تنفي أسرة حفتر علاقتها بالموضوع.

تصعيد صدام
حالة الحنق على حفتر، البالغ من العمر 81 عامًا، ازدادت بشدة بسبب القبضة العسكرية الخانقة التي يحكم بها مناطق سيطرته ويعامل بها معارضيه، كما حدث مع النائبة سهام سرقيوة، وكذلك استعانته بمرتزقة من العديد من البلدان الإفريقية والعربية لتحقيق ذلك، مع قصص الفساد والاستحواذ التي جعلت بعضًا من المقربين له يهربون للخارج ويهاجمونه.
بعد ذلك جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير بتعيين ابنه “صدام” (34 عامًا) نائبًا له في قيادة ما يسمى “الجيش الوطني الليبي”، ما تسبب في وصول الحنق إلى أقرب قادته العسكريين الذين كانوا يتوقعون أن يتولى أحدهم المنصب.


مراحل تصعيد صدام لقمة الهرم العسكري كان يُرتب لها بشكل هادئ منذ سنوات، برزت عبر إيفاده إلى العديد من العواصم الدولية الغربية والشرقية والإفريقية وحتى أنقرة والقاهرة متحدثًا عن شرق ليبيا دون أن يكون له منصب معتمد، ثم تقدم خطوة كبيرة عبر إلحاقه بالجيش، تلاها خطوات لتسريع ترقياته ليتخطى الجميع، حتى ظهوره بزي تخرج عسكري من الأكاديمية العسكرية الأردنية.
ولعل اتخاذ حفتر للقرار عقب زيارة مبعوث البيت الأبيض مسعد بولس الشهر الماضي له في بنغازي، يشي بأن هناك ضوءًا أمريكيًا أخضر قد مُنح له، فاتخذ القرار وراح يهدئ من غضب قادة جيشه بإعلانه أن هناك حزمة ترقيات كبرى ستطول معظم القادة في الأيام المقبلة.
ورغم أن الهدف المعلن لزيارة المبعوث الأمريكي كان التوسط لإتمام الانتخابات البلدية الموحدة لليبيا في 16 أغسطس/آب الجاري، إلا أن هناك اتهامات عديدة للسلطات الشرقية بمنعها في عدة مناطق خاضعة لسيطرتها، فيما قامت ميليشيات تابعة لها بمحاولة عرقلتها في غرب وجنوب البلاد عبر إحراق مكاتب الاقتراع في الساحل الغربي ومدينة الزاوية، مما جعل مفوضية الانتخابات تؤجل انتخاباتها إلى 23 أغسطس/آب الجاري.
ولو تأكد ضلوع سلطات المنطقة الشرقية في هذا السلوك فهذا يعني أحد أمرين: إما حصول حفتر على ضوء أخضر بحصوله على رعاية أمريكية أكبر مستقبلًا، وبالتالي لا حاجة لانتخابات بلدية يمكن أن تقوي عضد حكومة طرابلس، وهو ما نرجحه خاصة أن زيارة مبعوثها تعني في حد ذاتها دعمًا له، وإما أنها حاولت الضغط عليه للتسليم بالأمر الواقع والسماح بعملية سياسية سلمية، وبالتالي جاء رده الاعتراضي في تخريب عملية الاقتراع بهذه الصيغة.
ويعتقد مراقبون أن القرارات الجديدة التي اتخذتها حكومة الشرق الليبي بقيادة أسامة حماد، بإزاحة سالم الزادمة وتكليف حميد حومة لشغل منصب نائب رئيس الحكومة بدلًا منه، ونقل شقيقه حسن الزادمة لمنصب خدمي في الجيش، هي محاولة من الجنرال خليفة حفتر للقضاء على النفوذ العائلي المنافس لأسرته في الانفراد بالحكم قبيل تصعيد صدام لمنصب قائد الجيش.
هكذا تُدار الأمور، بينما ينشغل الليبيون الوطنيون بإعادة الوحدة الليبية، ينشغل البعض بتكريس الانفصال.

https://ajm.news/5tt44r

خصخصة التعليم في مصر.. حديث الإحصاءات - سيد أمين

 

المقال نشر للمرة الأولى في عربي 21

تتفاقم معاناة طلاب الثانوية العامة في مصر وأولياء أمورهم بشكل كبير عام بعد عام، بعد العنت الكبيرة الذي لاقوه طيلة عام كامل جراء الانفلات الجنوني في أسعار الدروس الخاصة، التي وجدوا أنفسهم مجبرين على الاعتماد عليها كليا، بعد النقص الشديد في معلمي المدارس، فضلا عن وجود العديد من المعوقات، منها صعوبة المناهج وعدم تهيئة المدارس لإتمام العملية التعليمية.

المشكلة الأهم التي يواجها الخريجون تتعلق بالتنامي الواضح لدور الجامعات والمعاهد الخاصة والأهلية وحلولها محل التعليم الجامعي الحكومي، حيث لجأ مئات الآلاف من الطلاب إليها بعد ارتفاع المجاميع المطلوبة لدخول الجامعات والمعاهد الحكومية بكافة أنواعها.

ملامح المعاناة

وتستطيع أن ترصد تطور هذه المعاناة الآخذة في التنامي عبر إحصاءات متنوعة لعقد من الزمان، ففي عام 2014 كان عدد خريجي الثانوية العامة (دور أول وثان) نحو 470 ألفا، قبلت الجامعات والمعاهد الحكومية منهم 400 ألف بما نسبته 82 في المئة، وضمت المرحلة الأولى وهي المؤهلة لكليات القمة 100 ألف، بما يصل إلى 25 في المئة من أعداد الطلاب.

إلا أنه بعد مرور خمس سنوات؛ بلغ عدد الطلاب الذين اجتازوا امتحانات الثانوية العامة بدوريها نحو 577 ألفا، قبلت الجامعات والمعاهد الحكومية والأزهرية 73.1 في المئة منهم بنقص يصل إلى 9 في المئة، فيما التحق الباقون بالجامعات والمعاهد الخاصة.

وفي نفس العام (2019) "خرجت" الجامعات الخاصة 28 ألفا، بنسبة 4.6 في المئة من إجمالي خريجي التعليم العالي البالغ عددهم 604 آلاف، بزيادة 17.8 في المئة عن عام 2018، فيما خرجت المعاهد العليا الخاصة 86 ألف طالب، بنسبة 14.2 في المئة من إجمالي خريجي العام، وبزيادة 1.5 في المئة عن خريجي 2018، فضلا عن 6.6 ألف من خريجي الأكاديميات بنسبة 1.1 في المئة، و55.3 ألف من خريجي المعاهد الفنية، بنسبة 9.1 في المئة، مقابل 47.6 ألف خريج عام 2018، بارتفاع 16.1 في المئة. وتستطيع أن تلاحظ بوضوح أن التعليم الخاص استحوذ على قرابة 30 في المئة من إجمالي خريجي هذا العام، مع ملاحظة أن هؤلاء بدأوا تعليمهم الخاص في سنوات سابقة كان فيها هذا التعليم يستحوذ على نسب إشغال أقل بكثير من السنوات التي تلتها.

أما العام الماضي، فعدد من أدوا الامتحانات 726 ألفا في الدورين، ضمت المرحلة الأولى ما يقل عن 24 ألف طالب، بنسبة تزيد قليلا عن 3 في المئة من إجمالي عدد الطلاب، وهي تضم شريحة ضيقة بشكل غير مسبوق بعد أن كانت قبل خمس سنوات تزيد عن 22 في المئة من أعداد الناجحين.

وتكشف نسبة المرحلة الأولى في ذاك العام عن انحسار كبير في أعداد طلاب الجامعات والمعاهد الحكومية، بدليل التكالب الشديد من الطلاب على الالتحاق بالجامعات الخاصة والأهلية حتى من بين طلاب تلك المرحلة، ما يكشف ضخامة حجم أعداد الذين سيدخلون سوق التعليم الخاص.

سبوبة بلا عائد وطني

في السنوات العشر الماضية تضاعفت أعداد الجامعات والمعاهد الخاصة والأهلية المعترف بها في مصر عدة مرات لتصل إلى 66 جامعة، بخلاف 6 جامعات دولية و7 أفرع لجامعات دولية، وقرابة 200 معهد خاص، كل ذلك مقابل 27 جامعة حكومية فقط وعشرات المعاهد.

ويتضح عدم جودة أداء هذه الجامعات وانصباب تركيزها الأساسي على الدور الاستثماري من عنصرين أساسيين؛ أولهما الرسوم التي تطلبها من الطلاب الوافدين، وهي التي تصل في بعضها لقرابة النصف مليون جنيه سنويا، فضلا عن انخفاض "المجاميع" التي تقبل بها لدرجة الاقتراب من حد الرسوب وذلك بهدف ضم شرائح واسعة من الطلاب.

لن نجتر الحديث المحق عن أن هذا النوع من التعليم حوّل الشهادة الجامعية إلى بضاعة تباع وتشترى مثلها مثل أي سلعة أخرى في الأسواق؛ يحصل عليها من يملك المال لا العلم، فهو حديث معروف وملموس لواقع جرى تطبيعه قسرا تحت سياسة الأمر الواقع في المجتمع المصري.

وصار معلوما أنه تحت شعار التيسير على الطلاب؛ تقوم كثير من تلك الجامعات قبيل الامتحانات بطرح مذكرات مختصرة فيها أسئلة وأجوبة يكون من المعلوم أنها تتضمن أسئلة الامتحانات القادمة، فيقوم الطلاب بمراجعتها في الأسبوع الأخير السابق للامتحانات واجتيازه بيسر والحصول على درجات التفوق، دون ممارسة أي نوع من عملية التعلم أو مراجعة المناهج.

تهافت التهافت

يتبدى تهافت تلك الجامعات على تحقيق المكاسب الاقتصادية من هذا النظام الذي يطبقونه في عملية التقديم لها، فإذا كان التقديم في الجامعات الحكومية يتم بنظام المراحل ويقدم الطالب رغباته طبقا للكليات المتاحة في كل مرحلة ويقوم بإرسالها يدويا أو الكترونيا، وينتظر النتيجة طبقا لدرجاته المؤهلة لهذه أو تلك دون أي غُرم عليه، نجد الأمر قد اختلف تماما مع الجامعات والمعاهد الخاصة. فالقبول هنا ليس بأعلى الدرجات، ولكن بأولوية الحجز ودفع المصروفات عن نصف العام الدراسي الأول، ومن يملك المال يتعلم، في حين أن الخطوة الأكثر ارتباكا وصعوبة على أولياء الأمور تسبق تلك الخطوة، وهي الصعوبة التي تسبب فيها غياب الشفافية والتنظيم، حيث إن الطالب حينما يقوم بالتقديم لدخول أي جامعة يجبر على دفع رسوم تتراوح بين 1500 جنيه حتى 5 آلاف جنيه مصري، وسواء تم قبوله أو لا فإن هذه المبالغ لا تسترد، ما يجعله مضطرا للتقديم في أكثر من جامعة ويدفع نفس الرسوم خشية أن لا يجد كلية شاغرة له.

ولك أن تتخيل أن رسوم التقديم لجامعة واحدة من أجل حجز دور مبدئي قد يُقبل أو يُرفض قد تعادل وحدها نصف أو كل راتب موظف حكومي في شهر، وتتخيل أيضا مدى تضخم الحصيلة المالية العائدة على الجامعات جراء هذا الإجراء فقط.

التعليم في مصر موت وخراب ديار.

حين يُطلب من الضحية أن تحاكم نفسها - سيد أمين

 


مَثَل الذين يحمّلون المقاومة الفلسطينية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في غزة من خراب، كمثل النعامة التي لا تدخر جهدًا في غرس رأسها في التراب خشية تمكُّن العدو منها، بينما سائر جسدها متاح للافتراس وصولًا إلى رأسها، في حين أنها لو استخدمت هذا الجهد في مقاومة العدو، فلربما أخافته بجسدها الضخم وأزاحته من طريقها، أو على الأقل خفَّضت بمقاومتها تلك خسائرها، فتكون بذلك، كما توجعت، قد أوجعت.

المنطق المقلوب انتقل بنا من طور ادعاءات يطلقها الذباب الإلكتروني، إلى المسارات الرسمية، ببيان أطلقه مؤتمر دولي عُقد في نيويورك، يطلب نزع سلاح المقاومة، وتخلي حماس عن حكم غزة، وتسليم السلطة إلى إشراف دولي، ونشر قوات دولية في غزة.

يأتي ذلك رغم أن حماس حكمت غزة بناءً على نتائج انتخابات حرة، صحيح أنها حدثت عام 2006، ولكنها في الواقع الانتخابات الوحيدة التي جرت في تاريخ الشعب الفلسطيني. ولو كان أهل غزة قد ضاقوا ذرعًا بها وبالمقاومة، لتمردوا عليها، وساندتهم في ذلك قوات الاحتلال التي لم تألُ جهدًا لحدوث ذلك، دون جدوى.

والواقع أن وجود الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة العربية هو المشكلة، ووجوده هو ما أعطى ضرورة لوجود المقاومة، فبدلًا من أن يتناقشوا في أمر المقاومة التي هي نتيجة، كان ينبغي عليهم إخضاع الاحتلال للعدالة، بصفته السبب الأول لتفجير منطقة الشرق الأوسط، وإيقاعها في دائرة النار والصراع المستمر.

هذه الدعوات هي رسالة صهيونية إلى العالم بأن القوي ليس بحاجة إلى ذرائع ذات منطق ليفعل ما يشاء، بل إنه قادر بمنطقه المعوج على إرغام مؤسسات العدالة للاشتراك معه في الجريمة، من أجل “قصقصة” ريش المظلوم تمهيدًا لذبحه.

عبر الماضي

المقاومة لم تكن في تاريخها كله سببًا للتوتر، فحينما وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني، ثم أصدر رئيس وزراء بريطانيا بلفور عام 1917 وعده بإقامة الكيان الصهيوني على أراضيهم، انتهاءً بإقامته بالفعل عام 1948 تحت سياط الحديد والنار والتواطؤ الدولي، لم يكن السبب أن الفلسطينيين أو مقاومتهم استفزت بريطانيا، مع أنهم لو استفزوها فهذا حق لأصحاب الأرض تجاه مستعمريهم.

وحينما شنت إسرائيل حربها على العرب عام 1967، وقامت باجتياح كامل الأراضي الفلسطينية بما فيها الجولان وسيناء، ثم فرضت حصارًا وحرب تجويع على قطاع غزة، لم تكن هناك مقاومة لتلقي عليها أوزارها، بل كان هناك مجتمع دولي خضع لإرادة المعتدي.

الأمر يشبه تمامًا الأكذوبة التي ابتدعتها آلة دعايتهم السوداء لتبرير ما ارتكبوه من جرائم، بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم، والتي صدَّقها وروَّج لها رهط من بني جنسنا، لتبرير ملازمتهم الخنوع والاستسلام، ثم يشاء الله أن تتحطم إلى الأبد على صخرة طوفان الأقصى، بعد أن كذبها المنطق قبله.

وتكمن أنجع إجابة على الاتهام الخاص بمسؤولية حماس عمّا لحق بغزة بعد طوفان الأقصى، في الإجابة عن سؤال بشأن المسؤول عمّا اعتادت إسرائيل على ارتكابه من جرائم في الضفة الغربية، التي لا تحكمها حماس، والتي صوَّت الكنيست أخيرًا على قرار بضمها إلى الكيان، وهي التي لم تقم بطوفان أقصى، وتحكمها سلطة عباس المرضي عنها إسرائيليًّا.

دروس التاريخ

الجزائريون ناضلوا ضد الاستعمار الفرنسي لبلادهم قرابة القرن ونصف القرن، رغم فارق القوة بينهما، وتكبدوا نحو ستة ملايين شهيد، حتى تحرروا، في وقت ما كان يعتقد أكثر المتفائلين فيه أنهم سيحصلون على استقلالهم أبدًا.

ولم يكن المجاهد عمر المختار ومن معه هم من تسببوا في احتلال الجيش الفاشي الإيطالي لليبيا، ولكنهم جاؤوا رد فعل على الجرائم التي ارتُكبت بحق شعبهم، وطالت نصف الشعب تقريبًا، وفي النهاية رحلت إيطاليا، وانتهى نظامها الفاشي، وبقيت ليبيا وذكرى بطولات المختار.

وحينما قاوم أحمد عرابي ومن معه، واتهمه جوقة الاحتلال فيما بعد بأنه مارق وفاجر، لا يصح أن نقول إنه هو من جاء بالإنجليز، لكن الصحيح أن نقول إنه هو من رفع راية المقاومة نيابةً عن أمته المتخاذلة، ودفاعًا عن وطنه.

وما ينطبق على هذا وذاك، ينطبق أيضًا على المقاومة الفلسطينية، لأن مقاومة الاحتلال حق تكفله كل القوانين الدولية، وقبلها الإنسانية.

حديث التهلكة والإعداد

هناك من يحمّلون المقاومة المسؤولية بدعوى عدم إلقاء النفس إلى التهلكة، هؤلاء هم في الواقع دعاة استسلام وخنوع، يخالفون روح الإسلام، الداعي إلى عزة المسلم وحريته وسيادته، وإيمانه بأن الموت والحياة من عند الله، موجبًا الدفاع عن أي مسلم في أي ركن من بقاع الأرض، متى انتُهكت أرضه أو عرضه أو روحه أو دينه أو ماله، وكل تلك المقدسات تنتهكها إسرائيل في غزة وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة عيانًا بيانًا، وعلى مدار الساعة.

المسلمون الأوائل لم يكونوا في أي معركة خاضوها هم الأكثر عددًا، ولا الأكثر عتادًا من عدوهم، ومع ذلك انتصروا فيها كلها، بقوة حجتهم وحاجتهم وصمودهم وإيمانهم.

ويتهجمون على المقاومة بزعم أنها تعجلت طوفان الأقصى، وكان عليها الانتظار لحين الإعداد الجيد لمقابلة العدو، قد يبدو الأمر مقبولًا لو لم تكن غزة محاصَرة، ويُطبَّق هذا الحصار الخانق عليها يومًا بعد يوم، ما يعني أن الانتظار -وقد انتظر الفلسطينيون 75 عامًا كاملة- لن يضيف إليهم قوة، بل زادهم ضعفًا، حتى ظن الناس أن قضيتهم دُفنت إلى الأبد.

وكان ممكنًا الاستناد إلى هذه الحجة بصورة ما، لو كانت الجبهة العربية صامدة موحدة تجاه العدو، في حين أن أرض الواقع تشهد تمدد ظل إسرائيل، ليس على فلسطين وحدها، بل على المنطقة العربية كلها، فتساقطت دولها واحدة تلو الأخرى في بئر التطبيع معه، ثم تطور الأمر إلى التبعية، وصولًا إلى مرحلة لم تكن أبدًا متصورة في أكثر الخيالات قبحًا من قبل، وهو أن يدعم العرب سرًّا إسرائيل ضد المقاومة.

الخانعون وجَّهوا كل النقائص إلى المقاومة، لأنهم عاجزون عن مواجهة الاحتلال، والمقاومة اختارت طريقها منذ الخطوة الأولى فيه، وتعرف نهايته: نصر أو شهادة.

المصدر: الجزيرة مباشر

https://ajm.news/0ahdn8

مشاركة مميزة

قصف أفغانستان وتناقضات المشهد الباكستاني - سيد أمين

رئيس وزراء باكستان وقائد جيشها في حضرة ترامب نقلا عن عربي 21 حالة إحباط تسود المراقبين في العالم الإسلامي والدول المناهضة لسياسات الهيمنة ال...